سياسة

“هيئة تحرير الشام” انضمت لطابور حركات “الاستقلال” تحت وصاية النظام الدولي

الحقيقة المرة التي يجب على المسلمين إدراكها والوعي عليها، هو أن كل حركاتهم وفصائلهم لـ”المقاومة” و”التحرير” منذ عهد الاستعمار العسكري المباشر للبلدان الإسلامية الى يومنا هذا، فاقدة للوعي السياسي المبني على الشريعة الإسلامية، وفاقدة لفقه إسلامي عميق شامل لكل ما تحتاجه من أحكام شرعية في معركتها من أجل التحرر، ومن أجل إعادة إقامة دولة تحكم بما أنزل الله وتجمع شمل المسلمين تحت ظلها، وفي كيفية التعامل مع الشعوب المسلمة وشعوب العالم ودوله، الخ.

كما أنها كلها (أي حركات “المقاومة” و”التحرير” في العالم الإسلامي) خاضعة بشكل أو بآخر للنظام الدولي وتابعة له، إذ هي مستندة عليه في تسليحها وتمويلها – بطريقة مباشرة أو عن طريق الدويلات العميلة للغرب –، وتعمل ضمن الخطوط الحُمر التي يرسمها، لا تجرؤ على تخطيها، وتسعى جاهدة ليعترف بها. ويكفي – على سبيل المثال لا الحصر – ذكر أن حربًا مصيرية للمسلمين ضد اليهود مثلا في فلسطين سنة 1367هـ (1948م)، كان يقودها بطريقة مباشرة ضباط بريطانيون، فيوجهون الأوامر لفرق جيوش المسلمين ويحددون لهم خطة القتال وأهدافه، … يا لها من مهزلة ومضحكة، ثم يستغرب المسلمون لماذا انهزموا، إنها النكبة الكبرى حين يسعى المسلمون للتحرر من العدو بالاستعانة بنفس العدو أو صديق العدو، والعمل تحت إمرته ورعايته!

وفصائل “التحرير” و”المقاومة” في العالم الإسلامي، مهما كانت الشعارات التي تحملها عند بداية مشوارها “الكفاحي” أو القتالي، فإنها بمجرد ما تتمكن بشيء من القوة والسلطة، حتى تتحول لطغاة وظلمة ومستبدين، ويحولون وجهة بنادقهم من العدو الى بعضهم البعض والى الشعوب المسلمة، يصبحون حماة للاستعمار والتبعية للغرب. فبمجرد ما يقبلوا اللقمة الأولى التي يقدمها لهم الغرب وعملائه (تحت مسمى مساعدات وما شاكلها)، ويقبلون بأول “وساطة” للغرب أو الدول الوظيفية في العالم الإسلامي، ويسوغون أول جلسة نقاش وتفاهم وتفاوض مع الغرب وعملائه، حتى تتوالى التنازلات وتبدأ البوصلة في الانحراف السريع. بتلك اللُّقمة الأولى، وتلك المداعبة الأولى، يتم استدراج فصائل “التحرير” و”المقاومة” في العالم الإسلامي وترويضها، لتتحول بعد حين الى كيان خاضع كلية للنظام الدولي وخادم له ومقاتل من أجله. ولذلك حذر الله المسلمين من مجرد الميل الطفيف للكفار والظلمة، وتوعدهم بالخزي في الدنيا والآخرة {وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا، إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا} (سورة الإسراء).  

وقد نتج عن حركات “المقاومة” و”التحرير” إبان الاحتلال العسكري المباشر للعالم الإسلامي، كل الأنظمة الوظيفية التي تتحكم اليوم في دويلات سايكس بيكو ويعيث فيها حكامها الصبيان الجهلة فسادا وظلما وفجورا وفسقا.

و“هيئة تحرير الشام” ليست بِدْعًا من فصائل “التحرير” في العالم الإسلامي تحت وصاية النظام الدولي، فهي مجرد بيذق جديد ينضم للطابور الطويل الذي اصطف فيه مئات الفصائل والحركات خلال الـ150 سنة الأخيرة.

ويجب الإشارة إلى أن حركة طالبان في أفغانستان انضمت هي بدورها لطابور وصاية النظام الدولي، ولنا وقفة معها في مقال مستقل بإذن الله.

