أخبار العالم

مسجد آيا صوفيا: الانتصارات العاطفية الوهمية للمسلمين

اقرأ في هذا المقال
  • «إقامة حد من حدود الله، وإقامة حكم من أحكامه الشرعية، أعظم عند الله من بناء آلاف المساجد»

لا شك أن بناء المساجد من الأعمال المحمودة المُتاب عليها، حيث قال رسول الله: «مَنْ بَنَى مَسْجِدًا لِلَّهِ، بَنَى اللَّهُ لَهُ فِي الْجَنَّةِ مِثْلَه» (صحيح البخاري). ولقوله صلى الله عليه وسلم: «سَبْعٌ يَجْرِي لِلْعَبْدِ أَجْرُهُنَّ وَهُوَ فِي قَبْرِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ: مَنْ عَلَّمَ عِلْمًا، أَوْ أَجْرَى نَهْرًا، أَوْ حَفَرَ بِئْرًا، أَوْ غَرَسَ نَخْلًا، أَوْ بَنَى مَسْجِدًا، أَوْ وَرَّثَ مُصْحَفًا، أَوْ تَرَكَ وَلَدًا يَسْتَغْفِرُ لَهُ بَعْدَ مَوْتِه» (الترغيب والترهيب من الحديث الشريف للمنذري، وصححه الألباني).

لا يجوز بناء المساجد للتباهي والرياء، وزخرفتها والإسراف في بنائها من البدع المذمومة

إلا أن المساجد المحمودة هي التي تكون خالصة لله، – كما جاء في الحديث (مَنْ بَنَى مَسْجِدًا لِلَّهِ) –، وليست للتعاظم والتباهي، ولا للسياحة، ولا لتُشد إليها الرحال. فقد ورد من طُرق أخرى للحديث المذكور فوق، قول الرسول: «مَنْ بَنَى مَسْجِدًا لَا يُرِيدُ بِهِ رِيَاءً وَلَا سُمْعَةً بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ» (الترغيب والترهيب للمنذري، وصححه الألباني). وذم الرسول التباهي في بناء المساجد، إذ قال صلى الله عليه وسلم: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَبَاهَى النَّاسُ فِي الْمَسَاجِدِ» (سنن أبي داود).

ومسجد الرسول في المدينة، المسجد الذي كان بحق مركزا للإسلام، فيه ينقل الرسول عن ربه الوحي ويعلمه للصحابة وعامة المسلمين، وفيه كان يستقبل الرسول السفراء والوفود ويدعوهم للإسلام، وفيه كانت تُعقد الألوية وتنطلق جيوش الفتح، وفيه كان يُقضى بأحكام الله بين الناس في الخصومات، الى غير ذلك، … رغم هذا المركز الخاص والحيوي لمسجد الرسول في المدينة، الذي لم تكن وظيفيته إقامة صلاة الجماعة والجمعة فحسب، إلا أنه كان رغم كل ذلك بِناءً بسيطا للغاية، فقد وصفه عبد الله بن عمر رضي الله عنه بقوله: “أَنَّ الْمَسْجِدَ كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَبْنِيًّا بِاللَّبِنِ وَسَقْفُهُ الْجَرِيدُ وَعُمُدُهُ خَشَبُ النَّخْلِ” (صحيح البخاري). ولما اضطر الخليفة عمر بن الخطاب الى توسعة المسجد النبوي، فقد “أَمَرَ بِبِنَاءِ الْمَسْجِدِ”، كما روى أبو سعيد الخدري، “وَقَالَ أَكِنَّ النَّاسَ مِنْ الْمَطَرِ وَإِيَّاكَ أَنْ تُحَمِّرَ أَوْ تُصَفِّرَ فَتَفْتِنَ النَّاسَ” (صحيح البخاري)، “أَكِنَّ النَّاسَ مِنْ الْمَطَرِ”: ستر الناس وحفظهم من المطر. وقالت عائشة: “أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ فِي الدُّورِ وَأَنْ تُنَظَّفَ وَتُطَيَّبَ” (سنن أبي داود). و”الدُّور” تعني الأحياء والمجمعات السكنية.

