سياسة
أخر الأخبار

تركيا تخشى منافسة الإمارات في خدمة مشاريع أمريكا في المنطقة

مدخل لابد منه ..

ابتداء، وقبل الشروع في قراءة المقال، يجب العلم أن موقع «الحدث في العمق» وكما عهد على نفسه، يتطرق بعمق للأحداث، ولا يكيل بمكيالين، ومن ثم تعرية حقيقة تركيا ليس لتزكية الإمارات أو أي دويلة من دويلات سايكس بيكو الوظيفية لها خلاف مع تركيا، وإنما لوضع القارئ أمام الصورة الكاملة للحقائق. فالصورة لا تكتمل ولا تكون صادقة إذا تم مثلا ذم الإمارات والسعودية ومصر، دون ذم تركيا وقطر، فهذه الدويلات وكل باقي دويلات سايكس بيكو في العالم الإسلامي (والتي تفوق الخمسين) وجوه لعُملة واحدة: عُمْلة العمالة للغرب وخدمة مصالحه، كلها دويلات تقوم بأدوار مختلفة يحددها الغرب وعلى رأسه أمريكا، كلها تبيع الدين والشعوب المسلمة، كلها تتواطأ مع الغرب ضد الإسلام والمسلمين.

ذم نظامٍ على مواقف وسياسات وقرارات معينة، لكن السكوت عن نفس القرارات والمواقف والسياسات التي تقوم بها دول أخرى، هذا من علامات النفاق، هذا من الكذب، هذا لا يقوم به إلا مرتزق لا كرامة له ولا مبدأ، يُزَيِّن من دفع له وأعطاه، ويقدح فيمن منع عنه العطاء.

وهنا الفرق الكبير بين «الحدث في العمق» والمنصات الإعلامية التي تقيس الدول والحكام والأحداث بمقاييس مختلفة، والتي افترقت لصفين أساسيين: صف منتمي لتركيا/قطر ومدعوم منهما ماديا وإعلاميا وسياسيا بطرق مباشرة أو غير مباشرة، أو متعاطف معهما (أي تركيا/قطر) على أقل تقدير. وصف منتمي للسعودية/الإمارات/مصر أو متعاطف معهم. فتجد كل صف ومعه جمهوره الواسع يذم الصف الآخر على عين الجرائم والخيانات والعمالة التي تقوم بها الدول التي يمجدها ويدافع عن حكامها ويقدسهم ويمنحهم العصمة.

«الحدث في العمق» لا ينتمي لطابور تركيا/قطر ولا لطابور السعودية/الإمارات/مصر، ولا يزين أي نظام، ولا يبحث عن الأعذار لأي نظام، بل يعرض الحقائق بمهنية، استنادا لمعايير ثابتة يستعملها في كل حدث ومع كل دولة.

ومن ثم، فالمقال الذي بين أيدينا الآن، كما هو حال مقالات سابقة، لا ينفي الخيانة والعمالة عن الإمارات، بقدر ما يسعى لإكمال الصورة لدى القارئ بالتبيان أن تركيا، كما هو حال كل دويلات سايكس بيكو في العالم الإسلامي (قطر والسعودية ومصر والبحرين والكويت، واللائحة طويلة)، لا تقل عمالة وخيانة عن الإمارات، وإن اختلفت الأساليب، فهناك أنظمة تختار أساليب خشنة كالسعودية ومصر والإمارات، وهناك أنظمة تتخذ أساليب تتسم نسبيا بالنعومة والمرونة – نسبية إلى حد ما –، كتركيا وقطر. لكن كل دويلات سايكس بيكو بدون استثناء وجوه لعملة واحدة، عملة بيد الغرب.

تركيا/أردوغان انفصام في الشخصية

على إثر إعلان الإمارات التطبيع الشامل العلني مع إسرائيل، صرح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عقب أداء صلاة الجمعة بمدینة إسطنبول قائلا: “یمکن أن نتخذ خطوات لتعلیق العلاقات الدبلوماسیة مع إدارة أبو ظبي أو سحب سفیرنا”، وأضاف قائلا: “لم ولن نترك فلسطین لقمة سائغة لأحد أبدا”.

ومما صرحت به وزارة الخارجية الترکیة، أن تاريخ وضمير شعوب المنطقة لن ينسى ولن يغفر السلوك المنافق لدولة الإمارات العربية المتحدة في إبرام اتفاق مع إسرائيل. وأشارت إلى أن الإمارات تحاول تقديم هذا الاتفاق باعتباره نوعا من التضحية بالنفس من أجل فلسطين في الوقت الذي تخون فيه القضية الفلسطينية لخدمة مصالحها.

من بين أعراض الانفصام في الشخصية، أن يدين شخصٌ شخصًا آخر على جرائمه، وينسى أنه يقوم بنفس الجرائم. ونفس هذه الصفات تُعتبر أيضا من مظاهر النفاق. فتركيا التي ترمي الإمارات بسياسات النفاق، وهي كذلك، نسيت أنها هي أيضا – أي تركيا – تمارس سياسات النفاق، وتتلاعب بالقضية الفلسطينية.

فكل عاقل منصف، سيرد على تركيا، بأن عليها أن تنهي أولا كل علاقاتها مع إسرائيل (العلاقات الدبلوماسية والعسكرية والتجارية والصناعية والمخابراتية والسياحية، الخ)، ثم بعد ذلك لها الحق أن تحاسب الإمارات وتعاقبها على تطبيعها مع إسرائيل.

فمن المفارقات العجيبية، بل ومن أعلى درجات الوقاحة والنفاق، أن يجرؤ الرئيس التركي رجب طیب أردوغان على انتقاد الإمارات العربية المتحدة على تطبيعها الشامل مع إسرائيل، وهو – أي أردوغان – رئيس أول دويلة في العالم الإسلامي اعترفت بإسرائيل وتبادلت معها السفراء والقناصل، وقامت منذ عقود بتطبيع شامل وواسع مع إسرائيل في كل وأدق المجالات.

تركيا من أوائل دول العالم التي اعترفت بإسرائيل وأردوغان وصل للحكم بدعم أمريكا وتزكية إسرائيل

تركيا من أوائل دول العالم التي اعترفت بإسرائيل، إذ اعترفت بها يوم 29 جمادى الاولى 1368هـ (28 مارس/آذار 1949م) بعد أقل من عام على تأسيسها يوم 6 رجب 1367هـ (14 مايو/أيار 1948م)، وتبادلا السفراء والقناصل.

«اقرأ أيضا: العلاقات التركية الإسرائيلية.. أهم المحطات»

والعلاقات بين إسرائيل وتركيا زادت عمقا وتشعبا بعد تولي حزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه أردوغان الحكم في تركيا سنة 1423هـ (2002م). وأردوغان لم يصل أصلا للحكم في تركيا إلا بعد تقديمه الولاءات المغلظة لأمريكا وإسرائيل، واقتناع الأخيرتان بقدرته على خدمة مشاريعهما في الشرق الأوسط خصوصا والعالم الإسلامي عموما. فلولا تزكية إسرائيل والمخابرات الأمريكية سي.أي.إي لأدوغان وحزبه، حزب العدالة والتنمية، لما وصل للحكم ولما بقي فيه لحد الساعة.

«اقرأ أيضا: أردوغان يصل إسرائيل ويبحث تطوير العلاقات»

أردوغان عرف مبكرا من “أين تُؤكل الكتف”، إذ بدأ علاقاته مع إسرائيل في وقت جد مبكر، منذ منتصف العقد الثاني من القرن 14 الهجري (تسعينات القرن 20 الميلادي)، لما كان مجرد مسؤول فرع حزب الرفاه في إسطنبول الذي كان يترأسه نجم الدين أربكان، حيث تعرف أردوغان على السفير الأميركي في أنقرة آنذاك “مورتون إبراموفيتس”، وقام هذا الأخير بتقديمه لشخصية أميركية مهمة جدا لإسرائيل، “بول ولفوفيتز”. “بول ولفوفيتز” الذي شغل عدة مناصب في الإدارة الأمريكية من بينها منصب رئيس البنك الدولي ومساعد وزير الدفاع الأميركي ما بين 1421هـ و1426هـ (2001م – 2005م) في عهد الرئيس الأمريكي جورج بوش، ويُعتبر “بول ولفوفيتز” من المهندسين والداعمين الرئيسيين للغزو الأمريكي للعراق وأفغانستان، ومن كبار الداعمين لإسرائيل.

وهكذا نجم عن اتصالات أردوغان المبكرة بالإدارة الأمريكية، إنشاء حزب العدالة والتنمية وتبني أمريكا لهذا الحزب. إذ كانت أمريكا تعمل على إحياء ما يسمى “الإسلام المعتدل” في العالم الإسلامي، ومنح القيادة في بعض دويلات سايكس بيكو لزعماءه الذين يتم انتقائهم بعناية.

دور تركيا في القضية الفلسطينية والشرق الأوسط كما أشار إليه تقرير اللجنة الرئاسية سنة 1422هـ / 2001م

فقد تضمن تقرير اللجنة الرئاسية عن الخيارات السياسية المتاحة للرئيس جورج بوش تحت عنوان «الملاحة عبر الاضطرابات: أمريكا والشرق الأوسط في قرن جديد»، الذي قُدٍّم له سنة 1422هـ (2001م) إبان توليه الرئاسة في أمريكا، .. أقول تضمن هذا التقرير توصيات غاية في الأهمية للرئيس الأمريكي، يمتد مداها الى يومنا هذا، ويُفهم تحت ضوئها كثير من السياسات الأمريكية في الشرق الأوسط على الخصوص وفي العالم عموما، ويُفهم دور دويلات سايكس بيكو في العالم الإسلامي، من بين ذلك دورهم في القضية الفلسطينية.

فريق العمل الذي أنجز التقرير كان رفيع المستوى، ضم حوالي أربعين شخصا بين وزراء وسفراء سابقين وخبراء بمنطقة الشرق الأوسط. لإتمام التقرير على أعلى مستوى مهني، بحيث يكون مرتكزا على حقائق على أرض الواقع وليس على دراسات نظرية فحسب، قام أحد عشر عضوا من أفراد فريق العمل بزيارة لعدة دول في الشرق الأوسط من بينها المملكة العربية السعودية والأردن وإسرائيل والضفة الغربية، وقابلوا كل من ظنوا أن لديه شيئا مهما يسمعونه منه.

بدأ التقرير بسرد إنجازات الإدارة الأمريكية السابقة، حيث ذكر ثلاثة انجازات شرق أوسطية، منها: فتح الطريق أمام سلام شامل في المنطقة، وذلك بمؤتمر مدريد سنة 1412هـ (1991م) الذي قصدت إليه كل الدول العربية «راغبة وقادرة ومستعدة» لصنع السلام مع إسرائيل من خلال مفاوضات سياسية لها مساراتها المختلفة ومن خلال مؤتمرات للتعاون الإقليمي متنوعة في موضوعاتها لكن هدفها واحد! وهو أن توفر للكل نصيبا في «جوائز السلام»! وتشرَك دول المنطقة دون تمييز في أجواء من التعاون تساهم فيه تركيا بالتحديد وبالاسم لأن «ذلك يحقق توازنا في القوى مُحكما وفاعلا».

وتَضمَّن تقرير اللجنة الرئاسية نصائح عامة للرئيس جورج بوش، أتى بعضها بصيغة الطلب الملح، من أهم تلك النصائح: [افصل بين البترول وفلسطين. لا تخلط في منطقة الشرق الأوسط بين «نطاقين استراتيجيين»، لأنه لابد أن يظل كل منهما مستقلا بذاته وبعيدا عن الآخر: الخليج وما حوله من ناحية، وفلسطين وما حولها من ناحية أخرى. وأن الفصل بين النطاقين هو الضمان لإحكام السيطرة على إدارة كل واحد منهما في حدوده المعينة وفي إطار المحسوب.

وتَضمَّن تقرير اللجنة الرئاسية توصيات للرئيس الأمريكي بخصوص كيفية التعامل مع الدول، ودور كل منها. من بين تلك التوصيات:

[السماح لأطراف دولية غير الولايات المتحدة وتشجيعها لبذل جهود لتخفيف حدة التوتر في الشرق الأوسط. من ثم عليك أن تتعاون مع الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، ويكون طلبك من الجميع أن يعملوا بجد على استعادة الهدوء في المنطقة، دون أن يتجاوز أي طرف من هذه الأطراف الدولية حدود وظيفته ويسمح لنفسه بالتدخل في عملية التفاوض المباشر.

عليك (الخطاب هنا لازال موجها للرئيس الأمريكي) دفع الدول الإقليمية الموالية لك وخصوصا مصر وتركيا للوصول إلى العالم العربي والعالم الإسلامي وتخفيف أي احتقان يحصل سواء لدى الشعوب أو لدى القادة].

كما أوصى تقرير اللجنة الرئاسية بأن: [عليك (الخطاب هنا لازال موجها للرئيس الأمريكي) فرض السلام في المنطقة بإبراز وتأكيد التحالف الأمريكي مع إسرائيل بالفعل وبالقول. وعلى العلاقة بين الطرفين «الأمريكي والإسرائيلي» أن تكون بالمتانة مما كان لتستطيع تجاوز كل خلافات سياسة محتملة بينهما (أي بين إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية) متعلقة بعملية السلام في الشرق الأوسط، واعتراف كل طرف بمصالح الطرف الآخر الاستراتيجية الخاصة، رغم تقاطع كثير منها.

ضمان استمرارية تركيا كدولة علمانية حليفة للغرب، أمر حيوي بالنسبة لأمريكا. عليك (الخطاب هنا لازال موجها للرئيس الأمريكي) أن تشجع تركيا على القيام بدور رئيسي في الشرق الأوسط مع إفهامها بطريقة واضحة أنها لا تستطيع أن تمارس هذا الدور، ولا أن تحقق نتائجه السياسية والاقتصادية إلا بالتعاون مع إسرائيل. فعلى أمريكا أن تعمل على تعميق التعاون العسكري والاقتصادي بين تركيا وإسرائيل] (انتهى الاقتباس).

في ظل هذه التحولات الجوهرية في السياسة الأمريكية في مطلع القرن الواحد والعشرين الميلادي، والتي بدأت بموجة جديدة واسعة من الغزو الأمريكي للعالم الإسلامي، ابتداء من أفغانستان ومرورا بالعراق، ضمن مخطط “الشرق الأوسط الجديد”، وقع اختيار أمريكا وإسرائيل على أردوغان وحزبه، حزب العدالة والتنمية، ليكونوا الأولى بالقيام بالدور المنوط بتركيا، خصوصا أن الخلفية الإسلامية لأردوغان وحزبه، ستجعلهم الأقدر على احتواء التيارات الإسلامية والمقاومة الفلسطينية واختراقهم وإقناعهم بضرورة التنازل والدخول في مساومات سياسية، وتجعل – أي الخلفية الإسلامية لأردوغان – تركيا أقدر على تسويق السياسات الأمريكية في العالم الإسلامي. فلو روجت أمريكا بنفسها لأي برامج سياسية في العالم الإسلامي، لوجدت رفضا واسعا لدى الشعوب المسلمة. لكن حين يقدم طرفٌ مسلم تلك المشاريع السياسية (أصلها أمريكي دون أن يعلم المسلمون ذلك)، فيسهل تسويقها لدى الشعوب المسلمة وجماعاتهم وأحزابهم، خصوصا إذا ظهر ذلك الطرف بسمت إسلامي وقدم المساعدات للمسلمين وآوى المهجرين وقام بالأعمال الخيرية وبناء المساجد وتحفيظ القرآن وسمح بارتداء الحجاب، وكان له قوة نسبية اقتصاديا وعسكريا. فالشعوب تتبع “القوي” العطوف المتضامن مع مشاعرهم.

من ثم تلقى أردوغان دعما من الإدارة الأمريكية، حيث استقبله الرئيس الأمريكي جورج بوش في 7 شوال 1423هـ (11 ديسمبر 2002م) في البيت الأبيض، رغم أن أردوغان لم يكن له في ذلك الوقت أي منصب في الدولة، لم يكن لا رئيسًا للدولة أو الحكومة التركية، ولا وزيرا، ولا حتى برلمانيا. وقد اعتبر الكثيرون اجتماع بوش بأردوغان في البيت الأبيض بأنه جاء ليؤكد شرعية أردوغان في تولي الحكم في تركيا.

ومما صرح به أردوغان في لقاء صحفي عقب انتهاء اللقاء مع الرئيس الأمريكي جورج بوش وفريق إدارته: «أنا اشكرك كثيرا. نحن سعداء جدًا لوجودنا في الولايات الأمريكية المتحدة، فهي حليفنا وصديقنا، وأيضًا مصدر آخر للسعادة لنا أن السيد الرئيس (جورج بوش) خصص وقتا لمقابلتنا. لا شك أننا نعتبر طلبنا للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي أهم مشروع تحديث لبلادنا منذ قيام الجمهورية. وسيكون هذا بمثابة انطلاق كبير للديمقراطية وتعزيز الديمقراطية. هذا الأسبوع مهم جدا بالنسبة لنا. هذه في الواقع نقطة تحول في تاريخنا. ومن المفيد أيضًا أن تكون نقطة التحول هذه قد اندمجت مع – تزامنت مع حكومتنا الجديدة القائمة وانتصارنا الانتخابي (انتصار حزب العدالة والتنمية في انتخابات شعبان 1423هـ /نوفمبر 2002م). نحن على دراية بدعمكم في هذا الشأن ونحن نقدر ذلك كثيرًا. لكن لا ينبغي أن ينتهي هنا. نتوقع أن يستمر ذلك،»

وبالفعل، أسبوعين فقط بعد فشل البرلمان التركي تمرير مشروع الاتفاق المبدئي التركي – الأمريكي بخصوص غزو العراق من الجهة الشمالية انطلاقا من الأراضي التركية، تولى أردوغان رئاسة الحكومة في 11 محرم 1424هـ (14 مارس 2003م)، بعد استقالة حكومة عبد الله غول.

أردوغان الذي أعلن قبل تصويت 28 ذي الحجة 1423هـ (1 مارس 2003م)، وقبل أن يتولى أي منصب في الدولة، بأنه من المصلحة الوطنية الاستجابة بشكل إيجابي لطلب الولايات المتحدة بنشر قوات في تركيا، نجح بعد توليه رئاسة الحكومة في تركيا من إبرام اتفاقات بديلة مع الولايات المتحدة بشأن غزو العراق، حيث لم تصبح أمريكا بحاجة لفتح جبهة شمالية ضد العراق، وتريد فقط فتح تركيا مجالها الجوي للطائرات الأمريكية، لأنها الطريق الأسرع من والى العراق، وقد حصلت أمريكا على ما تريد. وقد مثلت مساهمة تركيا في غزو أمريكا للعراق بداية الصعود السياسي لأردوغان، ودشنت البداية الفعالة للدور التركي في مشروع “الشرق الأوسط الجديد” الذي تعمل عليه أمريكا إلى يومنا هذا، وصاحب ذلك انطلاق طفرة اقتصادية في تركيا، إذ فتحت أمريكا وأوروبا وإسرائيل أسواقها للبضائع التركية، وتدفقت الديون والأموال الغربية لدعم مشاريع في تركيا.

«اقرأ أيضا: تصحيح التاريخ: هل فعلا لم تساهم تركيا في غزو أمريكا للعراق سنة 1423هـ / 2003م؟»

ولقي أردوغان أيضا دعما واسعا من قبل اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة الأميركية، حيث منحه “المؤتمر اليهودي الأميركي” (وهو من أهم المحافل اليهودية في أميركا) “درع الشجاعة الفائقة” عام 1425هـ (2004م)، تكريما لجهوده في محاربة الإرهاب والعمل للسلام.

وحصل أردوغان في نفس السنة أيضا (عام 1425هـ / 2004م) على “وسام الشجاعة” من “رابطة مكافحة التشهير”، مقرها الرئيسي بأمريكا، ووظيفتها دعم إسرائيل ومكافحة معاداة السامية في العالم.
وسنة 1426هـ / 2005م، زار أردوغان إسرائيل، وكان ساعتها رئيس الحكومة التركية، والتقى برئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون، حيث أبرم صفقة وصلت قيمتها إلى 687.5 مليون دولار، قامت إسرائيل بموجبها تحديث الدبابات التركية من طراز “إم60أ1”.

فحين يقول الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، على إثر إعلان الإمارات التطبيع الشامل مع إسرائيل، بأنه “لم ولن يترك فلسطین لقمة سائغة لأحد أبدا”، فهو يقصد باللقمة السائغة الدور الذي مكنته منه أمريكا في المنطقة. فتركيا ترى في الإمارات منافسا لها في خدمة مشاريع أمريكا وإسرائيل في العالم الإسلامي، الخدمة التي كسبت عن طريقها تركيا التقدم المادي النسبي في الاقتصاد والصناعة والتجارة (ولو كان تقدما مرتبطا بالغرب ومرهونا به).

الدور التركي في ترويض وتطويع المقاومة الفلسطينية

اعلم أن كل الأنظمة المتحكمة في العالم الإسلامي لم يكن لها قط عداء حقيقي ضد إسرائيل، ولا كانوا ضد وجودها، ولم يكن لها أصلا قط أي اختيار في ذلك، فهي كلها صنيعة الغرب مثلها مثل إسرائيل، كلها دويلات وُجدت نتيجة الاجتياح العسكري الغربي لبلاد المسلمين الذي فرض بالحديد والنار واقعا جديدا. دول سايكس بيكو تستند في شرعيتها لنفس ما تستند عليه إسرائيل، شرعية المستعمر الغربي، وبالتالي فبقاء أنظمة سايكس بيكو مرتبط ببقاء إسرائيل.

«لولا إسرائيل لكانت دويلات سايكس وبيكو في العالم الإسلامي في ورطة كبيرة»

لكن الشعوب المسلمة التي غالبها يظن أن دويلاتهم دول حقيقية ومستقلة، والتي – أي الشعوب – تؤمن بعدم جواز التنازل عن فلسطين، إذ تعتبر بلاد فلسطين والقدس جزءا من دينها وعقيدتها، هذه الشعوب والجماعات المنبثقة من الشعب وغير التابعة للدول، لم تكن لتقبل بإسرائيل مهما كلفها الأمر. الأنظمة المتحكمة في البلدان الإسلامية لم تكن قادرة على مواجهتهم بحقيقة ما طُبِخ قبل وخلال عمليات ما سمي “الاستقلال”. فكان لا بد لدويلات سايكس بيكو من سياسات تجاه القضية الفلسطينية والمقاومة، تعمل على مسارين:

أولا: احتواء كل مقاومة عسكرية أو سياسية أو شعبية ضد إسرائيل، وذلك لا يمكن تحقيقه إلا بإظهار تعاطف معها، وتقديم دعم مادي وعسكري وسياسي واجتماعي لها، وربطها بتلك المساعدات، حتى إذا أصبحت المقاومة وحياة الفلسطينيين متعلقة بتلك المساعدات ومعتمدة عليها للبقاء، سهل على تلك الدويلات المساندة ترويض المقاومة وفرض أجندة الغرب وإسرائيل عليها – ولو بشكل متدرج –، ودفعها للقبول بالحلول السياسية الأمريكية، وبالخضوع للأمر الواقع.

ثانيا، وهذا هو المسار الأصعب والأشد تعقيدا وصعب تنبؤ المستقبل فيه: ترويض الشعوب المسلمة رويدا رويدا، وجعلها تتأقلم مع وجود دولة إسرائيل في فلسطين، بل والتطبيع معها في كل المجالات. وهذا تم السعي لتحقيقه عبر عدة طرق منها نفسية وإعلامية ودينية (فتاوى السلم والسلام الخ) ووعود بتحقيق الرفاهية للشعوب والتقدم المادي، الخ. فيما يخص الناحية الإعلامية، فقد لعبت قناة الجزيرة القطرية الدور الأكبر، حيث كانت الإعلام الأول في العالم العربي الذي أدخل الإسرائيليين لكل بيت ينطق بالعربية، فزال مع الوقت الحاجز النفسي الذي كان يجعل المسلم يرفض مجرد الجلوس إلى إسرائيلي والسماع لما يريد قوله.

فكل دول سايكس بيكو لعبت أدورا معينة في هذين المسارين. وما نراه اليوم من تجرؤ إعلان أنظمة سايكس بيكو تطبيعها مع إسرائيل، إنما نتيجة أعمال جبارة دامت لعقود، وستتوالى إعلانات تطبيع كل دويلات سايكس بيكو، واحدة تلو الأخرى، إذ لم تصبح تلك الدويلات ولا الغرب يخشى أي ردة فعل للشعوب، ولا لجماعاتها التي تم اختراق غالبيتها وترويضها.

وما دمنا هنا بصدد الحديث عن تركيا، فسنعرض بعض الأدوار التي قامت بها تركيا خصوصا في عملية ترويض المقاومة السياسية والمسلحة، وعلى رأسها حماس وأجنحتها العسكرية.

فتركيا بدأت مبكرا في الضغط على حماس، وإقناعها أنه لا جدوى من المقاومة، وأن اعترافها بإسرائيل سيجلب لها الخير.

فمثلا صرح الدكتور نشأت الأقطش، استاذ الإعلام والعلاقات العامة، في برنامج على قناة الجزيرة بأن تركيا مارست منذ عام 1428هـ (2007م) على أقل تقدير، ضغوطات على حماس عن طريق وسطاء، من بينهم هو شخصيا – أي الأستاذ نشأت الأقطش –، للاعتراف بإسرائيل على حدود 1387هـ (1967م).

وشمل اتفاق المصالحة بين تركيا وإسرائيل سنة 1437هـ (2016م)، لتجاوز الخلاف الذي نتج عن قتل إسرائيل لمواطنين أتراك على سفينة مرمرة، بندا لن تسمح تركيا بموجبه لحركة حماس بمزاولة أي نشاط معادي لإسرائيل على أراضيها، بما في ذلك عدم تمكين القيادي في حماس صلاح العاروري بالعودة للإقامة في تركيا.

وعلى هامش مشاركة وزير خارجية تركيا باجتماعات التحالف الدولي للحرب على داعش في واشنطن سنة 1438هـ (2017م)، أعلن جاويش أوغلو أن تركيا مارست ضغوطا على حركه حماس من أجل انً تلقي السلاح وتعترف بإسرائيل وتجلس إلى طاولة المفاوضات، وأن حماس أبدت استعدادها لهذا.

والضغط التركي، بالإضافة للدور القطري وافتقاد حماس لفكر سياسي إسلامي واضح ثابت، أتى بثماره سنة 1438هـ (2017م)، حيث ألغت حماس ميثاقها التأسيسي الذي كان يدعو لمقاومة إسرائيل وعدم الاعتراف بها، وأصدرت ميثاقا بديلا، سمته وثیقة المبادئ والسیاسات العامة لحرکة المقاومة الإسلامیة “حماس”. اعترفت حماس في هذه الوثيقة بإسرائيل على حدود 1387هـ (1967م)، وحذفت من الميثاق الجديد عبارات الجهاد، الى غير ذلك من التنازلات.

فكما خانت الإمارات القضية الفلسطينية لخدمة مصالحها، كذلك فعلت تركيا نفس الشيء، وكذلك تفعل قطر والسعودية ومصر وكل دويلات سايكس بيكو، بل وكذلك فعلت حماس ومنظمة التحرير الفلسطينية. فالقضية الفلسطينية كانت مجرد تجارة، لكنها لم تعد تجارة مربحة، لم تصبح تدر الأرباح المالية إلا لقلة قليلة من الأفراد المتاجرين بها. التجارة المربحة اليوم في نظر الكل، هي ممارسة تطبيع رسمي علني مع إسرائيل في كل المجالات. بهذا التطبيع يأمل مثلا النظام السوداني في الخروج من ورطته الشائكة، ويأمل محمد بن سلمان في تثبيت نفسه ملكا على السعودية، وهكذا دواليك بالنسبة لكل باقي أنظمة سايكس بيكو.

«اقرأ أيضا: بعد تركيا الإمارات الثانية في العالم الإسلامي التي تعلن تطبيعا شاملا مع إسرائيل»

مصادر

  • تقرير عن سياسة أمريكا في الشرق الأوسط، قُدِّم للرئيس الأمريكي جورج بوش الابن سنة 2001م، تحت عنوان: “الملاحة عبر الاضطرابات: أمريكا والشرق الأوسط في قرن جديد” (Navigating through Turbulence: America and the Middle East in a New Century) https://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/view/navigating-through-turbulence-america-and-the-middle-east-in-a-new-century
  • “الزمن الأمريكي من نيويورك الى كابول: كلام في السياسة”، لمحمد حسنين هيكل. هذا الكتاب لحسنين هيكل فيه ترجمة لأهم ما ورد في التقرير الذي قُدٍّم للرئيس الأمريكي سنة 2001م، تقرير “الملاحة عبر الاضطرابات: أمريكا والشرق الأوسط في قرن جديد” المشار إليه في المصدر السابق.
  • من سجلات البيت الأبيض: تصريحات الرئيس (جورج بوش) في لقائه مع رئيس حزب العدالة والتنمية التركي (رجب طيب أردوغان)؛ Remarks by the President in Meeting with the Chairman of Turkey’s AK Party ؛  https://georgewbush-whitehouse.archives.gov/news/releases/2002/12/20021210-8.html 
Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

Kitab2020

موقع مستقل منبر للتحليل العميق للأحداث في العالم منصة لتنوير العقول وتوعية القلوب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Enter Captcha Here : *

Reload Image

زر الذهاب إلى الأعلى