كيف تعرف إن كان فصيل أو حركة في العالم الإسلامي تعمل تحت وصاية النظام الدولي

من علامات خضوع فصيلِ من حركات ما يسمى “المقاومة” و”التحرير” في العالم الإسلامي للنظام الدولي، تبنيها سياساتٍ ونهجٍ في المعاملات يشبه سياسات ونهج أنظمة سايكس بيكو التي وظفها الغرب لتقوم بحكم بلاد المسلمين بالنيابة عنه. ومن بين تلك السياسات والتصرفات:

  • عدم الالتزام بالأحكام الشرعية المستنبطة من الأدلة الشرعية المُحْكَمة، والاستناد للمتشابه والضعيف من النصوص، بل وللكذب على الله والرسول، لتسويغ أفعال المتحكمين في البلاد. فمثلا تُترك الأدلة القطعية القوية التي تحرم التعذيب أو موالاة الكفار والظلمة، ويُستدل بنصوص ضعيفة أو متشابهة، ويُلجأ للكذب، من أجل تسويغ التعذيب والقتل أو موالاة الكفار والظلمة. وإذا كان هذا ينطبق على الفصائل التي تدَّعي أنها إسلامية وتريد التحاكم للإسلام، فالأولى أن ينطبق على الفصائل التي ترفض أصلا التحاكم للشريعة وتعلن صراحة العلمانية.
  • محاربة من يطالب بإقامة الشريعة الإسلامية في كل شؤون الحياة، وعلى رأسها الشؤون المتعلقة بالسياسة الداخلية والخارجية وبالحرب وبالاقتصاد والمال، والولاء والبراء. فمحاربة الإسلام (والحديث هنا ليس فقط عن الشطر من الإسلام المتعلق بالشعائر من صلاة وصيام وحج الخ، ولكن بالدرجة الأولى ما يسمى “الإسلام السياسي”)، هو أهم الأهداف الحيوية والمصيرية للنظام الدولي، ومن ثم تجد كل من يعمل تحت مظلة النظام الدولي من فصائل “إسلامية” أو أنظمة حكم في العالم الإسلامي، يجعل بداهة محاربة الإسلام ودُعاته من المصالح والأهداف العليا.
  • الاستبداد بالرأي والطغيان، بحيث تفرض مثلا بالقوة مواقفها وآرائها السياسية على كل الناس الذين يعيشون في مناطق نفوذها، فلا تقبل أن يتبنى أي مسلم أو فصيل رأيا يخالف سياساتها وقراراتها، تدير المناطق بعقلية فرعون الذي قال لقومه مستكبرا متجبرا: {قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ} (سورة غافر).
  • الظلم المالي، بحيث تُؤخذ أموال الناس بدون وجه حق شرعي. ومن بين مظاهر الظلم المالي، فرض الضرائب والمكوس. المُكُوس (يُطلق عليها “الجمارك”) هي التي يُفرض بموجبها على المسلم أو الذمي دفع نسبة معينة من قيمة البضائع والأموال التي يريد إدخالها للبلاد. فالإسلام حرم فرض المكوس والضرائب على المسلمين وأهل الذمة. الإسلام فرض وسائل أخرى لتمويل الخدمات الواجب على الدولة القيام بها، من بينها الزكاة والخراج والفيء والمعادن التي تستخرج من باطن الأرض أو البحار، الخ.
  • سجن الناس بغير وجه حق شرعي، والإخفاء القسري، والاعتداء على الأنفس والأعراض (قد يصل للاغتصاب)، وممارسة التعذيب والإهانات اللفظية من سب وشتم وقذف، وكثرة السجون، وإنشاء سجون سرية.
  • التجسس على المسلمين وأهل الذمة، وتتبع عوراتهم وفضحهم.
  • تخويف الناس وإرهابهم، واختراق حرماتهم، كمداهمة البيوت في منتصف الليل أو الصباح الباكر، والاطلاع على عوراتهم مثلا حين دخول رجال “الأمن” على نساء في منازلهن وهن لسن متحجبات أو تعرية المعتقلين. والاعتداء على أغراض البيوت ومقتنياتها، الخ.
  • الإفراط في استعمال القوة. إذ لا يجوز الإفراط في استعمال القوة حتى لو كان استعمالها جائزا شرعا، فمثلا تجد إفراطا في استعمال القوة عند اعتقال مطلوبين قضائيا، مع أن الاعتقال يمكن أن يتم بهدوء دون ضرب وشتم وإطلاق رصاص، ويمكن أن يتم في أوقات معقولة مناسبة من النهار بدلا من الليل أو الصباح الباكر، لكيلا يتم ترويع كل أهل البيت، فالرسول نهى عن ترويع المسلمين. والأصل أنه في غالب الحالات غير الخطيرة (الغير متعلقة بجرائم قتل أو جرح مثلا)، يكفي أصلا استدعاء المتهم ليحضر بنفسه لدار القضاء، دون حاجة لبعث رجال مسلحين لإحضاره بالقوة.
  • عدم توافر مؤسسات رقابة ومحاسبة مستقلة وذات صلاحيات تنفيذية (محددة)، تقوم على مراقبة من بيدهم السلطة في مدى التزامهم بالحق والعدل، ومحاسبتهم ومعاقبتهم على أي مخالفات شرعية تجاه الناس، والاقتصاص للمظلومين واسترداد حقوقهم.
  • عدم تواجد قضاء مستقل، أحكامه نافذة لا يجوز لأصحاب السلطة تجاوزها وتجاهلها.
  • عدم توافر إعلام استقصائي نقدي يتابع عن كثب كل قرارات وسياسات أصحاب النفوذ والسلطان، ويحاسبهم ويفضح مخالفاتهم وظلمهم. وتجد أصحاب النفوذ يتعقبون الإعلام الناقد، فيغلقون مقراته ويعتقلون موظفيه، وينكلون بالإعلاميين الناقدين لسياساتهم (أي سياسات أصحاب النفوذ).
  • غياب مجالس شورى مستقلة عن الحاكم (شورى حقيقة)، يرجع إليها أصحاب السلطة قبل اتخاذ أية قرارات.

كانت هذه بعض، وليس كل، علامات خضوع ما يسمى حركات “المقاومة” و”التحرير” في العالم الإسلامي للنظام الدولي، والتي هي نفسها سمات الأنظمة المتحكمة في دويلات سايكس بيكو.

وقد يستنكر البعض كيف يتسم بهذه الصفات من يخضع للنظام الدولي المفروض من دول الغرب، مع أن دول الغرب لا تتسم بها في معاملاتها مع شعوبها. والجواب على ذلك، أن الغرب يؤمن بمجموعة من الحقوق والواجبات في تعامله مع شعوبه وضمن حدود دوله الغربية، لكنه ينظر بمنظار مغاير تماما حين يتعلق الأمر بمستعمراته وخصوصا تلك في العالم الإسلامي. فهو ينظر إليها كغنائم حرب، ويعلم أنه لا يمكنه إبقاء الشعوب المسلمة وخيرات بلدانها تحت نفوذه وهيمنته، وإبعاد خطر وصول الإسلام للحكم (ولا مانع في وصول “إسلاميين” موالين للغرب)، إلا بمعاملتها (أي معاملة الشعوب المسلمة) كمحاربين وكأسرى حرب وكغنائم. ومن ثم فوظيفة الأنظمة المتحكمة في العالم الإسلامي وفصائل ما يسمى “المقاومة” و”التحرر”، هي حراسة تلك الشعوب المسلمة وليست رعايتها، حراستها من الهروب من قفص الهيمنة الغربية. فدويلات سايكس بيكو عبارة عن سجون كبيرة، سكانها المسلمون سجناء، أسرى، وغنائم حرب، لا حقوق لهم، فهم ليسوا رعايا ذوي حقوق وخصوصيات ورأي.

“هيئة تحرير الشام”

“هيئة تحرير الشام” أُعْلِنَ عن تأسيسها في 29 ربيع الثاني سنة 1438هـ (28 يناير/كانون الثاني 2017م) في المناطق المحررة في سوريا، حيث تشكلت باندماج عدة فصائل من بينها “جبهة فتح الشام” و“أنصار الدين” و“جيش السنة” و”لواء الحق” و“حركة نور الدين الزنكي”.

النواة الأساسية والقوية لـ“هيئة تحرير الشام” هو فصيل “جبهة فتح الشام”، والتي كانت حتى ربيع الثاني سنة 1437هـ (يناير/كانون الثاني 2016م) تسمى “جبهة نصرة أهل الشام” (أو “جبهة النصرة”).

تأسست “جبهة النصرة” في بداية 1433هـ (نهاية 2011م) كفرع لما يسمى “القاعدة في العراق”. كانت القاعدة تعمل في العراق تحت مسمى “الدولة الإسلامية في العراق”، قبل أن تغير اسمها لـ “الدولة الإسلامية في العراق والشام” (داعش) سنة 1434هـ (2013م) بعد سيطرتها على عدة مناطق في سوريا، لتعلن لاحقا انفصالها عن القاعدة، ثم إعلان ما يسمى “الخلافة” في 1 رمضان 1435هـ (29 يونيو 2014م) بعد سيطرتها على عدة مناطق شاسعة في شمال العراق وغربه دون مقاومة من الجيش العراقي.

في جمادى الأولى سنة 1434هـ (أبريل 2013م)، أعلن زعيم “جبهة النصرة”، أبو محمد الجولاني، استقلاله عن تنظيم “الدولة الإسلامية” وتبعيته المباشرة لـ”تنظيم القاعدة” المركزي ومبايعته لزعيمها الظواهري.

في ربيع الثاني سنة 1437هـ (يناير/كانون الثاني 2016م، أعلن زعيم “جبهة النصرة”، أبو محمد الجولاني، فك الارتباط بتنظيم “القاعدة”، وتشكيل فصيل جديد سماه “جبهة فتح الشام”.

وفي 29 ربيع الثاني سنة 1438هـ (28 يناير/كانون الثاني 2017م) أُعلن عن تشكيل “هيئة تحرير الشام” تحت قيادة أبو جابر هاشم الشيخ الذي كان من قبل زعيم “حركة أحرار الشام” من ذي القعدة 1435هـ (سبتمبر 2014م) الى ذي القعدة 1436هـ (سبتمبر 2015م)، قبل أن يتولى أبو محمد الجولاني قيادة “هيئة تحرير الشام” منذ محرم 1439هـ (أكتوبر 2017م).

أبو محمد الجولاني رجل سلطة وليس رجل دولة، يسعى لنيل الحظوة لدى النظام الدولي

كل من اطلع على مراحل عمل وتطور أبو محمد الجولاني، يدرك أنه رجل سلطة بامتياز وليس رجل دولة. وهناك فرق شاسع بين الاثنين، فرجل السلطة همه الوحيد هو أن يكون له سلطان على أناس ومنطقة، وإن كان ذلك لا يتحقق إلا بموالاة أصحاب القرار في العالم أو في المنطقة التي يريد حكمها، فإنه لا يتردد في موالاتهم (الموالاة تعني الخضوع لهيمنتهم وسياساتهم وقراراتهم، ومحاربة ما يسمى “الإسلام السياسي”)، وهذا هو حال كل رؤساء وملوك دويلات سايكس بيكو في العالم الإسلامي. أما رجل الدولة فإن همه الأول هو نظام حكم يرعى شؤون الناس ويحفظ كرامتهم حسب المبدأ الذي يشترك هو ونسبة مهمة من الشعب في الإيمان به. ورجل الدولة لا يقبل البتة أن يكون خاضعا أو تابعا لأي قوة في العالم، لا في سياساته الداخلية ولا الخارجية.

أبو محمد الجولاني من أجل وصوله للسلطة، استعمل ما يسمى “الدولة الإسلامية في العراق” وأظهر لها الولاء. فلما استتب له سلطانٌ في جزء من سوريا بمساعدتها، انقلب عليها وأعلن انفصاله عنها، لينعم بالإمارة لنفسه.

وليستطيع مواجهة ما يسمى “الدولة الإسلامية في العراق” بعد انفصاله عنها، وشرعنة انفصاله، وضمان نصرة وتبعية قيادات عسكرية وجهادية له في الساحة، استعان بـ“تنظيم القاعدة” الأم، فأعلن بيعته لقائدها.

ولما قُضي على داعش، ولم تصبح تشكل خطرا على سلطته، وبالتالي لم يصبح بحاجة لـ“تنظيم القاعدة”، وليكسب رضا الغرب ويسمح له بالبقاء كحاكم على أي جزء من سوريا، استغنى عن “تنظيم القاعدة” وأعلن فك ارتباطه بها وخلع بيعته لقائدها، وغيَّر اسم فصيله لـ“جبهة فتح الشام”.

وليثبت للنظام الدولي أنه (أي أبو محمد الجولاني) له “شرعية” شعبية وأنه مؤهل للحكم، أقنع عدة فصائل من الثورية الشامية (فصائل لا تقل فسادا عن فصيل الجولاني) للاندماج معه تحت فصيل “هيئة تحرير الشام”، وأعلن في محرم 1439هـ (أكتوبر 2017م) عن تأسيس “حكومة الإنقاذ السورية” في إدلب.

وليقنع أبو محمد الجولاني النظام الدولي (الغرب) بأنه لم يصبح يحمل عداءً للنظام الدولي، بدأ ينسلخ من شعارات الإسلام وأحكامه ومقتضياته، فتبنت “حكومة الإنقاذ السورية” ما يسمى “علم الثورة السورية” (بدلا من علم التوحيد)، وهو أحد أعلام سايكس بيكو الذي وضعته فرنسا إبان استعمارها المباشر للشام. وبدأ يستعمل المصطلحات التي ترمز للوطنية، بدلا من أممية الإسلام وعالميته، كتسمية حكومته بحكومة الإنقاذ “السورية”. وبدأ يتحدث عن الثورة الشامية على أنها قضية سورية، وليست قضية المسلمين عامة في العالم، ولا يجوز إلا للسوريين المشاركة في مصيرها وقراراتها (طبعا قرارات يحددها النظام الدولي، وينفذها من يُعتبرون “سوريين”). وسيلحق اعتقال وطرد كل من هو غير سوري ممن يسمونهم “مهاجرين” أو تسليمهم لمخابرات الدول التي يحملون جنسيتها. 

وليقنع أبو محمد الجولاني النظام الدولي بأنه الرجل القوي في المناطق المحررة في سوريا الذي يمكن الاعتماد عليه دون غيره، ولضمان ألا يُفسد عليه أحد في المناطق المحررة تنفيذ ما يريده الغرب، قام أبو محمد الجولاني بمحاربة وتفكيك كل الفصائل المسلحة التي تشكل خطرا على سلطته أو تخالف أوامره، وأصدر قرارا بأنه لا يجوز لأي أحد إنشاء أي فصيل جديد، ولا القيام بأي أعمال عسكرية ضد المحتل الروسي والإيراني والنصيري دون إذنه. وهكذا أصبح القتال ضد المحتلين في سوريا شبه معطل تماما.

أبو محمد الجولاني، مثله مثل حكام دويلات سايكس بيكو، يسارع لإرضاء الغرب بتنفيذ مخططاته وقراراته. فمن المفارقات العجيبة، أن تصبح “هيئة تحرير الشام” التي كانت أحد أهم أسباب نشأتها – كما ادعت – تكثيف الجهود ضد قرارات قمم آستانا التي قادتها روسيا برعاية الأمم المتحد وأمريكا وبضمان تركي للفصائل الثورية (أي ضمان تطويعها لقرارات النظام الدولي)، أن تصبح هي (أي “هيئة تحرير الشام”) من ينفذ قرارات آستانا وسوتشي. حيث وافقت مثلا على ما سمته روسيا “مناطق خفض التصعيد” فأوقفت القتال في تلك المناطق، وانسحبت من مناطق وسلمتها، وسمحت للروس وحلفائهم الأتراك بالدخول لمناطق تابعة لسيطرة “هيئة تحرير الشام”. وقبلت “هيئة تحرير الشام” بفتح الطريق الدولي “إم 4” لنظام بشار الأسد، حيث يربط الطريق بين محافظتي حلب واللاذقية الخاضعتين لنظام الأسد، مروراً بإدلب الخاضعة لسيطرة “هيئة تحرير الشام”. وسمحت “هيئة تحرير الشام” لدوريات عسكرية روسية-تركية مشتركة بدخول إدلب وحماية الشاحنات التابعة لنظام الأسد عند مرورها عبر الطريق الدولي “إم 4”.

والآن أصبح أبو محمد الجولاني يحارب كل من يدعو لإقامة الشريعة ولفك الارتباط بالنظام الدولي والولاء له، والذي يشمل فك الارتباط بتركيا.

فأبو محمد الجولاني وفصيله، مثله مثل الغالبية الساحقة لفصائل “التحرير” و”المقاومة” في العالم الإسلامي، تحول لشرطي يحمي المحتل ويمنع حتى المقاومة اللفظية ضد العدو، تماما كما تحولت مثلا “جبهة التحرير الفلسطينية” لشرطي يحمي إسرائيل ويعتبر التنسيق الأمني معها مقدسا.

وقد خرج مؤخرا كلا من علي كيدا رئيس وزراء “حكومة الإنقاذ السورية”، والشرعي العام لـ“هيئة تحرير الشام” عبد الرحيم عطون والملقب بأبي عبد الله الشامي، في لقاء مع أحد الصحف الغربية (صحيفة “الوقت” السويسرية)، في محاولة يائسة لاستعطاف الغرب وجلب رضاه، حيث قال الأول – رئيس وزراء “حكومة الإنقاذ السورية” – بأنه «على الاتحاد الأوروبي أن يعترف بواقع الوضع في سوريا. الشعب السوري يريد السلام ولكن النظام السوري إرهابي. نحن بحاجة إلى إقامة علاقات دولية مع دول أخرى من أجل محاربة هذا النظام. نحتاج الى كل شيء: ماء، كهرباء، غذاء، وظائف للسوريين الذين لم يصبحوا يمتلكون شيئا، … لذلك على المنظمات الدولية التنسيق مع حكومتنا».

أما الثاني، الشيخ عبد الرحمن عطون – والشرعي العام لـ“هيئة تحرير الشام” –، فقد أكد للجريدة السويسرية على ضرورة حصول السكان المحليين (في إدلب) على مزيد من الدعم. وأضاف قائلا: «نحن – أي “هيئة تحرير الشام” – نحاول حاليًا تقديم صورتنا الحقيقية للغرب (أي تحسين صورتها أمام الدول الغربية، وإزلتها من قائمة الإرهاب)، وأن الناس هنا (أي في إدلب) ليسوا مثل من كانوا في الرقة أيام خلافة داعش». وأضاف عطون قائلا: «مجموعتنا (أي “هيئة تحرير الشام”) لا تشكل خطرا على الغرب، وتحتاج المنطقة إلى مساعدة دولية لإعادة بناء نفسها. نحن آخر من يقاتل النظام السوري وحلفائه، لكننا لن نتمكن من القضاء عليه دون مساعدة».

“هيئة تحرير الشام” تجسد غالب علامات الخضوع للنظام الدولي من ممارسة التعذيب والظلم والإخفاء القسري واضطهاد المخالفين …

إلى جانب ما سبق ذكره من موالاة “هيئة تحرير الشام” للنظام الدولي وسعيها لنيل رضاه ليقبل بأن يبقى أبو محمد الجولاني حاكما على قطعة من سوريا، فإن “هيئة تحرير الشام” تجسد عدة علامات الخضوع للنظام الدولي التي تم ذكرها في الفصل السابق في هذا المقال تحت عنوان: «كيف تعرف إن كان فصيل أو حركة في العالم الإسلامي تعمل تحت وصاية النظام الدولي».

اقرأ أيضا: «سوريا: “هيئة تحرير الشام” تمارس الاعتقال والتعذيب»

فقد تواترت منذ مدة جرائم خطف وإخفاء قسري وتعذيب تقوم به هيئة تحرير الشام في مناطق الشمال السوري التي تسيطر عليها، حتى أصبح واضحا أن الهيئة تقترف هذه الجرائم بطريقة ممنهجة، لا تختلف في ذلك عن الأنظمة القمعية في دويلات سايكس بيكو.

فلدينا على سبيل المثال لا الحصر شهادة توقير شريف (الملقب بحسام البريطاني)، أحد الناشطين بالمجال الإغاثي، الذي اعتقلته هيئة “هيئة تحرير الشام”. وكما هو حال الطغاة المحسوبين على المسلمين والمتحكمين فيهم، فإن التعذيب الذي ألحقته “هيئة تحرير الشام” بحسام البريطاني والإهانات التي أهانته بها، لا تشكل إلا جزءا جد يسير مما تصيب به المسلمين الذين لا يحملون جنسية دولة غربية تحميهم.

كما لدينا شهادة الدكتورة “بتول جندية”، المعروفة باسم “علا الشريف”، التي دعمت بدايةً مشروع “هيئة تحرير الشام”، قبل أن يتضح لها فسادها وطغيانها، حيث حمَّلت وزير العدل في ما تسمى بـ”حكومة الإنقاذ” مسؤولية ما يجري في سجون “الهيئة” من تعذيب وضرب وإذلال للسجناء، وتم اعتقالها هي أيضا بسبب الانتقادات التي وجهتها لما يسمى ”حكومة الإنقاذ”:

 

«مدونة الدكتورة علا الشريف»

اقرأ أيضا: «هيئة الإجرام تصدر بيان نعي الثورة السورية»

واعتقلت “هيئة تحرير الشام” في 23 ذي الحجة 1441هـ (13 أغسطس 2020هـ) الإعلامي بلال عبد الكريم مع مرافقه في أطمة بريف إدلب الشمالي، بسبب انتقاداته للهيئة، خصوصا انتقاده لممارستها التعذيب والاعتقالات التعسفية والإخفاء القسري، وتضامنه مع ضحايا ظلم “هيئة تحرير الشام”.

وقد سبق أن اخترق مجهولون هاتف بلال عبد الكريم الخاص وسرقوا منه صورا خاصة له في بيته وصورا لزوجته وأسرته، ونشروا بعضها على وسائل التواصل الاجتماعي. بعض الصور الخاصة يظهر فيها بلال بدون ملابس في بيته.

اقرأ أيضا: «نشر صور لصحفي بدون ملابس في بيته في إدلب، ينذر بسقوط أخلاقي خطير لإسكات الأصوات الناقدة»

وهناك، على سبيل المثال لا الحصر، حالة تعذيب وقتل “هيئة تحرير الشام” للشاب مروان أحمد عمقي بعد اعتقاله  

فـ“هيئة تحرير الشام” حولت إدلب لمجموعة سجون، بعضها معلوم وأخرى سرية، يُختفى فيها ويُعذب كل من يخالف أبا محمد الجولاني أو يشكل خطرا على الاتفاقات الأمنية للجولاني مع تركيا والنظام الدولي، أو ينتقد الظلم الذي تمارسه الهيئة على الناس.

 

و“هيئة تحرير الشام” تأخذ أموال الناس في إدلب بدون وجه حق شرعي، حيث لم تكتفي بفرض المكوس (المحرمة شرعا) على المسلمين الذين ينقلون بضائع الى داخل مناطق نفوذها، بل تنهب كذلك ممتلكات الناس، وتفرض الضرائب في إدلب. فعلى سبيل المثال لا الحصر، فرضت “هيئة تحرير الشام” الضرائب على مُزارعي أشجار الزيتون في بلدة “كفر تخاريم”، وهي منطقة سكنيّة صغيرة تقع في ريف إدلب الشمالي ومن أكثر المناطق إنتاجاً للزيتون في المحافظة وفيها عدد كبير من معاصر “الزيتون” ومعامل لإنتاج مشتقاته. فرأت “هيئة تحرير الشام” وحكومتها المسماة “حكومة الإنقاذ السورية” في زيتون وزيوت “كفر تخاريم” مصدرا مهما لتحصيل الأموال، مرة بحجة فرض الزكاة (مع أن المزارعين وأصحاب المعامل يخرجون الزكاة بأنفسهم)، ومرات كضريبة صريحة معلنة. وقد أرسلت “هيئة تحرير الشام” موظفين الى “كفر تخاريم”، لمراقبة عمليّات حصاد وعصر الزيتون، وفرض الضرائب و”الزكاة” على الأهالي بالقوّة، ونشب على ذلك اشتباك بين أهالي “كفر تخاريم” و“هيئة تحرير الشام”.

اقرأ أيضا: «”تحرير الشام” تفرض ضرائب مالية كبيرة على المواد القادمة من “غصن الزيتون”» 

وأخيرا وليس آخرا، تطاول جلاوزة “هيئة تحرير الشام” حتى على النساء، فأصبحوا يضربون النساء اللواتي تتظاهرن ضد الظلم، .. يا له من عار!

 



 

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

د. هشام البواب

الدكتور هشام البواب، ناقد ومحلل سياسي واجتماعي مستقل . مقالاته تشمل موضوعات سياسية واجتماعية وفقهية وعلوم تجريبية :::::: بعض كتابات الدكتور هشام البواب في الرابط التالي: https://atanwir.com/منشورات-الدكتور-هشام-البواب ::::::: hicbou1@mailfence.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى