اجتماع تربية تعليم

المسلمون بين العواطف والبطولات والانتصارات الوهمية

اقرأ في هذا المقال
  • «أعطني فقط كلمة رنانة وحركة استعراضية تفور مشاعري على أنغامها وتعيشني في وهم جميل، وافعل ما شئت مما يخالف كلامك، فكل شيء مغفور لك!»

في سلسلة نشرتُها سابقا تحت عنوان «التفكير العاطفي.. فشل الشعوب المسلمة والتلاعب بها»، تطرقت لتغلب العاطفة على العقل عند كثير من المسلمين، وفسرت التفكير العاطفي كالتالي: [“التفكير العاطفي” يعني أنه تفكير جد سطحي لا يخوض أبدا في عمق المسائل ولا يذهب لجذور المشاكل، بل يخشى الخوض في الجذور، يخشى مواجهة الحقيقة، يخشى تبعات المواجهة وعواقبها، يحب الأماني ولو كانت من الشيطان، والتصورات الوردية ولو رسمها لهم أشد أعدائهم، وبالتالي يعشق أصحاب التفكير العاطفي الكذب على الذات وتصديق الكذب، ومن ثم يهتمون بالشعارات لا العمل، وبالوعود لا النتائج، والترقيع لا التغيير، وترميم البناء مهما فسد لا هدمه عن بكرة أبيه وإعادة بناءٍ جديد. مواقف أصحاب التفكير العاطفي متناقضة مرتجلة، تخالف العقيدة التي المفترض أنهم يعتنقوها ويؤمنون بها. أصحاب التفكير العاطفي لا يحسمون قضية ومشكلة قط، يُراوِحُون مكانهم لسنوات وعقود يكررون نفس الأسطوانات الفارغة التي لا تغير شيئا من واقعهم، فلا يخرجون أبدا بحلول حقيقة جذرية شاملة عميقة، ولكن يلعبون في القشور، ويكتفون بالقشور].

زيادة تفصيل في صفات أصحاب التفكير العاطفي

وسأتطرق في هذا المقال لأمثلة من أحد أهم ظواهر التفكير العاطفي، وهي تعلق أصحاب هذا التفكير بالشعارات وخطابات الدعاية المُحركة للمشاعر، خصوصا المشاعر الإسلامية، دون اكتراثهم لمدى تصديق الأعمال للخطابات والشعارات. أصحاب التفكير العاطفي، إذا ما داعبتَ أوهامهم، وأصبت الوثر الذي يحرك عاطفتهم، رأيتهم يفقدون عقولهم وتوازنهم، يفقدون أبسط معايير التحليل الموضوعي العقلي، يصبح حالهم كحال الصوفيين في “الحضرة”، يحمس بعضهم بعضا بأشعار ومديح وتهليلات وتكبيرات، يغالون في وصف الواقع والحدث ليجاوز كل معقول فيصبح الكذب المحض والخيال اللامحدود. ثم تنتقل عدوى تلك المشاعر من شخص لآخر، فيتحولون لقطيع فاقد بالكلية للوعي، تجرفهم العواطف، حالهم ينطبق عليه قول الله {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ}، يعمهون، أي يلعبون، يترددون! أصحاب التفكير العاطفي حالهم كحال من تؤثر فيه بسهولة المشاهد التمثيلية في الأفلام، فتراه يبكي للمشاهد الحزينة، ويفرح للمشهد البهيج، رغم أنها كلها مجرد مشاهد تمثيلية خيالية يبثها ممثلون غرضهم الترويج لتجارتهم والربح. هكذا لا يتعدى اهتمام أصحاب التفكير العاطفي مشهد اللحظة الذي يحرك مشاعرهم، ولا يعيرون اهتماما إن كانت تلك المشاهد حقيقية أو تمثيلية. أصحاب التفكير العاطفي حين تلمس الوثر الذي يحرك مشاعرهم، يتحولوا لمجرد حبة رمل تذْرُوها الرياح على هواها. يتسم أصحاب التفكير العاطفي بسرعة الانفعال وخفة المشاعر ونزقها، لا يكادون يثبتون على موقف ورأي، فقد يكون لهم اليوم حكم معين بخصوص حدث أو شخص، وغدا ينقلبون 180 درجة، ليصبح حكمهم عكس ما قالوه من قبل، .. هذا حال من تحركهم المشاعر وليس العقل والمبدأ، هذا حال من ليس لهم ميزانا ومقياسا مبدئيا ثابتا، يحكمون على أساسه على الأحداث والأشخاص دون تأثير العواطف والهوى. أصحاب التفكير العاطفي، بسبب نزق مشاعرهم وتغلب العاطفة عليهم، تجدهم فاقدين لرباطة الجأش، فتكون قراراتهم ومواقفهم كارثية عند النوازل. أصحاب التفكير العاطفي لا يكترثون البتة إن كانت الخطابات المشاعرية والشعارات يتبعها عمل وتغيير على أرض الواقع، لا يكترثون لتطابق الكلام والشعارات والوعود مع الأفعال. تجدهم يتطايرون الخطابات والشعارات العاطفية، وكأنها هي نفسها الهدف والغاية، يتعاملون معها وكأنها النصر. هكذا يعيش أصحاب التفكير العاطفي الأوهام ويعشقونها، يحبون خوض الحروب الدنكشوتية، حروب ضد طواحين الهواء، حروب وهمية، حروب كلامية، .. يعشقون الانتصارات الوهمية. ومن الأمثلة الحية على ما سبق ذكره، الشعارات والخطابات التي يطلقها من حين لآخر سياسيون وحكام هنا أو هناك بخصوص القضية الفلسطينية. وسأقتصر في هذا المقال على ذكر مثالين من مواقف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي يسوق هو نفسه ويسوقه أتباعه على أنه النصير للقضية الفلسطينية. وهناك أمثلة أخرى كثيرة للبطولات الوهمية التي يسوقها أصحاب التفكير العاطفي، والتي تطرقت لبعضها فيما سبق، ك«قمة كوالالمبور التي انعقدت في ربيع الثاني 1441هـ (ديسمبر 2019م)»، و«إعادة آيا صوفيا مسجدا».

بطولة وهمية: انسحاب أردوغان من منصة حوار في منتدى دافوس للاقتصاد العالمي سنة 1430هـ/2009م

شكل انسحاب أردوغان من منصة حوار في منتدى دافوس للاقتصاد العالمي سنة 1430هـ/2009م، أحد أهم منعطفات تحول أردوغان إلى بطل لدى كثير من المسلمين في تركيا وبقية العالم الإسلامي، حيث استُقبل أردوغان في تركيا، بعد عودته من المنتدى، استقبال الأبطال الفاتحين.

https://www.youtube.com/watch?v=tw7oiNJnVrs

وأتى هذا الحوار في دافوس على إثر خلفية الهجوم الإسرائيلي على غزة ما بين 29 ذي الحجة 1429هـ و22 محرم 1430 هـ (27 ديسمبر 2008م إلى 18 يناير 2009م)، والذي أطلقت عليه إسرائيل اسم «عملية الرصاص المصبوب».

من تأمل بهدوء وعقل ومنطق مشهد انسحاب أردوغان وسبب انسحابه، ثم حجم تفاعل المسلمين مع ذلك الحدث، يدرك أن التفاعل مبالغ فيه جدا، تجاوز كل معقول. فانسحاب أردوغان لا يستحق البتة كل تلك الضجة الإعلامية، فإننا نرى على الدوام انسحاب رؤساء ووزراء مختلف دول العالم، وعلى رأسهم دول الغرب، من مؤتمرات صحفية ومؤتمرات سياسية واقتصادية دولية، وعلى رأسها الجلسات السنوية للجمعية العامة للأمم المتحدة، دون أن تضخم شعوبهم تلك الانسحابات وتعتبرها عملا بطوليا. اعتبار المسلمين انسحاب أردوغان من منصة حوار في منتدى دافوس بأنه عمل بطولي، إنما دليل إضافي على عقدة النقص عندهم، إذ وصل بهم الحال لدرجة من الضعف والهوان، حتى أصبحوا يرون بطولةً في مجرد مشادة كلامية بين رئيسهم مع غيره وانسحابه من الحوار. هذه بطولات وهمية. فدعونا نقف أولا وقفة موضوعية مع سبب انسحاب أردوغان من الحوار في دافوس: سبب انسحاب أردوغان ليس لأن الجلسة يشارك فيها الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز وأردوغان لا يعترف بإسرائيل ومن ثم يرفض الجلوس إلى رئيسها والحديث معه، وإلا لكان على أردوغان عدم قبول المشاركة ابتداء. كما أن الانسحاب ليس بسبب ما قاله الرئيس الإسرائيلي، ولكن سبب انسحاب أردوغان كان فقط احتجاجا على الأسلوب الذي اتبعه ديفيد إجناتيوس، مدير الحوار، حيث – حسب تصريحات أردوغان – منح وقتا أطول لمداخلة الرئيس الإسرائيلي مقارنة بالمدة التي منحها لأردوغان، هذا كل ما في الأمر. فأين البطولة في هذا التصرف يا أصحاب العقول؟

«اقرأ أيضا: التناقضات التركية: إسرائيل عدو أم صديق؟»

فالبطولة الحقيقية هو أن تسحب تركيا تحت قيادة أردوغان الاعتراف بإسرائيل، وتقطع كل العلاقات الديبلوماسية معها، فتغلق سفارة تركيا وقنصليتها في إسرائيل، وتغلق سفارة إسرائيل وقنصليتها في تركيا، وتطرد البعثات الديبلوماسية والقنصلية من تركيا، وتنهي كل التعامل الاقتصادي والعسكري مع إسرائيل، الخ. تركيا لم تقم بأي من تلك الإجراءات العملية، لم تقم بذلك حتى لما تعمدت إسرائيل إهانة سفيرها سنةً فقط بعد انسحاب أردوغان من حوار دافوس، وبالضبط في 26 محرم 1431هـ (11 يناير 2010م)، حيث استدعى نائب وزير الخارجية الإسرائيلي، داني أيالون، السفير التركي أحمد أوغوز تشليكول إلى مكتبه ليطلب منه توضيحا بشأن مسلسل تركي، اسمه “وادي الذئاب”، الذي تم فيه تصوير ممثلين وهم يرتدون زي ضباط جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي ويختطفون أطفالا رضعا. وفي هذا اللقاء جلس السفير التركي على أريكة منخفضة، في حين جلس نائب وزير الخارجية الإسرائيلي ومسؤولان آخران أمامه على كراسي مرتفعة. وقال داني أيالون باللغة العبرية للصحفيين الذين سمح لهم بالتقاط الصور «لاحظوا أنه يجلس على كرسي منخفض ونحن على كراسي مرتفعة، وأن هناك علما إسرائيليا فقط، وأننا لا نبتسم».

الوضع المهين للسفير التركي لدى إسرائيل أحمد أوغوز إبان استدعاءه من قِبَل نائب وزير الخارجية الإسرائيلي داني أيالون في 26 محرم 31هـ (11 يناير 2010م).

كما أن العلاقات التركية-الإسرائيلية لم تنقطع على المستوى الاقتصادي والعسكري، لا بعد انسحاب أردوغان من حوار دافوس سنة 1430هـ/2009م، ولا بعد إهانة السفير التركي لدى إسرائيل في شهر محرم 1431هـ (يناير 2010م). فعلى سبيل المثال لا الحصر، زار وزیر الدفاع الإسرائیلي أیھود باراك یوم 2 صفر 1431هـ (17 يناير 2010م) تركيا، وزار قبر مصطفى كمال أتاتورك، ثم التقى بوزیر الخارجیة التركي أحمد داوود أوغلو، والتقى بوزير الدفاع التركي وجدي غونول وبقائد الجیش التركي. وتم في خلال هذه الزيارة توثيق عشرات المعاهدات العسكرية والأمنية، من بينها صفقات أسلحة وخدمات تبيعها إسرائيل إلى تركيا، كتزويد إسرائيل تركيا بطائرات تجسس مقاتلة بلا طيار من طراز «هارون» الإسرائيلية الصنع، وتحديث طائرات فانتوم التركية المقاتلة في مصانع شركة سلاح الجو في تل أبيب، وتحديث دبابات تركية قديمة، وتزويد الجيش التركي بأجهزة اتصال ذات تقنية إلكترونية حديثة. كما تم الاتفاق على توسيع التعاون الأمني بين إسرائيل وتركيا في إطار ما يسمى بـ «مكافحة الإرهاب»، وتبادل المعلومات في مجال الأمن وغيرها، والقيام بتدريبات مشتركة على القتال، جويا وبحريا وبريا، والقيام بتدريبات مشتركة على الإنقاذ. وقال وزیر الدفاع الإسرائیلي أیھود باراك إبان انتهاء الزيارة بأنها كانت بالغة الأهمية وفي بعض الأحيان مفاجئة في الحميمية، حيث لفت أیھود باراك إلى تصريحات وزير الدفاع التركي، محمد وجدي غونول، الذي قال إن هناك علاقات تحالف استراتيجي بين البلدين ما دامت مصالحهما المشتركة تتطلب ذلك. وأضاف: «نحن لا نستخدم كلمة (تحالف) حتى لوصف علاقاتنا مع الولايات المتحدة، أكبر أصدقاء إسرائيل، ولذلك فعندما يستخدم قادة تركيا هذا التعبير، وتركيا تعتبر دولة كبرى في الشرق الأوسط، فهذا يعني الكثير». فأصحاب التفكير العاطفي توقفوا عند لقطة انسحاب أردوغان من حوار دافوس، دون فهم سياق الحادثة ابتداء – فهي أصلا لم تكن ضد الرئيس الإسرائيلي –، والأهم، دون متابعتهم للأحداث لرؤية هل تركيا/أردوغان ستقوم فعلا بإجراءات تصدق الاحتجاج اللفظي والشعارات. لم يبحثوا هل العلاقات بين إسرائيل وتركيا توقفت، ولم يناقشوا استمرار الزيارات والصفقات الأمنية والعسكرية والاقتصادية المتبادلة بين إسرائيل وتركيا، كل ذلك لا يهم أصحاب التفكير العاطفي، ولا يريدون سماعه لكيلا يعكر انتشائهم بالانتصارات الوهمية. أصحاب التفكير العاطفي يتعمدون طمس كل الأخبار والحقائق التي يمكنها أن تلوث بهجتهم بالانتصارات الخيالية، وفي أحسن الأحوال يبررون تلك الأخبار والحقائق المزعجة ويفسرونها تفسيرات أشد غرابة وحماقة من بطولاتهم الوهمية. لسان حال أصحاب التفكير العاطفي يقول: «أعطني فقط كلمة رنانة وحركة استعراضية تفور مشاعري على أنغامها، وافعل ما شئت، فكل شيء مغفور لك.

بطولة وهمية: تهديد أردوغان بقطع العلاقات مع إسرائيل إذا نقلت أمريكا سفارتها الى القدس المحتلة

لما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 18 ربيع الأول 1439هـ (6 ديسمبر 2017م) أنه سينقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس ومن ثم الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، خرج أردوغان بخطاب هزيل، اقتصر فيه بالتنديد – كعادة حكام المسلمين منذ عقود –، والأشد هزلا أن أردوغان هدد بأنه “قد يقطع العلاقات مع إسرائيل إذا اعترفت الولايات المتحدة الأمريكية بالقدس عاصمة لها”، حيث قال: «السيد ترامب، القدس خط أحمر بالنسبة للمسلمين، …. يمكن أن تؤدي بنا هذه القضية إلى قطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل». فانظر للمهزلة والجبن، فقد اختار أردوغان كلماته بعناية، بحيث لا يتجاوز الخطوط الحمر التي يضعها الغرب وعلى رأسه أمريكا، حيث قال: «يمكن أن تؤدي بنا هذه القضية إلى قطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل»، أي أنه لن يقطع العلاقات مع إسرائيل، وإنما قام بتصريح موجه للقطيع الذي تكفيه مثل تلك العبارة الضبابية التي لا تحمل أي معناً ولا تحسم أمرا، لإسكاتهم وإبقائهم في الطابور.

https://www.youtube.com/watch?v=4dVhtY8QZIQ

ولم يدعوا أردوغان لاجتماع طارئ لقيادات الجيش التركي والمخابرات التركية لبحث سبل الرد العملي لإيقاف أمريكا عن تنفيذ مخططها (مع التجاوز عن أن المشكلة ابتداء لا تكمن في نقل السفارة الأمريكية الى القدس والاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، ولكن تكمن في الاعتراف بإسرائيل أصلا، وعلى رأس ذلك اعتراف تركيا بها)، بل دعا أردوغان لقمة طارئة لمنظمة التعاون الإسلامي في 25 ربيع الأول 1439هـ (13 ديسمبر 2017م)، المنظمة التي لا سلطة لها ولا جيش، وهي مجرد منصة للتباكي والتنديد، ناهيك عن أنها من إفرازات تقسيمات سايكس بيكو، ومن ثم خاضعة للنظام الدولي ولا تتحدث إلا في الإطار الذي يسمح به الغرب. ومن بين ما خرج به الاجتماع في إسطنبول: [نؤكد تمسكنا بالسلام العادل والشامل – القائم على أساس حل الدولتین وأن القدس الشرقیة عاصمة لدولة فلسطین وفق المرجعیات الدولیة المعتمدة ومبادرة السلام العربیة لعام 2002 التي اعتمدتھا القمة الإسلامیة الاستثنائیة في مكة المكرمة عام 2005 – باعتباره خیارا استراتيجيا، وندعو المجتمع الدولي للتحرك بشكل فاعل وجاد لتحقیق ھذا الحل] (انتهى الاقتباس).

«اقرأ: البيان الختامي للدورة الاستثنائية لمؤتمر القمة الإسلامي لبحث الوضع في أعقاب اعتراف الإدارة الأمريكية بمدينة القدس عاصمة لإسرائيل»

البيان الختامي لقمة ربيع الأول/ربيع الثاني 1439هـ (ديسمبر 2017م)، يؤكد من جديد أن “منظمة التعاون الإسلامي” منظمة وظيفية ولا سلطان لها، مجرد منصة للنياحة، شأنها شأن أخواتها كـ”الجامعة العربية” و”اتحاد المغرب العربي”، و”مجلس التعاون الخليجي”، و”لجنة القدس”، الخ، لذلك لم يخرج بيانها – أي بيان “منظمة التعاون الإسلامي” – عن خطاب التنديد، والمطالبة بما يسمح به النظام الدولي – يسمح به الى حين – (دولة فلسطينية على حدود الرابع من یونیو لعام 1387هـ /1967م ،والقدس الشرقیة عاصمة لها)، ثم توكيل أي خطوات عملية لما يسمى المجتمع الدولي، فدويلات سايكس بيكو مشلولة الإرادة، لا تستطيع هش ذبابة، حيث قال بيان “منظمة التعاون الإسلامي”: [وندعو المجتمع الدولي للتحرك بشكل فاعل وجاد لتحقیق ھذا الحل] (انتهى الاقتباس). رغم سطحية خطابات المشاركين في قمة “منظمة التعاون الإسلامي”، وعلى رأسها خطابات أردوغان وأمير الكويت صباح الأحمد الجابر الصباح وأمير قطر تميم بن حمد بن خليفة، ومهزلة بيان قمة “منظمة التعاون الإسلامي”، إلا أن أصحاب التفكير العاطفي تلقفوا تلك الخطابات وذلك البيان الختامي كبلسم يضمد جراحهم، وتناقلوها على وسائل التواصل الاجتماعي، وبدأوا من جديد يمجدون أبطالهم المزيفين وبطولاتهم الوهمية. من جديد لم يهتم أحد من أصحاب التفكير العاطفي للأعمال، توقفوا عند لحظة التنديد، دون النظر لما قبلها ولا ما بعدها من أعمال على أرض الواقع، دون متابعتهم للأحداث لرؤية هل تركيا/أردوغان ستقوم فعلا بإجراءات تصدق الاحتجاج اللفظي والشعارات.

https://www.youtube.com/watch?v=eEIuooxJCJo

فبخلاف أمريكا التي نفذت وعدها وتخطت مرة أخرى الخطوط الحمر الوهمية التي يضعها أردوغان، حيث افتتحت فعلا سفارتها الجديدة في القدس في 28 شعبان 1439هـ (13 ماي 2018م)، لم ينفذ أردوغان وعده بقطع العلاقات مع إسرائيل. ما عدا الكلام، لم يقم أردوغان بأي خطوات عملية على أرض الواقع، واكتفى بالتصريح بأن «الولايات المتحدة بنقلها سفارتها في إسرائيل إلى مدينة القدس، اختارت أن تكون جزءا من المشكلة لا الحل وخسرت دور الوساطة في عملية السلام».

من نفاق أصحاب التفكير العاطفي، أنه لم يحاسب أحد منهم أردوغان على عدم تنفيذه للوعود، ولم يدعوه أحد لقطع العلاقات مع إسرائيل، وكأنهم كلهم شركاء في التمثيلية البطولية، يدركون أنه ليس لديهم إلا الشعارات وبعض العبارات للتنفيس، فلا يتجاوزونها للمطالبة بأعمال جدية على أرض الواقع، يدركون أن أبطالهم الوهميين لا ولن يجرؤوا على القيام بها. وقد يقول أصحاب التفكير العاطفي أنه ما دام المسلمون مستضعفون وليس لهم قوة ولا يمكنهم إنجاز انتصارات حقيقية، فلنترك لهم الانتصارات الوهمية والحروب اللفظية والشعارات الحماسية كمتنفس لمشاعرهم وللرفع من معنوياتهم. فأقول لهؤلاء، أنه لا يجوز إشباع الغرائز بالطرق الخطأ، فمثلا لا يجوز إشباع غريزة التعبد باختلاق إله وعبادته، كعبادة تمثال أو شجرة أو بقرة أو نبي، الخ، ولا يُعذر الانسان بعبادة غير الإله الحق، الله سبحانه، بحجة أنهم لم يدركوا وجود الله، فاحتاجوا لصناعة إله ليشبعوا به غريزة التعبد. كذلك لا يجوز إشباع مظاهر غريزة حب البقاء، كحب النصر والقوة والحرية، باختلاق انتصارات وهمية. فاللهفة وراء الانتصارات الوهمية والأبطال الوهميين، تؤدي للضلال ولفقدان البوصلة الصحيحة المؤدية للانتصارات الحقيقية، وتؤدي لصناعة أجيال لا تعمل حسب السنن الكونية والشرعية، وتؤدي للتثبيط والفشل بسبب تفريغ الطاقات والمشاعر في الوهم، فلا تبقى قوة ونشاط وحماس للعمل الجاد للتغيير الصحيح والجذري. كما ذكرت فيما سبق، لسان حال أصحاب التفكير العاطفي يقول: «أعطني فقط كلمة رنانة وحركة استعراضية تفور مشاعري على أنغامها وتعيشني في وهم جميل، وافعل ما شئت مما يخالف كلامك، فكل شيء مغفور لك.

«اقرأ أيضا: أردوغان بين مسجد آيا صوفيا وضريح أتاتورك»

مصادر



 

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

د. هشام البواب

الدكتور هشام البواب، ناقد ومحلل سياسي واجتماعي مستقل . مقالاته تشمل موضوعات سياسية واجتماعية وفقهية وعلوم تجريبية :::::: بعض كتابات الدكتور هشام البواب في الرابط التالي: https://atanwir.com/منشورات-الدكتور-هشام-البواب ::::::: hicbou1@mailfence.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Enter Captcha Here : *

Reload Image

زر الذهاب إلى الأعلى