علوم شرعية وفقهية

لماذا يجب التصدي لمن يترحم على الميت الكافر؟

اقرأ في هذا المقال
  • «الآية لا تدل على حرمة الترحم على موتى الكفار فحسب، بل كذلك على وجوب نهي المسلم غيره من المسلمين عن الترحم على الكفار، اقتداء بالله سبحانه الذي نهى المسلمين عن ذلك. فلو كان الترحم على الكافر أمرا هينا، لسكت عنه الله، فلما لم يسكت سبحانه عن ذلك، لم يكن جائزا للمسلمين السكوت عنه»

مع تفشي الجهل بالإسلام بين المسلمين، واضمحلال فهم أحكامه، انتشرت بين المسلمين ظاهرة تهوين المُنكر والحرام والكفر، واندثرت أحكام الولاء لله وحده والبراء من كل من يخالف أوامره أو يكفر به سبحانه.

ومن بين ما نتج عن هذا الجهل بأحكام الإسلام، توزيع المسلمين لصكوك الغفران لكل من هب ودب: يترحمون على المشرك، وعلى الكافر، وعلى المرتد، وعلى الملحد، ويهاجمون بشدة من ينهاهم عن الترحم على من مات كافرا، بل والأعجب أن يتصدى للناهين عن هذا المنكر حتى بعض من يسمون دعاة ومشايخ.

فالتصدي لمن يترحم من المسلمين على من مات كافرا واجب لأن الله أمر بذلك، فالله نهى المسلمين والرسل عن الترحم على الكفار {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} (سورة التوبة). فالآية لا تدل على حرمة الترحم على موتى الكفار فحسب، بل كذلك على وجوب نهي المسلم غيره من المسلمين عن الترحم على الكفار، اقتداء بالله سبحانه الذي نهى المسلمين عن ذلك. فلو كان الترحم على الكافر أمرا هينا، لسكت عنه الله، فلما لم يسكت سبحانه عن ذلك، لم يكن جائزا للمسلمين السكوت عنه.

والآية تدل أيضا على وجوب التبين من حال الشخص، أهو كافر أم مؤمن، لأن ذلك يترتب عليه أحكاما كثيرة، من بينها أحكام الجنازة والميراث والاستغفار والاسترحام له.

الأدلة على خلود الكفار في جهنم

أما كيف يتبين للمسلمين أن شخصا من أهل الجحيم، فذلك بموته على الكفر الظاهر. لأن الجحيم الأبدي هو للكفار. أما المسلم فقد يغفر الله له ولا يدخل جهنم أو يدخلها لكن لا يُخلد فيها.

ومن الأدلة على أن الكفار من أهل الجحيم، من الخالدين في جهنم، قول الله:

{فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} (سورة البقرة). فالنار أعدت أصلا للكافرين، فهي مقرهم الأبدي.

قال الله: {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} (سورة المائدة).

وقال سبحانه وتعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ} (سورة البقرة).

وقال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ} (سورة آل عمران).

وقال الله تعالى: {لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ} (سورة آل عمران).

الحكم بالكفر أو الإيمان في الدنيا يُبنى على ظاهر الأفعال أو الأقوال

والمسلم يحكم على الناس من ظاهرهم، فإن ظهر من إنسان قول أو فعل يدل قطعا على الكفر، فيجب اعتباره كافرا والتعامل معه على ذلك الأساس. فمثلا من أعلن أن محمدا ليس رسولا، أو أنكر وجود الله، أو كذب آيات قرآنية أو رد أحاديث نبوية قطعية، أو سب الله أو الرسول، أو استحل ما حرم الله، أو حرم ما أحل الله، الى غير ذلك من الأقوال والأفعال القطعية الدلالة على الكفر، فهو كافر قطعا، ويجب تطبيق أحكام الكفار عليه حيًّا وميتا. ومن بين تلك الأحكام عدم جواز الترحم عليه بعد موته.

ومن الأدلة على أن الحكم على الناس بالكفر أو الإيمان، إنما يكون على ما يظهر منهم من أعمال أو أقوال:

  • قول الرسول صلى الله عليهم وسلم: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ، عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، إِلَّا بِحَقِّ الْإِسْلَامِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى» (صحيح البخاري ومسلم). قَوْلُ الرسول: «وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ» أَيْ: [فِي أَمْرِ سَرَائِرِهِمْ. …. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى قَبُولِ الْأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ وَالْحُكْمِ بِمَا يَقْتَضِيه الظَّاهِرُ] (فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني). وقال البغوي في شرح السُّنة: [وفي الحديث دليل على أن أمور الناس في معاملة بعضهم بعضاً إنما تجري على الظاهر من أحوالهم دون باطنها].
  • ورواية أُسَامَة بن زَيْدٍ، قَالَ بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ فِي سَرِيَّةٍ، فَصَبَّحْنَا الْحُرَقَاتِ مِنْ جُهَيْنَةَ فَأَدْرَكْتُ رَجُلًا (من الكفار)، فَقَالَ “لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ”، فَطَعَنْتُهُ بِرُمْحِي حَتَّى قَتَلْتُهُ. فَلَمَّا قَدِمْنَا المدينة بَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ، فَقَالَ لِي صلى الله عليه وسلم: «يَا أُسَامَةُ، قَتَلْتَهُ بَعْدَمَا قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟»، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا قَالَهَا خَوْفًا مِنَ السِّلَاحِ. فَقَالَ الرسول: «أَفَلَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حَتَّى تَعْلَمَ قَالَهَا أَمْ لَا؟»، فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَيَّ حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ (شرح النووي على مسلم). قَالَ النَّوَوِيُّ: [مَعْنَاهُ أَنَّكَ إِنَّمَا كُلِّفْتَ بِالْعَمَلِ بِالظَّاهِرِ وَمَا يَنْطِقُ بِهِ اللِّسَانُ، وَأَمَّا الْقَلْبُ فَلَيْسَ لَكَ طَرِيقٌ إِلَى مَعْرِفَةِ مَا فِيهِ، فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ امْتِنَاعَهُ مِنَ الْعَمَلِ بِمَا يَظْهَرُ بِاللِّسَانِ، فَقَالَ الرسول: «هَلَّا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ» لِتَنْظُرَ هَلْ قَالَهَا بِالْقَلْبِ وَاعْتَقَدَهَا وَكَانَتْ فِيهِ، أَمْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ وجَرَتْ عَلَى اللِّسَانِ فَحَسْبُ. يَعْنِي: فَأَنْتَ لَسْتَ بِقَادِرٍ عَلَى هَذَا، فَاقْتَصِرْ عَلَى اللِّسَانِ وَلَا تَطْلُبْ غَيْرَهُ، وَفِيهِ دَلِيلٌ لِلْقَاعِدَةِ الْمَعْرُوفَةِ فِي الْفِقْهِ وَالْأُصُولِ أَنَّ الْأَحْكَامَ يُحْكَمُ فِيهَا بِالظَّوَاهِرِ، وَاللَّهُ تَعَالَى يَتَوَلَّى السَّرَائِرَ].
  • ومن الأدلة على ذلك أيضا، كيفية تعامل الرسول مع المنافقين في المدينة وعلى رأسهم عبد الله بن أُبَي بن سلول، فالرسول لم يقم أحكام الردة على المنافقين ليس خوفا من الرأي العام حسب الحديث النبوي «معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي»، ولكن لأن ظاهرهم كان الإسلام، فسيتحدث الناس أنه أقام الحد بغير وجه حق ظاهر. وقد أقام الرسول الحدود على عدد من المسلمين وأمر بقتل مشركين، كلما ثبت بالبينة الظاهرة ارتكابهم جرما يستحق الحد. … فالرسول لم يتعامل مع المنافقين بما علِمَه بالوحي عن باطنهم، ولكن حسب الأحكام الشرعية التي تحكم على الظاهر. فعبد الله بن أبي بن سلول لم يجهر بالكفر، وكان ينكر أمام الرسول ما كان يُنسب إليه من أقوال، كقوله “يخرج منها الأعز الأذل”، أو قذف أم المؤمنين عائشة بالزنا. قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى، كتاب الإيمان: [الْإِيمَانَ الظَّاهِرَ الَّذِي تَجْرِي عَلَيْهِ الْأَحْكَامُ فِي الدُّنْيَا لَا يَسْتَلْزِمُ الْإِيمَانَ فِي الْبَاطِنِ الَّذِي يَكُونُ صَاحِبُهُ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فِي الْآخِرَةِ، فَإِنَّ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ قَالُوا: {آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ}، هُمْ فِي الظَّاهِرِ مُؤْمِنُونَ، يُصَلُّونَ مَعَ النَّاسِ، وَيَصُومُونَ وَيَحُجُّونَ وَيَغْزُونَ، وَالْمُسْلِمُونَ يُنَاكِحُونَهُمْ ويوارثونهم كَمَا كَانَ الْمُنَافِقُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَلَمْ يَحْكُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمُنَافِقِينَ بِحُكْمِ الْكُفَّارِ الْمُظْهِرِينَ لِلْكُفْرِ لَا فِي مُنَاكَحَتِهِمْ وَلَا موارثتهم وَلَا نَحْوِ ذَلِكَ؛ بَلْ لَمَّا مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبي ابْنُ سلول – وَهُوَ مِنْ أَشْهَرِ النَّاسِ بِالنِّفَاقِ – وَرِثَهُ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ وَهُوَ مِنْ خِيَارِ الْمُؤْمِنِينَ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ مَنْ كَانَ يَمُوتُ مِنْهُمْ يَرِثُهُ وَرَثَتُهُ الْمُؤْمِنُونَ، وَإِذَا مَاتَ لِأَحَدِهِمْ وَارِثٌ وَرِثُوهُ مَعَ الْمُسْلِمِينَ].

«أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ»

 يستنكر البعض على المسلمين إصرارهم على تصنيف الناس في زاوية الإسلام أو الكفر، ويقولون “من أين للمسلمين الحق والتفويض للحكم على حال الناس هل هم كفار أو مسلمين؟”. والرد على ذلك من عدة أوجه، أكتفي – للإيجاز – بذكر بعضها فقط:

أولا، وكما سبق الذكر، التثبت من حال الإنسان هل هو كافر أو مؤمن (التثبت من الحال الظاهر وليس السرائر)، غاية في الأهمية، إذ تترتب عليه إقامة الأحكام الشرعية التي فرضها الله، أحكاما متعلقة بالحقوق والواجبات، والأعراض والدماء والأموال، لذلك قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} (سورة النساء). وقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} (سورة الممتحنة). فمثلا الكافر لا تجب عليه الزكاة ولا الصلاة ولا الصيام ولا الجهاد، وعلى الذكور البالغين العاقلين القادرين منهم دفع الجزية. ولا يجوز للكافر الزواج من مسلمة، ولا يجوز أن يرث مسلمٌ كافرًا ولا كافرٌ مسلمًا، ولا يتولى الكافر مناصب الحكم كمنصب الرئاسة أو الخلافة، وغيرها الكثير من المعاملات بين الناس والحقوق والواجبات التي تحددها عقيدة الإنسان.

ثانيا، المسلمون حمَّلَهم الله المسؤولية تجاه البشرية جمعاء، مسؤولية تبليغ الرسالة والشهادة عليهم في الدنيا والآخرة بأنهم بُلِّغوها، فقد قال سبحانه: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} (سورة البقرة). عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قال، قَالَ رَسُولُ اللَّه: «يُدْعَى نُوحٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ يَا رَبِّ، فَيَقُولُ (الله) هَلْ بَلَّغْتَ؟ فَيَقُولُ (نوح) نَعَمْ. فَيُقَالُ لِأُمَّتِهِ هَلْ بَلَّغَكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: مَا أَتَانَا مِنْ نَذِيرٍ. فَيَقُولُ (الله) مَنْ يَشْهَدُ لَكَ؟ فَيَقُولُ مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ، فَتَشْهَدُونَ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا}، وَالْوَسَطُ الْعَدْلُ». وَمِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ رَجُلٍ مِنَ الْأُمَمِ إِلَّا وَدَّ أَنَّهُ مِنَّا أَيَّتُهَا الْأُمَّةَ، مَا مِنْ نَبِيٍّ كَذَّبَهُ قَوْمُهُ إِلَّا وَنَحْنُ شُهَدَاؤُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنْ قَدْ بَلَّغَ رِسَالَةَ اللَّهِ وَنَصَحَ لَهُمْ» (فتح الباري شرح صحيح البخاري).

فإن كان المسلمون شهداء على كل الأمم في الآخرة، حتى أمم الرسل السابقة التي لم يعاصروها، ولكن عَلِمُوا حالها مما أبلغهم الله ورسوله محمد في القرآن والسُّنة على التوالي، … أقول إن كان المسلمون أهلا للشهادة على كل الأمم ويشهدون في الآخرة لكل الرسل على تبليغهم الرسالة لأممهم، فمن باب أولى أن يكونوا شهداء على الناس في الدنيا، ويُسألون عن حالهم فيها.

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: مُرَّ بِجَنَازَةٍ فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا خَيْرًا، فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَجَبَتْ وَجَبَتْ وَجَبَتْ» (أي وجبت له الجنة)، وَمُرَّ بِجَنَازَةٍ فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا شَرًّا، فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ: «وَجَبَتْ وَجَبَتْ وَجَبَتْ» (أي وجبت له النار). قَالَ عُمَر: فِدًى لَكَ أَبِي وَأُمِّي، مُرَّ بِجَنَازَةٍ فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا خَيْرٌ فَقُلْتَ وَجَبَتْ وَجَبَتْ وَجَبَتْ؛ وَمُرَّ بِجَنَازَةٍ فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا شَرٌّ فَقُلْتَ وَجَبَتْ وَجَبَتْ وَجَبَتْ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: «مَنْ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، وَمَنْ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا وَجَبَتْ لَهُ النَّارُ. أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ» (صحيح البخاري). وطبعا هذه الشهادة لا تكون إلا للثقات والمتقين، كما ذكر ابن حجر العسقلاني. فالمسلمون الجاهلين بأحكام الإسلام، والفساق، وأصحاب الأهواء، وحتى المتقون الذين يجهلون حال الشخص المعني بالأمر، ليسوا أهلا للإدلاء بتلك الشهادة.

رحمة الله لا تشمل كل الناس، بل يُستثنى منها من استثناهم الله

ومن علامات الجهل بالإسلام، استدلال الذين يترحمون على من مات كافرا بقول الله: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} (سورة الأعراف).

والرد عليهم من الآية نفسها التي اقتطعوا منها ما وافق هواهم، ومن الآية التي تليها. إذ يقول الله قبل هذا المقطع وبعده: {وَاكْتُبْ لَنَا فِي هذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ} (سورة الأعراف، الآيات 156ـ157)، {هُدْنَا إِلَيْكَ}، أي تبنا إليك. فالله أبلغنا أنه سيصيب قطعا أقوما بعذابه، وجاء وعيد العذاب قبل بشرى الرحمة، تأكيدا على أن ما يستوجب العذاب خارجٌ من الاستثناء اللاحق في الآية. ثم بيَّن لنا سبحانه من هم المُستثنون من العذاب، الذين تشملهم رحمة الله، فقال: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ}.

ومن الذين حق عليهم العذاب ومستثنون من الرحمة في الآخرة، الذين ماتوا كفارا، كما تبين من الآيات السابقة الذكر في مطلع هذا البحث.

ثم أطرح سؤالا آخرا في هذا السياق: هل إبليس تشمله رحمة الله {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ}؟ فإن أجبتم بلا، فإلى ماذا استندتم بنفيكم الجنة لإبليس؟ فكما استندتم إلى آيات وأحاديث تستثني إبليس من دخول الجنة، كذلك عليكم الاستناد للقرآن والسُّنة التي استثنت الكفار من الرحمة في الآخرة.

فالمؤمنون لا يقسمون رحمة الله، ولا يحكمون من تلقاء أنفسهم على الناس بالكفر أو الإيمان، ولا الجنة أو النار، ولكن هم يُخبرون فقط بحكم الله الذي تعلموه من القرآن والسُّنة، وأُلزموا بتصديقه واتباعه.

الدعاء بالرحمة لمن مات كافرا هو استهزاءٌ بآيات الله

قال الله تعالى: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} (سورة الأعراف). ويدخل ضمن التعدي في الدعاء، طلب الله شيئا قطع سبحانه أنه لن ينجزه. فمن التعدي، الدعاء لموتى الكفار بالرحمة، مع أن الله أبلغنا أنهم من أهل النار ومستثنون من رحمته. قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى: [فَالِاعْتِدَاءُ فِي الدُّعَاءِ تَارَةً بِأَنْ يَسْأَلَ مَا لَا يَجُوزُ لَهُ سُؤَالُهُ مِنْ الْمَعُونَةِ عَلَى الْمُحَرَّمَاتِ، وَتَارَةً يَسْأَلُ مَا لَا يَفْعَلُهُ اللَّهُ مِثْلَ أَنْ يَسْأَلَ تَخْلِيدَهُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، أَوْ يَسْأَلَهُ أَنْ يَرْفَعَ عَنْهُ لَوَازِمَ الْبَشَرِيَّةِ مِنْ الْحَاجَةِ إلَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَيَسْأَلَهُ بِأَنْ يُطْلِعَهُ عَلَى غَيْبِهِ، أَوْ أَنْ يَجْعَلَهُ مِنْ الْمَعْصُومِينَ، أَوْ يَهَبَ لَهُ وَلَدًا مِنْ غَيْرِ زَوْجَةٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا سُؤَالُهُ اعْتِدَاءٌ لَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَلَا يُحِبُّ سَائِلَهُ].

وقال الله سبحانه: {وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا} (سورة البقرة). يقول السعدي في تفسيره: [لما بَيَّن تعالى حدوده غاية التبيين، وكان المقصود العلم بها والعمل، والوقوف معها، وعدم مجاوزتها، لأنه تعالى لم يُنزلها عبثا، بل أنزلها بالحق والصدق والجد، نهى عن اتخاذها هزوا، أي: لعبا بها، وهو التجرُّؤ عليها، وعدم الامتثال لواجبها] (ا.هـ). فلما يأمر الله بحرمة الدعاء للكافر الميت بالرحمة، حين يقول سبحانه:{مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} (سورة التوبة)، لكن يصر المسلم على الدعاء له بالرحمة، فهذا استهزاء بكلام الله، والتعامل معه وكأنه كلام عبث.

كلمة أخيرة

وجب التذكير أن الحكم على شخص بالكفر، وما يترتب عليه من أحكام كعدم جواز الدعاء له بالرحمة إن مات كافرا، إنما هي كلها أحكام دنيوية مبنية على الظاهر الذي يدركه المسلمون. وهذا هو الواجب الذي أمرنا الله به. أما الحكم على نفس الشخص في الآخرة، فهو لله وحده، هو الأعلم بظاهر الناس وباطنهم، الباطن والظاهر من الأفعال والمعتقدات والنيات الخ، فيقضي بهم بما يشاء.

فالبحث هنا عن أحكام الدنيا التي أُلزم المسلمون بإقامتها استنادا للظاهر وتحكيما لقول الله والرسول في تلك الأفعال الظاهرة من الأقوال والأفعال.



 

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

د. هشام البواب

الدكتور هشام البواب، ناقد ومحلل سياسي واجتماعي مستقل . مقالاته تشمل موضوعات سياسية واجتماعية وفقهية وعلوم تجريبية :::::: بعض كتابات الدكتور هشام البواب في الرابط التالي: https://atanwir.com/منشورات-الدكتور-هشام-البواب ::::::: hicbou1@mailfence.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Enter Captcha Here : *

Reload Image

زر الذهاب إلى الأعلى