ومن ثم فالمساجد، تبعا لسُنَّة الرسول والخلفاء الراشدين، لا يجوز أن يكون فيها زخرفة تشغل الناس عن الهدف الرئيسي من زيارة المسجد، ألا وهي الصلاة وذكر الله والخشوع له سبحانه، وتعلم الدين. فلا يجوز أن يكون بالمسجد ما يصرف المسلم عن تعظيم الله إلى تعظيم البناء وزخرفته، ناهيك عن أن الزخرفة من التبذير والإسراف المحرمين، إذ تُنفق عليها وعلى صيانتها أموال طائلة، الأولى بها أن تُنفق فيما ينفع الناس. فلم تكن من سُنّة الرسول زخرفة المساجد وتزيينها، لذلك قال صلى اللَّه عليه وسلم: «مَا أُمِرْتُ بِتَشْيِيدِ الْمَسَاجِدِ»، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: “لَتُزَخْرِفُنَّهَا كَمَا زَخْرَفَتْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى” (سنن أبي داود، وصححه الألباني).

كما أن الكعبة التي تشكل مركز عبادة المسلمين في العالم إذ تُؤدى الصلاة في تجاهها وجُعِل الطواف حولها من أركان أحد أهم العبادات: الحج والعمرة، لحجة بالغة على وجوب الالتزام بالبساطة في بناء ما يتعلق بالعبادة الخالصة لله.

فلو كان جائزا التباهي ببناء المساجد وزخرفتها والإسراف في إنفاق المال عليها فيما لا حاجة ضرورية له ولا نفع منه، لكان الأولى أن يفعل الرسول كل ذلك بمسجده في المدينة.

فالمساجد يجب أن يكون بنائها متينا يوفر السلامة والحماية من البرد والمطر والحر، وتتوافر على أماكن الوضوء والغسل وقضاء الحاجة، وتكون المساجد وأماكن الوضوء والمراحيض نظيفة طيبة الرائحة، لكن ما عدا ذلك، فعليها أن تكون بسيطة في المظهر والشكل، لا تبدر الأموال في إضافة زخرفات لا فائدة عملية منها إلا التباهي والرياء.

وبدأت بدعة التباهي ببناء المساجد وتقليد اليهود والنصار في زخرفتها، في عهد ملوك الأمويين، ومن أوائل من فعل ذلك الخليفة الوليد بن عبد الملك، حيث أمر بتوسعة المسجد النبوي في المدينة، فزخرف جدرانه من الداخل بالرخام والذهب والفسيفساء. ومن ثم بدأ كل ملك أو خليفة جديد يحاول ترك بصمة لحكمه وشعبية لنفسه بتشييد مسجد أو مساجد أكبر وأحسن زخرفة مما شيده من تقدمه من الخلفاء والملوك. فلم تصبح المساجد تُبنى حصريا لتوفير أماكن للعبادة الخالصة لله لسكان حي أو منطقة أو قرية أو مدينة بحاجة إليها، ولكن أصبحت تدخل فيما يسمى الفن المعماري للبلد والدولة، وتُنسب لحاكم البلد أو الدولة، لترفع من شعبيته وتقوي شرعية توليه الحكم. وأصبحت تُنفق الأموال الباهظة لبناء مساجد كبيرة جدا، لا يمكنها أو تمتلئ بالمصلين، أو تصبح وُجهة لصلاة الكثيرين من أهل المدينة التي بُني فيها، بحيث تبقى المساجد الصغيرة والأقرب للمصلين شبه فارغة. وهذا كله، إلى جانب أنه تبذير للمال، فهو من سوء التدبير.

مسجد آيا صوفيا مجرد معمار فني ضَيَّع شروط البيت الخالص لله

وهكذا، وتبعا لما سبق ذكره، وصل الحال بنا في زماننا الحالي أن أصبحت تُبنى المساجد بتكلفة جد باهظة، رغم وجود الفقراء والمحتاجين في البلد، وحاجة الناس لمرافق ضرورية لقضاء حاجياتهم الضرورية في الحياة. فأصبحت المساجد تُعد من التراث المعماري، وقبلة للسائحين من كل بقاع العالم، أصبح حال المساجد اليوم مثل كنائس النصارى.

ومسجد آيا صوفيا في إسطنبول لا يخرج اليوم عن هذه البدعة التي ابتلي بها المسلمون، فهو بالدرجة الأولى معمارا فنيا مفتوحا للسيَّاح، وهذا ما أكد عليه أردوغان في خطابه، حيث قال: “أن المسجد سيظل مفتوحا للمسلمين والمسيحيين وكل الأجانب“. وأكدت السلطات التركية على أن «آيا صوفيا» إذا تحول إلى مسجد، فلن يغلق في وجه غير المسلمين، ولكنه سيظل مفتوحاً للجميع ضمن الآثار التركية.

الفتح المبين للإسلام يكون بإقامة شريعته وليس بفتح آيا صوفيا مسجدا ولا بخدمة الحرمين الشريفين

فإعادة فتح آيا صوفيا كمسجد للصلاة، حتى لو افترضنا جدلا أنه سيكون بيتا خالصا لله، يُفتح للصلاة والتعبد الخالص لله وليس للسياحة، ولن يستغل أي حاكم فتحه للرفع من شعبيته، … حتى لو افترضنا جدلا كل ذلك، فلا يجوز أن نضخم الحدث، ونحَمّله ما لا يتحمل من آمال وتفسيرات ومعاني. فالأصل في آيا صوفيا، مثله كمثل أي مسجد آخر في العالم الإسلامي، هو مجرد مكان لأداء صلاة الجماعة.

فإقامة شريعة الإسلام والولاء لأهله والبراء من أعدائه، كل هذا لا يتحقق بمجرد بناء المساجد، ولا لكثرة زوارها من المصلين، ولا لجمالها وعِظَم زخرفتها، ولا لضخامة حجمها، ولا لوضعها التاريخي. فإقامة الإسلام لا تتحقق بإعادة آيا صوفيا مسجدا، … ولكن الشريعة تُقام حين يؤمن الحاكم بوجوب إقامة الحكم بما أنزل، وتقلع الدولة كل القوانين الوضعية، وتُحَكِّم أحكام الشريعة في المعاملات وفي كل العلاقات بين الأفراد، وبين الدولة وغيرها من الدول، فتحرم ما حرم الله، وتحل ما أحل الله، وتقيم حدود الله على المخالفين لأحكامه، وتمنع الربا، وترفض الاستدانة من دول الكفار وبُنوكِهم ومن البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وترفض التحاكم للأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، الى غير ذلك مما يأمر به الله ورسوله.

«اقرأ أيضا: المسلمون بين العواطف والبطولات والانتصارات الوهمية»

أما أن يمجد حاكم العلمانية، كما يفعل أردوغان، ويحكم بغير ما أنزل الله، ويوالي جيوش دول الكفر، كالانضمام لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، ويعتمد اقتصاد دولته على الربا، ويبيح صنع الخمر وبيعها، ويبيح الدعارة، الخ، ثم يعلن عن إعادة فتح آيا صوفيا مسجدا، ويستشهد في خطابه عن آيا صوفيا بعمر بن الخطاب ومحمد الفاتح، فهذا من النفاق الرخيص، ومن أساليب اللعب على الوثر العاطفي لدى المسلمين. فمن لا يحكم بما أنزل الله، ثم يتباهى بتشييد المساجد، فهو إنما غرضه من المساجد الرياء والشهرة وتوطيد شعبيته وسلطانه. وعمر بن الخطاب ومحمد الفاتح برآء من تركيا/أردوغان، إذ هما أقاما أولا الشريعة كاملة قبل الشروع في بناء المساجد، وقاتلا جيوش الكفار ليبلغوا رسالة الإسلام.

فتركيا في عهد أردوغان، وحتى بعد 17 سنة من الحكم، لم تُقم حكما شرعيا واحدا (مع الإشارة إلى أن الشرع يُقام كله، فلا مجال لما يسمى التدرج لمن يؤمن بالإسلام كما أنزل على محمد، وليس إيمانا صوفيا يفصله عن السياسة والحكم والاقتصاد). فالقوانين القليلة التي أصدرتها تركيا للتفريج شيئا ما عن المسلمين، كإباحة ارتداء الحجاب، ويسوقها التيار الإخواني على الخصوص بأنها نصر للإسلام وتَدَرُّج في إقامة الشريعة ودليل على أسلمة تركيا، إنما أصدرتها تركيا من باب “عدل العلمانية” التي تضمن حق التدين الفردي، وليس لكونها حكما شرعيا واجب الاتباع. فمثلا الحجاب أصبح مسموحا ارتدائه في تركيا، ليس لكونه فرضا يجب الالتزام به، ولكن لكونه قانونا علمانيا يساوي بين كل الأديان في ممارسة الشعائر المتعلقة بحياتهم الشخصية.

فإذا كانت خدمة آل سعود مثلا للحرمين الشريفين، ونفقتهم الأموال لتوسعتهما وصيانتهما ولتسهيل وصول الناس إليهما وأداء الصلاة وشعائر الحج والعبادة بهما، إذا كان كل ذلك لا يمحي بحال جُرم آل سعود العظيم لحكمهم بغير ما أنزل الله وموالاة الكفار ولا يشفع لهم، مع ما للحرمين الشريفين من مكانة وقدسية في الإسلام، فما بالك إذًا بآيا صوفيا الذي ليس له أي قدسية ولا هو جزء من شعائر الإسلام وعبادة المسلمين. فإعادة فتح آيا صوفيا مسجدا، لا يمحي البتة عِظم جُرم النظام العلماني وقوانينه التي تتحاكم إليها تركيا قبل وخلال حكم أردوغان، ولا تشفع له. فإقامة حد من حدود الله، وإقامة حكم من أحكامه الشرعية، أعظم عند الله من بناء آلاف المساجد.

«اقرأ أيضا: أردوغان بين مسجد آيا صوفيا وضريح أتاتورك»

تركيا تعيد فتح آيا صوفيا مسجدا وتفتح عشرات الكنائس أيضا

ومن هذا المنطلق، “عدل العلمانية”، قامت حكومة العدالة والتنمية (حزب أردوغان) منذ وصولها للحكم سنة 1423هـ (2002م)، بتمويل ترميم وتشييد عشرات الكنائس في كل أنحاء تركيا، فعلى سبيل المثال لا الحصر، موَّلت حكومة أردوغان سنة 1425هـ (2005م) ترميم أول وأكبر دير تاريخي للكنيسة الأرمينية، وشرعت سنة 1440هـ (2019م) ببناء أول كنيسة للسريان الأرثوذوكس في إسطنبول.

 

لا يسافر المسلم للصلاة في مسجد آيا صوفيا

مع الدعاية الإعلامية الضخمة التي يقوم بها الإعلام الموالي لتركيا ويقوم بها التيار الإخواني، فسنرى أفواجا من المسلمين تشد الرحال للصلاة في مسجد آيا صوفيا، هنا وجب التذكير أن هذا لا يجوز شرعا. فشد الرحال لأي مكان للتعبد، هو من “الأعمال التوقيفية”، أي يحتاج لدليل من القرآن أو السُّنة يبيحها. ونحن لدينا حديث صحيح عن الرسول، قال فيه: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: المَسْجِدِ الحَرَامِ، ومَسْجِدِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ومَسْجِدِ الأقْصَى» (صحيح البخاري).

رغم أهمية وعِظم فتح القسطنطينية، إلا أن ذلك لا يُعطي أي خاصية أو قدسية لمسجد آيا صوفيا الذي أنشئ عليها (أي على القسطنطينية)، ولا يجعله يرتفع درجة عما سواه من المساجد. فكل المساجد في العالم لها درجة واحدة متساوية، لا يرفع درجتها الدماء التي سُفكت لفتح تلك البلاد التي أقيم فيها المسجد، ولا مدى حجم المسجد وزخرفته، ولا عدد مآذنه ولا ارتفاعها ولا جمالها العمراني، ولا مدى قِدمه، ولا رمزه التاريخي. الفضل والمكانة هي خاصية يمنحها الله وحده لما شاء من أرضه ومساجده، وقد حصر الله الفضل لثلاثة مساجد فقط كما سبق في الحديث. فأي بقعة من الأرض في العالم، مسجدا كانت أو غير ذلك، لا يكون لها فضل وعلو ومكانة لذاتها أو لرمزيتها التاريخية، لذلك قال تَقِيُّ الدِّين السُّبْكِيّ: “لَيْسَ فِي الْأَرْض بُقْعَة لَهَا فَضْل لِذَاتِهَا حَتَّى تُشَدَّ الرِّحَال إِلَيْهَا لِذَلِكَ الْفَضْل غَيْر الْبِلَاد الثَّلَاثَة (ويقصد المسجد الحرام، ومسجد الرسول في المدينة، ومسجد الأقصى)، وَأَمَّا غَيْرهَا مِنْ الْبِلاد فَلا تُشَدُّ إِلَيْهَا لِذَاتِهَا” (تنوير الحوالك للسيوطي).



 

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

د. هشام البواب

الدكتور هشام البواب، ناقد ومحلل سياسي واجتماعي مستقل . مقالاته تشمل موضوعات سياسية واجتماعية وفقهية وعلوم تجريبية :::::: بعض كتابات الدكتور هشام البواب في الرابط التالي: https://atanwir.com/منشورات-الدكتور-هشام-البواب ::::::: hicbou1@mailfence.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى