سياسة
أخر الأخبار

«قانون قيصر» يؤكد أن أمريكا هي الماسكة بخيوط اللعبة في سوريا

اقرأ في هذا المقال
  • «قانون قيصر يسحب حتى من أهل سوريا أنفسهم وعلى رأسهم الثوار، حق تحديد مصير نظام الحكم في سوريا وطبيعة حكمه ودستوره، فأمريكا تفرض حلها السياسي هي، وتهدد بمعاقبة كل من يعرقله. فأي سيادة بقيت للمسلمين أصحاب البلد؟«

من أخطر الأعمال والأفكار على أي أمة أو دولة أو جماعة والتي تكون عواقبها كارثية عليهم، هو التحليل السياسي السطحي أو الخاطئ، والقراءات السطحية للأحداث، إذ تنتج عن تلك التحليلات الباطلة سياسات ومواقف قاتلة. من بين هذه التحليلات السياسية السطحية، هو سوء تحليل الكثيرين للوضع في سوريا، فقالوا إن روسيا تدخلت رغم أنف أمريكا في سوريا وأصبحت تنافسها على النفوذ هناك، بل وأوشكت على طرد النفوذ الأمريكي كلية من سوريا. وقَوْلٌ مشابه قالوه بخصوص التدخل التركي في ثورة الشام. تحليلهم السياسي الخاطئ جعلهم يستنتجون أن تركيا وروسيا هما أصحاب الحل والعقد في سوريا. تقدير الثوار الخاطئ للموقف التركي من ثورة الشام، كان كارثيا عليهم، إذ ترتب عن ذلك أن جعلوا تركيا ضامنة للثورة ووصية عليهم، وسلمت كل الفصائل الثورية في سوريا زمام الأمور لتركيا، فأصبحت تقاتل وتدخل المفاوضات وتهادن وتنسحب وتستلم حسب أوامر أمريكا التي نابت عنها تركيا في تمرير المخططات، حتى وجد الثوار أنفسهم في الأخير وقد خسروا كل الأراضي التي حرروها سابقا من سيطرة نظام الأسد، وباتوا محاصرين في إدلب. وآخرون (أي ثوار سوريا) وجدوا أنفسهم يقاتلون في حرب أخرى وظيفية في ليبيا، دون أن يدركوا أنهم حطام يحترق لخدمة مشاريع أمريكا، مشاريع تنفذ تركيا جزءا منها. لم يدرك أصحاب التحليل السياسي السطحي أن هناك فرق بين “العامل” و”رب العمل”، بين “المنفذ” و”الآمر”، بين “مدير الأعمال” و”رب الشركة” الذي يوظف المدير ويوكل له إدارة أعماله. فروسيا وتركيا برزا في سوريا كمنفذين لأعمال وأهداف، لكن لم يكونوا هم المخططين لها ولا أصحاب الإرادة والسيادة في سوريا. وأحداث كثيرة خلال الثورة السورية كانت شاهدة على ذلك، من بينها عدم قدرة التحرك العسكري التركي في سوريا إلا بعد موافقة أمريكا، وضمن البعد الجغرافي الذي وافقت عليه أمريكا. فعلى سبيل المثال لا الحصر، أوقفت أمريكا ما يسمى “عملية نبع السلام” التي أطلقتها تركيا في صفر 1441هـ (أكتوبر 2019م) ضد المناطق الخاضعة لنفوذ قوات سوريا الديمقراطية، بعدما انسحبت القوات الأمريكية من تلك المنطقة. وفي جمادى الأولى 1439هـ (فبراير 2018م)، نفذت الولايات المتحدة الأمريكية غارة جوية على منطقة دير الزور، استهدفت مقاتلين روس وقتلتهم، ردا على استهداف مقر المقاتلين الأكراد والعرب السوريين المدعومين من واشنطن.

قراءات سطحية لـ«قانون قيصر»

ومن القراءات السطحية للأحداث السياسية، هو ما يغلب حاليا على تحليل «قانون قيصر» الذي أصدرته أمريكا في السنة الماضية ودخل حيز التنفيذ قبل أيام، حيث يتطاير المسلمون، خصوصا من المناوئين لنظام بشار الأسد في سوريا، فقط أجزاءً من «قانون قيصر» متعلقة بعقوبات على بشار الأسد وزوجته وبعض أفراد أسرته وأعوانه، ويهللون لها ويفرحون بها، ويعتبرونها نصرا، دون أن يدركوا البعد الحقيقي للقانون الأمريكي. من بين أهداف «قانون قيصر» والذي نشرته الخارجية الأمريكية:

  • يتضمن الأمر التنفيذي (لـ«قانون قيصر») عقوبات جاهزة، بما فيها حظر السفر إلى الولايات المتحدة والعزل عن النظام المالي الأمريكي للأجانب الذين يمولون أو يشاركون في أنشطة عرقلة أو منع أو تعطيل التوصل إلى وقف لإطلاق النار أو حل سياسي للصراع في سوريا وأفراد عائلتهم، بالإضافة إلى إجراءات أخرى.
  • تستهدف العقوبات الإجبارية التي ينص عليها قانون قيصر من ييسرون استحواذ نظام الأسد على سلع أو خدمات أو تقنيات تدعم أنشطة النظام العسكرية وصناعاته في مجال الطيران والنفط وإنتاج الغاز.
  • ينص قانون قيصر أيضا على فرض عقوبات على من يستفيدون من النزاع السوري من خلال المشاركة في أنشطة إعادة البناء.

فـ«قانون قيصر» هو بالدرجة الأولى رسالة لكل دول الغرب وروسيا، ناهيك عن تركيا، أن الغنائم السياسية والاقتصادية للصراع السوري الذي أدارته أمريكا غالبا من الخلف، ودفعت فيه روسيا وإيران وتركيا للواجهة، أنها كلها (أي تلك الغنائم) تحت السيادة الأمريكية، هي التي توزعها كيف تشاء، ولا أحد له حق التصرف فيها دون الرجوع الى أمريكا. و«قانون قيصر» يسحب حتى من أهل سوريا أنفسهم وعلى رأسهم الثوار، حق تحديد مصير نظام الحكم في سوريا وطبيعة حكمه ودستوره، فأمريكا تفرض حلها السياسي هي، وتهدد بمعاقبة كل من يعرقله. فأي سيادة بقيت للمسلمين أصحاب البلد؟ وسنعيش نفس الصورة في ليبيا، إذ تُجَهِّر أمريكا ملف جرائم لكل الفصائل المقاتلة هناك، وليست جرائم جيش حفتر فحسب، لتخرج بقوانين وقرارات ظاهرها “الرحمة”، ظاهرها أنها تريد معاقبة مجرمي الحرب، لكن باطنها فرض الهيمنة على كل جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في ليبيا. أمريكا دفعت في ليبيا أيضا بروسيا وتركيا للواجهة، لينفذوا بالنيابة عنها الأعمال القذرة وليسحبوا البساط من تحت أقدام الأوروبيين ويحدوا من نفوذهم، ثم ستظهر أمريكا في الأخير لتعلن قرارات وقوانين تجعل لها السيادة المطلقة على الغنائم في ليبيا.



 

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

د. هشام البواب

الدكتور هشام البواب، ناقد ومحلل سياسي واجتماعي مستقل . مقالاته تشمل موضوعات سياسية واجتماعية وفقهية وعلوم تجريبية :::::: بعض كتابات الدكتور هشام البواب في الرابط التالي: https://atanwir.com/منشورات-الدكتور-هشام-البواب ::::::: hicbou1@mailfence.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى