أخبار العالم

تسجيلات صوتية لحاكم المطيري مع القذافي ومخططات «الفوضى الخلاقة»

بدأ المعارض القطري خالد الهيل، المقيم في لندن، والموالي للنظام السعودي قلبا وقالبا والمعادي لتركيا وقطر وتنظيم الإخوان، بنشر تسجيلات صوتية منذ 27 شوال 1441هـ (18 يونيو 2020م) في حسابه على “تويتر”. يبدوا أنها تسجيلات لحوار جرى بين رئيس حزب الأمة الكويتي الدكتور حاكم المطيري ورئيس ليبيا الراحل معمر القذافي. ولا يُعرف متى بالضبط تم هذا الحوار (إن كان التسجيل صحيحا)، إلا أن حاكم المطيري أقر في حسابه على “تويتر” أنه زار ليبيا على الأقل سنة 1429هـ (2008م). وقد تناولت جريدة ”السياسة” الكويتية هذه التسجيلات وحاولت الاتصال بالمطيري للاستفسار عن مدى صحتها، لكنه أغلق الهاتف ولم يرغب في التعليق عليها. وحسب جريدة ”السياسة” الكويتية، فإن وزارة الداخلية الكويتية فتحت تحقيقا في التسجيلات الصوتية وستتخذ الاجراءات القانونية في شأن ما ورد فيها.

كما أن موقع «القبس» الكويتي، نشر خبرا مفاده أن جهاز أمن الدولة سيستدعي النائب السابق مبارك الدويلة على خلفية ما تم تداوله على مواقع التواصل الاجتماعي خلال الأيام الماضية من تسجيلات منسوبة له مع الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي.

 

وحسب التسجيلات التي نشرها خالد الهيل، فقد تطرقا (أي المطيري والقذافي) لـ “كيفية استغلال الوضع في العراق الذي اجتاحته أمريكا سنة 1424هـ (2003م) لنشر الفوضى الخلاقة والعنف في الكويت والسعودية والبحرين”، مما سيمهد لتغيير أنظمة الحكم هناك.

أهم ما ورد في التسجيلات الصوتية للقذافي مع حاكم المطيري

ومما ورد في التسريبات الصوتية الغير موثقة حتى اللحظة:

قال القذافي مخاطبا المطيري: “أحيي شجاعتك انك وصلت لعندنا”.

فرد المطيري: “لمثلك يُعنّى اليهم” (يُعنَّى إليهم: أي تُتحمل المشاق للوصول إليهم).

ثم قال القذافي أنه يجب “استغلال الوضع القائم في العراق لنشر العنف في السعودية والكويت والبحرين، والعمل سراً مع شبان عراقيين وقبيلة مطير، والاستفادة من الشعار الذي روجه الاميركيون بشأن الفوضى الخلاقة”. وأكد القذافي على شرعية ما يسمى “الفوضى الخلاقة” ونشر العنف، مادام الأمريكان لجأوا لنفس العملية لتغيير النظام في العراق، وطلب من حاكم المطيري أن يظهر بمظهر الراغب في نشر الديمقراطية.

حيث تابع القذافي قائلا للمطيري: “انت لازم تتصل ويجب ان تعمل في جناح سري وشباب ثوريين سريين، انت خليك واجهة وحزب وكلام ديمقراطي ومن هذه الامور، ينبغي ان يكون عندك شباب والاتصال بالشباب في العراق وقبيلة مطير والاتصال حتى بالشيعة، فالوهابية مكفرتهم وعاملتهم كفار”.

ورد المطيري: “هذه الاتصالات كلها موجودة، الاخ القائد، اخترنا يوم 29 قبله، وفعلا الحكومة في التحقيقات قالوا انتم تريدون ليّ ذراعنا، وقلنا لهم اذا كنتم انتم تؤيدون الديمقراطية في العراق وحق الشعب العراقي في اختيار الحكومة وتعددية واحزاب، فلم تحرم منها دول الخليج والكويت؟! حتى ان الحكومة السعودية ضغطت على الحكومة الكويتية حتى ما يسمح لهذا الحزب بالعمل ولا توجد احزاب في الخليج، لكن بعد ذلك اكتشفوا انه مثل كرة الثلج، كل قادة الحزب تقريباً هم من اسر وقبائل رئيسية، وشعروا ان المستقبل لهذا المشروع الثوري الاصلاحي والا لما كانوا تركونا”.

قال القذافي: “هم يقولون الفوضى الخلاقة”. فرد المطيري: “نعم خلنا نستثمر هذه الفوضى”.

وعرض المطيري على القذافي أول نشرة للحزب الذي أسسه وقائمة بأسماء لأفراد – غير واضح من التسجيل ما الغرض من عرض تلك الأسماء على القذافي –، فقال للقذافي: “هذه قائمة اسماء قادة الحزب، … يهمني رأيك، الاخ القائد، لأنه أحدث ضجة والحكومة هناك انزعجت” (يقصد الحكومة في الكويت).

ثم استرسل القذافي قائلا: “إذا كانت الفوضى الخلاقة جيدة مش الأمريكيين تعاملوا بالمجازر والحرائق والتدمير وقالوا هذه فوضى خلاقة، إذًا نحن نتبنى الفوضى الخلاقة ما دامت جيدة ولنطبقها في الكويت والسعودية.

ليس حاكم المطيري لوحده بل فايز حامد البغيلي ومبارك الدويلة تناولوا أيضا مع القذافي مخططات تغيير النظام السعودي

ويبدو، حسب تصريحات خالد الهيل، أنه لديه تسجيلات ليست بين القذافي وحاكم المطيري فحسب، بل كذلك لعدة شخصيات أخرى التقت القذافي وتناقشت معه حول نفس الهدف: “استعمال الفوضى الخلاقة والعنف ضد أنظمة خليجية وعلى رأسها السعودية”.

وبالفعل نشر خالد الهيل تسجيلات صوتية للنائبين السابقين بمجلس الأمة الكويتي فايز حامد البغيلي ومبارك الدويلة مع القذافي، وهم يتحدثون عن النظام السعودي وكيفية الإطاحة به. مبارك الدويلة أحد مؤسسي «الحركة الدستورية الإسلامية»، الحركة المنبثقة من جماعة الإخوان المسلمين. في حين ينكر فايز حامد البغيلي انتماءه للإخوان واتصاله بالقذافي.

ماذا كان رد مبارك الدويلات على التسجيل الصوتي المسرب

مبارك الدويلة لم ينكر لقائه بالقذافي، إلا أنه أعطى تفسيرا للحوار الذي جرى بينهما، حيث غرد قائلا: زيارتي مع الاخ الكبير فايز البغيلي للقذافي والبشير لم تكن سرية بل كانت بعلم الخارجية الكويتية وكانت بهدف التوصل لاتفاق سلام بين الاسود الحرة والخرطوم والذي تحقق في 2005/10 بحضور الشيخ ناصر صباح الاحمد ممثلاً عن الحكومة الكويتية”، وأضاف قائلا: “في لقائنا مع القذافي حدث حوار نقلت تفاصيله في حينها للشيخ صباح الذي طلب مني ابلاغ الملك سلمان به وتم ذلك في نفس اليوم حيث طرح القذافي فكرة استخدام القبائل لزعزعة أمن الخليج ! وقد اضطررنا لمجاراته في حديثه لطمأنته ومعرفة ما وراءه وبصراحه لم نجرؤ على معارضته ونحن معه بالخيمة!!”.

 

إلا أن وكالة الأنباء الكويتية “كونا” نشرت بتاريخ 8 ذي القعدة 1441هـ (28 يونيو 2020م) بيانا لوزیر شؤون الدیوان الأمیري الكويتي، الشیخ علي جراح الصباح، قال فيه أن: ما ادعاه مبارك الدويلة في تغریدة له بتاریخ 25 – 6 – 2020 من أنه نقل لحضرة صاحب السمو أمیر البلاد الشیخ صباح الأحمد الجابر الصباح حفظه الله ورعاه ما دار بینه وبین الرئیس السابق معمر القذافي وبأن سموه رعاه الله قد طلب منه في حینه إبلاغ ذلك لخادم الحرمین الشریفین الملك سلمان بن عبدالعزیز آل سعود ــ ملك المملكة العربیة السعودیة الشقیقة – أنه غیر صحیح البتة ومحض تَقَوُّل وافتراء على المقام السامي مؤكدا معالیه أنه لا یجوز أن یُنسب لحضرة صاحب السمو أمیر البلاد حفظه الله ورعاه أي حدیث أو قول سواء في مقالة أو لقاء دون الحصول على موافقة رسمیة وصریحة من الدیوان الأمیري بذلك وأن الدیوان الأمیري یحذر من اللجوء إلى مثل ھذه الأسالیب.

كيف كان رد حاكم المطيري على التسجيل الصوتي المسرب

حاكم المطيري نشر بدوره بيانا توضيحيا – لا تبريريا حسب قوله – حول زيارته ورفقائه لطرابلس سنة 1429هـ (2008م)، حيث كتب: لم نذهب إلى النظام الليبي لمصلحة حزبية بل ذهبنا من طرف (الحملة العالمية لمقاومة العدوان) ولمصلحة المقاومة العراقية -التي هي مصلحة للأمة كلها- وفك الحصار عنها ودعمها وإعانتها على مواجهة المحتل الأمريكي بعد حصار الدول العربية كلها لها وذلك بعد اعتذار السودانيين عن عقد المؤتمر عندهم واقتراحهم بالسعي لدى الليبيين لعقد المؤتمر في طرابلس وكانت ليبيا في تلك الفترة تعيش أجواء انفراج سياسي داخلي وانفتاح على الإسلاميين وإطلاق للسجناء كما هو معلوم تحت ضغط الواقع وخوفا من أن يحدث لها ما حدث للعراق!
وكانت طرابلس في تلك الفترة تستقبل العلماء والدعاة لهذا السبب وكان ذهابنا لغرض واحد هو سماحهم بعقد المؤتمر على أرضهم أولا وتقديم الدعم لفصائل المقاومة إعلاميا وماليا ثانيا إن استطاعوا.
وهي حالة ضرورة قصوى للمقاومة ونحن جزء منها ووقفنا معها وتحملنا تبعات ذلك ولسنا طرفا آخر غير مضطر!
وقد حاول النظام الليبي أن يستغل حاجة المقاومة لفرض أجنداته أثناء اللقاء وطرح قضايا كثيرة فرفضناها ورجعنا للسودان من الغد ولم يحصل شيء إلا اللقاء مع الخارجية والدائرة السياسية لساعة واحدة ولم يترتب عليه أي تعاون بعد أن رأوا عدم استعدادنا لبحث أي ملف آخر غير ملف دعم مقاومة المحتل الأمريكي!
فأين هو التوظيف مع أنه لم يحدث أصلا أي اتفاق أو تعاون حتى المؤتمر الذي وعدوا بالسماح بإقامته رفضوا عقده؟
وهذه المنشورات في قناة العربية مفبركة ومركبة كما هو ظاهر لكل منصف!
وكان الواجب شرعا التثبت والتريث لا تصديق هذا الفبركات وطلب الاعتذار من موقف مشرف في وقوفنا مع المقاومة ضد المحتل الأمريكي!
وقد فصلنا في كتابنا (نحو وعي سياسي راشد) أنه لا يوجد ما يمنع شرعا من التعاون مع كل أحد حتى مع غير المسلمين فيما كان حقا وعدلا كما قال تعالى‏ ‏﴿وتعاونوا على البر والتقوى﴾ فكيف بأوجب الواجبات الشرعية بعد الإيمان وهو دفع العدو المحتل الخارجي عن دار الإسلام وقد أفتيت سنة 2003م بوجوب الدفع عن العراق حتى بالتعاون مع النظام القائم آنذاك لأن المستهدف الإسلام وأهله وأرضه وما زال المسلمون يدفعون العدو مع كل بر وفاجر مراعاة للمصالح الكلية!
وهذا السبب نفسه هو الذي يجعلنا نقف مع تركيا اليوم في مواجهة الحملة الصليبية دون نظر لطبيعة الدولة العلمانية مراعاة للمصالح العليا للأمة وشعوبها ومنها تركيا شعبا وأرضا، فولاية الأمة على نفسها وأرضها أسبق وأوثق من ولاية الدول عليها!”.

 

من هو حاكم المطيري وما هي أهم مواقفه وما هي المؤاخذات عليه

حاكم المطيري هو مؤسس ورئيس ما يسمى «حزب الأمة» الذي أُسس سنة 1425هـ (2005م)، والذي يهدف لإقامة «نظام حكم راشد». وهو – أي المطيري – يقيم الآن في تركيا وموالي موالاة عمياء للنظام التركي، بحيث يصدر فتاوى تؤيد كل سياسات تركيا الداخلية والخارجية، سواء سياسات تركيا في سوريا أو ليبيا، أو التعديلات الدستورية التي قام بها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الخ. وفي نفس الوقت يُعد المطيري من أشد المعارضين والمنتقدين للأنظمة العربية وعلى رأسها النظام السعودي والإماراتي والمصري.

الموقف مما يصدر من معسكري «ابن سلمان – السيسي – ابن زايد» و«قطر – تركيا»

إلا أن مشكلة المطيري كمشكلة الغالبية الساحقة للمشايخ والإعلاميين والمثقفين المسلمين، فاقدون للمصداقية إذ يكيلون بمكيالين، فتجدهم ينتقدون أنظمةً في العالم الإسلامي على سياسات ومواقف (منها التطبيع مع إسرائيل وعدم الحكم بما أنزل الله وموالاة جيوش الغرب)، لكنهم يصمتون صمت الأبالسة على نفس السياسات والمواقف لأنظمة يوالونها.

وخالد الهيل الذي نشر التسريبات الصوتية المنسوبة للقذافي والمطيري، لا يخرج عن هذا النمط، فهو أيضا من الذين يزكون كل ما تقوم به السعودية، ويذم كل ما تقوم به تركيا، وبالتالي هو أيضا فاقد للمصداقية.

ومن ثم وجب التحقق من كل ما يصدر من كلا المعسكرين: معسكر الموالين لـ”ابن سلمان – السيسي – ابن زايد”، ومعسكر “قطر – تركيا”.

إلا أن الذي دفع «الحدث في العمق» لتناول هذه التسريبات، رغم عدم توافر كل الأطراف على مؤهلات وشروط المصداقية مبدئيا، هو اجتماع عدة قرائن ترجح بشكل كبير صحتها (أي صحة التسريبات الصوتية). فمبارك الدويلة لم ينكر لقائه بالقذافي، ولا حتى محتوى الحوار المسرب، لكنه قدم تفسيرا لذلك الحوار. وحاكم المطيري أقر أيضا أنه زار ليبيا، ورغم أنه لم ينفي ولم يقر لقاءه المباشر بالقذافي، إلا أنه أقر أن النظام الليبي حاول “استغلاله” ومن معه لأجندة أخرى غير المقاومة في العراق.

أضف إلى ذلك أن حاكم المطيري يقوم الآن بنفس العمل مع النظام التركي العلماني العضو في حلف الناتو، إذ لجأ ليستنصر به على الأنظمة الخليجية. فالمسوغ الذي يجيز به اليوم المطيري لنفسه الاستعانة بالنظام التركي ضد أنظمة خليجية، هو نفسه المسوغ الذي كان متوافرا في نظام القذافي بعد غزو العراق، ومن ثم يصعب استبعاد عدم محاولة تواطؤ المطيري مع القذافي لمحاولة الإطاحة بأنظمة خليجية وعلى رأسها السعودية. فقد قال المطيري أنه ذهب الى ليبيا وطلب نصرة النظام الليبي لأن “ليبيا كانت في تلك الفترة تعيش أجواء انفراج سياسي داخلي وانفتاح على الإسلاميين وإطلاق للسجناء …. وكانت طرابلس في تلك الفترة تستقبل العلماء والدعاة لهذا السبب”. فنفس الانفتاح تعيشه تركيا اليوم وتستقبل الإسلاميين. وكما أن المطيري أقر على الأقل ان النظام الليبي آنذاك حاول استغلاله ضد السعودية، فلماذا لا يكون النظام التركي اليوم هو نفسه يستغل المطيري وغيره من المعارضين اللاجئين إليه ضد أنظمة حكم خليجية؟

كل هذا يرجح الى حد كبير جدا صحة التسريبات، ويبقى للأخصائيين في تقنيات التسجيل وفي تحديد نبرة الأصوات تقديم الأدلة المادية القاطعة على صحتها.

حاكم المطيري ليس الوحيد الذي تُنسب إليه اتصالات بالقذافي من أجل الإطاحة بالنظام السعودي

يبدو أن القذافي كان على اتصال بغالب ما يسمى المعارضة الخليجية، سعيا منه لتوظيفها لأغراضه، وسعيا منهم (أي المعارضات الخليجية المختلفة) للحصول على دعم ضد الأنظمة التي يسعون لإسقاطها.

فمثلا تواترت الأخبار عن اتصال الدكتور سعد الفقيه والدكتور محمد المسعري (متزعمي الحركة الإسلامية للإصلاح، واللذان انفصلا من بعد، وانفرد سعد الفقيه بقيادة الحركة)، بالنظام الليبي أيام حكم الرئيس الراحل معمر القذافي.

الحركة الإسلامية للإصلاح هي حركة إسلامية معارضة للنظام السعودي، تهدف إلى إسقاط حكم آل سعود في السعودية وإنشاء نظام إسلامي يعتمد على الشورى.

وحسب التحقيقات التي أجرتها الحكومة البريطانية والإدارة الأمريكية، وتم تداولها في المحاكم البريطانية، يبدوا أن سعد الفقيه ومحمد المسعري حصلوا على أموال من النظام الليبي. إلا أنه غير ثابت هل تلك الأموال كانت ليشاركا في مخطط اغتيال الملك السعودي الراحل، عبد الله بن عبد العزيز آل سعود، سنة 1424هـ (2003م)، أم كان فقط لدعم مشروعهم الإعلامي ضد آل سعود.

وقد أشاد القذافي بحركة سعد الفقيه وإذاعته في أحد التسجيلات المسربة، كما هو في الرابط التالي:

مشكلة منهجية فقهية عند كثير من التيارات والجماعات الإسلامية خصوصا الإخوانية منها

يبدو أن تيار الإخوان المسلمين وكل ما يسمى “المعارضة الخليجية” وعلى رأسها “الإسلامية”، فاقدة بالكلية لبوصلة إسلامية تحدد لهم الحلال والحرام من الوسائل والطرق لتغيير أنظمة الحكم في العالم الإسلامي. إذ يحاولون اللعب على وثر التناقضات والاختلافات بين أنظمة سايكس بيكو في العالم الإسلامي. فهذه المعارضة تتبع منهجا لا يجيزه الإسلام، منهجا ثبته الإخوان المسلمون منذ عهد حسن البنا، وهو منهج الانتهازية. فيسود عندهم منهج “عدو عدوي، صديقي”، ومنهج “الغاية تبرر الوسيلة”. فيبدوا أنه ليس عندهم مانع للتحالف حتى مع الشيطان إن كان سيقدمهم ولو خطوة واحدة تجاه هدفهم. فقد قال مثلا مأمون الهضيبي، المرشد العام السابق لجماعة الإخوان: «نحن نتحالف مع من يستطيع أن يقربنا من دوائر صنع القرار» (نقلا عن شهادة ثروت الخِرباوي، العضو السابق بجماعة الإخوان المسلمين، من كتابه “سر المعبد، الأسرار الخفية لجماعة الإخوان المسلمين”). فأصبحوا يتملقون لمن يطمعون في عطاءه ومساندته، ويمجدونه ويسكتون عن منكراته وكفرياته. ومن ثم نجد الإخوان المسلمون في مصر لجأوا بداية – منذ أيام مؤسس الجماعة حسن البنا – الى بريطانيا لما كانت محتلة لمصر، طمعا في مساندتها لهم للوصول الى الحكم في مصر. ثم لما آل النفوذ في مصر لأمريكا، توالت اتصالات الإخوان بالإدارة الأمريكية طلبا منها أن تسلمهم الحكم في مصر، ولازالوا يأملون إلى يومنا هذا أن يمنحهم الغرب الحكم في مصر ودول خليجية. ونفس الشيء فعلته حركة النهضة في تونس، فلم يُسمح لها دخول اللعبة السياسية في تونس إلا بتزكية ومساندة من أمريكا وبريطانيا.

هذا التيار الإخواني الانتهازي الذي أصبح لا يهمه إلا كرسي الحكم وليس الحكم بالشريعة، وتنظر إليه أنظمة سايكس بيكو التقليدية خصوصا في السعودية ومصر كمنافس لهم على كرسي الحكم، هو أحد الأسباب الرئيسية للصراع بين دويلات سايكس بيكو: «قطر/تركيا» و«السعودية/الإمارات/مصر»، الصراع الذي يظهر في عدة أشكال ونماذج على أرض الواقع، منها مقاطعة قطر، والحرب الأهلية في ليبيا، الخ.

فهناك التباس خطير عند كثير من الجماعات الإسلامية، وعلى رأسها الإخوان المسلمون، إذ لم يفرقوا بين الشروط الشرعية لطلب الفرد الحماية لنفسه وأسرته، وبين شروط طلب النصرة للإسلام بتغيير نظام الحكم فتصبح البلاد تُحكم حصريا بأحكام الإسلام في كل شؤون الدولة والمجتمع والفرد والعلاقات مع الدول.

ففي الحالة الأولى لا يُشترط من الذي تُطلَب منه الحماية أن يكون حتى مسلما، فيشترط فقط ألَّا يُمنع طالبُ الحماية  المسلم من إقامة شعائر دينه المتعلقة به كفرد (كأداء الصلاة والصوم مثلا، وحريته في اختيار لباسه، وأكل وشرب ما تحله له عقيدته، الخ).

لكن في الحالة الثانية، فالأمر متعلق بمبدأ وعقيدة، ونظام حكم منبثق عنها، فهنا يُشترط شرطا إلزاميا، ألَّا تُطلب النصرة إلا ممن يؤمن بالإسلام كنظام حكم شامل يجب إقامته، وأن يكون مستعدا ليهب نفسه وسلطانه وسلاحه وجيشه لإقامة الإسلام كاملا، وتَحَمُّل تكاليف ذلك المالية والنفسية والحربية، والموت من أجله.

فمحاولة استعانة تيارات إسلامية بالقذافي سابقا أو تركيا/أردوغان حاليا، أو بأمريكا أو بريطانيا، للوصول إلى الحكم في أحد البلدان الإسلامية، مخالفة جملة وتفصيلا لأحكام الإسلام المتعلقة بالتغيير وإقامة حكم إسلامي. فقد وقع الخلط عند كثير من الجماعات الإسلامية، لم يفرقوا بين شروط طلب الحماية الشخصية، وبين شروط نصرة الإسلام كمنظومة حكم شاملة.

وسوء الفهم هذا قادهم لارتكاب أخطاء قاتلة، وأدى بهم للانحراف والتيه، حيث انتهى بهم الأمر ليصبحوا يرون أن سلامتهم الشخصية ورفع المحن عنهم فوق التمكين للإسلام كنظام حكم. فبدلا من أن يشترطوأ هم على من يريدون منهم نصرة الإسلام، أن يؤمنوا بوجوب إقامته كاملا كنظام حكم، ويهبوا كل قوة الدولة لذلك الغرض، أصبحوا هم من يُشترط عليهم ترك هدف إقامة الشريعة ودولة تحكم بها حصريا وتقطع ولاءاتها لجيوش الكفار، فتحولوا لأبواق وأعوان للظلمة ولأعداء الإسلام، مقابل الحصول على حماية شخصية، أو للسماح لهم بالمشاركة في أنظمة حكم كانوا يقولون عنها أنها طاغوتيه.

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

Kitab2020

موقع مستقل منبر للتحليل العميق للأحداث في العالم منصة لتنوير العقول وتوعية القلوب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Enter Captcha Here : *

Reload Image

زر الذهاب إلى الأعلى