علوم شرعية وفقهية

“هيئة كبار العلماء” بوق للكفر البواح

أصدرت ما تسمى “هيئة كبار العلماء” بالسعودية بيانا أكدت فيه مرة أخرى قرار وزارة الداخلية السعودية الصادر في جمادى الأولى 1435هـ (مارس 2014م)، والذي (أي قرار وزارة الداخلية) أدرج جماعة الإخوان المسلمين بقائمة التنظيمات الإرهابية. فقد قالت “هيئة كبار العلماء” في بيانها أن [جماعة الإخوان جماعة إرهابية … تمارس العنف والإرهاب] (انتهى الاقتباس). وقد عللت “هيئة كبار العلماء” تصنيفها هذا للإخوان بأنها (أي جماعة الإخوان) [قائمة على منازعة ولاة الأمر والخروج على الحكام، وإثارة الفتن في الدول، وزعزعة التعايش في الوطن الواحد، ووصف المجتمعات الإسلامية بالجاهلية] (انتهى الاقتباس).  

الدعوة لعدم جواز منازعة وُلاة الأمر والخروج على الحكام دون تقييد ذلك بشرط إقامتهم للإسلام يُعتبر كفرا بواحا

لست هنا بصدد الدفاع عن جماعة الإخوان المسلمين، ولكن الذي يهمني هنا هو العلة والمقياس الذي تحكم على أساسه “هيئة كبار العلماء” على جماعةٍ بأنها إرهابية. فقد جعلت العلة هو منازعة وُلاة الأمر والخروج على الحكام، وهذا كفر بواح، إذ لم تقيد “هيئة كبار العلماء” طاعة الحكام وعدم الخروج عليهم بشروط القرآن والسُّنة، بل جعلت طاعة الحكام مطلقة، طاعة لذات الحكام أنفسهم بغض النظر عن القوانين التي يحكمون بها، والسياسات الداخلية والخارجية التي يمارسونها، وبغض النظر عن عدلهم تجاه الناس أو ظلمهم لهم. لَمَّا لم تقيد “هيئة كبار العلماء” طاعة الحاكم بشرط إقامته لأحكام الإسلام كاملة في كل شؤون الرعية، وعدم موالاته للدول المحاربة للمسلمين، وعدم ظلمه للعباد بأخذ أموالهم بغير حق أو تعذيبهم أو سجنهم، لما لم تقيد “هيئة كبار العلماء” طاعة الحاكم بهذه الشروط، فقد ألَّهته، وجعلته معبودا من دون الله، جعلته هو نفسه الغاية، رضاه هو الغاية، ولا يُسأل عما يفعل. ومن ثم فما تدعو له “هيئة كبار العلماء” هو الكفر البواح بعينه، هو الشرك بالله. فلُبُّ رسالة الإسلام، كما بيَّنها القرآن والسنة، وبيَّنها الرسول لأصحابه بالقول والفعل، هو إفراد الله سبحانه بالعبودية، والعبودية لله تعني أنه لا يجوز للبشر ومن بيهم الحكام تشريع قوانين من عند أنفسهم، ولا يجوز موالاة من يكفر بالله ورسوله ويحارب الشريعة الإسلامية، ويضطهد المؤمنين. هذا هو لب رسالة الإسلام، هذا هو لب العقيدة الإسلامية. فالسمع والطاعة لولاة الأمر لا يجوز أبدا فصلها عن إقامة الشريعة الإسلامية في كل شؤون الحياة ومناصرة المسلمين والبراءة من الأعداء المحاربين للإسلام والمسلمين، فطاعة أولي الأمر فرع عن طاعة الله وليست أصلا، إذ هي وسيلة وليست غاية، وسيلة لتحقيق طاعة الله سبحانه، فما إن تعارضت طاعة الحاكم مع طاعة الله، أصبحت طاعة الحاكم حراما حُرمة مغلظة، قد تُخرج من ملة الإسلام. وهذا الذي سبق ذكره لا يخفى على كل من له ولو فهما بسيطا بالإسلام أنه هو ما تأمر به الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الكثيرة، فعلى سبيل المثال لا الحصر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ حَقٌّ مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِالْمَعْصِيَة،ِ فَإِذَا أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ» (صحيح البخاري). وعن عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَرِيَّةً وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُطِيعُوهُ، فَغَضِبَ عَلَيْهِمْ (أي الأمير)، وقَالَ: أَلَيْسَ قَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُطِيعُونِي؟ قَالُوا بَلَى! قَالَ قَدْ عَزَمْتُ عَلَيْكُمْ لَمَا جَمَعْتُمْ حَطَبًا وَأَوْقَدْتُمْ نَارًا ثُمَّ دَخَلْتُمْ فِيهَا. فَجَمَعُوا حَطَبًا فَأَوْقَدُوا نَارًا فَلَمَّا هَمُّوا بِالدُّخُولِ، فَقَامَ يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، قَالَ بَعْضُهُمْ إِنَّمَا تَبِعْنَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِرَارًا مِنْ النَّارِ أَفَنَدْخُلُهَا؟ فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ خَمَدَتْ النَّارُ وَسَكَنَ غَضَبُهُ (أي غضب الأمير)؛ فَذُكِرَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «لَوْ دَخَلُوهَا مَا خَرَجُوا مِنْهَا أَبَدًا، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ» (صحيح البخاري). أي لو أطاعوا الأمير ودخلوا النار التي أوقدوها في الدنيا، لكان مصيرهم نار جهنم في الآخرة، ينتقلون من نار الدنيا لنار الآخرة. وقال الله سبحانه: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} (سورة التوبة)، سأل عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ الرسول قائلا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ؛ فأجاب الرسول: «أَجَلْ، وَلَكِنْ يُحِلُّونَ لَهُمْ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيَسْتَحِلُّونَهُ، وَيُحَرِّمُونَ عَلَيْهِمْ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فَيُحَرِّمُونَهُ، فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ لَهُمْ» (السنن الكبرى للبيهقي). فالحاكم واجب عليه إقامة الشريعة الإسلامية والعدل بين الناس، فقد قال الله سبحانه: {الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} (سورة الحج). ويقول سبحانه ضاربا مَثلا بأنبيائه، ومن ثم كان من دونهم أولى باتباع شريعة الله لأنهم غير مؤيدين بوحي ولا معصومين: {يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ} (سورة ص)؛ وقال في حق محمد صلى الله عليه وسلم: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابَ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ} (سورة المائدة)؛ {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} (سورة المائدة). وقال سبحانه: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (سورة النور). وفي تفسير قول الله {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} يقول ابن كثير: [يُنْكِرُ تَعَالَى عَلَى مَنْ خَرَجَ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ الْمُحْكَمِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى كُلِّ خَيْرٍ، النَّاهِي عَنْ كُلِّ شَرّ، وَعَدل إِلَى مَا سِوَاهُ مِنَ الْآرَاءِ وَالْأَهْوَاءِ وَالِاصْطِلَاحَاتِ الَّتِي وَضَعَهَا الرِّجَالُ بِلَا مُسْتَنَدٍ مِنْ شَرِيعَةِ اللَّهِ، كَمَا كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَحْكُمُونَ بِهِ مِنَ الضَّلَالَاتِ وَالْجَهَالَاتِ مِمَّا يَضَعُونَهَا بِآرَائِهِمْ وَأَهْوَائِهِمْ، …. مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ فَهُوَ كَافِرٌ يَجِبُ قِتَالُهُ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى حُكْمِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَلَا يَحْكُمُ سِوَاه (أي الله) فِي قَلِيلٍ وَلَا كَثِير] (تفسير ابن كثير). ويقول السعدي في الآية {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ}: [أَيْ: أَفَيَطْلُبُونَ بِتَوَلِّيهِمْ وَإِعْرَاضِهِمْ عَنْكَ حُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ، وَهُوَ كُلُّ حُكْمٍ خَالَفَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ. فَلَا ثَمَّ إِلَّا حُكْمُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ أَوْ حُكْمُ الْجَاهِلِيَّةِ. فَمَنْ أَعْرَضَ عَنِ الْأَوَّلِ ابْتُلِيَ بِالثَّانِي الْمَبْنِيِّ عَلَى الْجَهْلِ وَالظُّلْمِ وَالْغَيِّ، وَلِهَذَا أَضَافَهُ اللَّهُ لِلْجَاهِلِيَّةِ، وَأَمَّا حُكْمُ اللَّهِ تَعَالَى فَمَبْنِيٌّ عَلَى الْعِلْمِ، وَالْعَدْلِ وَالْقِسْطِ، وَالنُّورِ وَالْهُدَى] (تفسير السعدي). ويقول ابن تيمية: [وَالْإِنْسَانُ مَتَى حَلَّلَ الْحَرَامَ – الْمُجْمَعَ عَلَيْهِ –، أَوْ حَرَّمَ الْحَلَالَ – الْمُجْمَعَ عَلَيْهِ –، أَوْ بَدَّلَ الشَّرْعَ – الْمُجْمَعَ عَلَيْهِ –، كَانَ كَافِرًا مُرْتَدًّا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ] (فتاوى ابن تيمية). (“الْمُجْمَعَ عَلَيْهِ”: أي أجمع عليه أهل العلم في الإسلام بالأدلة من الكتاب والسنة). ويقول محمد الأمين الشنقيطي في قول الله {وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا}: [أَنَّ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الْقَوَانِينَ الْوَضْعِيَّةَ الَّتِي شَرَعَهَا الشَّيْطَانُ عَلَى أَلْسِنَةِ أَوْلِيَائِهِ مُخَالَفَةً لِمَا شَرَعَهُ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا عَلَى أَلْسِنَةِ رُسُلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ لَا يَشُكُّ فِي كُفْرِهِمْ وَشِرْكِهِمْ إِلَّا مَنْ طَمَسَ اللَّهُ بَصِيرَتَهُ، وَأَعْمَاهُ عَنْ نُورِ الْوَحْيِ مِثْلَهُمْ] (أضواء البيان في إيضاح القرآن للشنقيطي).

«محمد بن سلمان الشخص الأشد خوفا في العالم من هزيمة ترامب في الانتخابات الرئاسية»

ما هي شروط صحة بيعة الحاكم وطاعته؟

فمن بين شروط صحة بيعة الحاكم وطاعته، أولا اختيار المسلمين له عن رضا، فلا يُفرض عليهم بالقوة والتوريث؛ ناهيك عن أن تفرضه عليهم دول الكفار وتتولى هي حمايته ويكون عميلا لها يحارب الإسلام والمسلمين نيابة عنها. ثانيا، أن يكون الحاكم مسلما عَدْلًا مؤمنا بوجوب الحكم بما أنزل الله وبموالاة المؤمنين والبراءة من الكفار المحاربين للإسلام والمسلمين. فمن الواجب على الحاكم الحكم بما أنزل الله، بإقامة الشريعة الإسلامية والحدود وأمر الرعية بالمعروف ونهيها عن المنكر، ومشاورة أهل الراي من المؤمنين في شؤون الأمة قبل الإقدام على أي قرار سياسي أو عسكري، ومن لا يفعل ذلك وأقرَّ قوانين البشر بدلا من قوانين الله فلا نصيب له من الإسلام، فالحاكم الذي لا يحكم بما أنزل الله إما كافر أو فاسق أو ظالم، مهما كانت المسوغات التي يسوغ بها تركه لشريعة الله، {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} (سورة المائدة، الآية 44)؛ {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} (سورة المائدة، الآية 45)؛ {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} (سورة المائدة، الآية 47). وحتى الحاكم الذي توفرت فيه شروط البيعة والطاعة الشرعيين، فالله لم يجعل له طاعة مطلقة أبدا، بل الإسلام أوجب على المسلمين محاسبته على الدوام، فلا يُعطى شيكا على بياض يفعل ما يشاء. فمحاسبة الحكام، – والحديث هنا عن الحكام العدول المقيمين لشرع الله –، من أكبر الأعمال المُتاب عليها، ومن أعظم الذنوب إن قصر المسلمون في القيام بها، فقد قال رسول الله: «سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَرَجُلٌ قَامَ إِلَى سُلْطَانٍ جَائِرٍ، فَأَمَرَهُ بِالْمَعْرُوفِ، وَنَهَاهُ عَنِ الْمُنْكَرِ فَقَتَلَهُ» (رواه الطبراني وغيره). وقال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ» (صحيح مسلم). وجعل الله الكلمة الأخيرة للقضاء الشرعي في أي خلاف بين الرعية والحاكم، قضاء يتولاه قضاة ربانيون مستقلون يتمتعون بحصانة، إذ قال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلً} (سورة النساء).

منازعة ولاة الأمر الذين يتولون الحكم في البلدان الإسلامية اليوم والعمل على الإطاحة بهم واجب شرعي

فأقول لـ”هيئة كبار العلماء” أن الواجب الشرعي هو منازعة ولاة الأمر الذين يتولون الحكم في البلدان الإسلامية اليوم، والعمل على الإطاحة بهم وتغييرهم، فهذا واجب شرعي، وعملٌ مُتاب عليه عند الله، وليس بجريمة ولا تهمة ولا مذمة، فالله حرم مجرد الركون للظلمة، ناهيك عن الركون لمن لا يحكم بما أنزل الله ويحارب الإسلام والمسلمين ويوالي الدول المحاربة والمضطهدة للمسلمين، يقتل الناس بدون وجه حق شرعي، ويأخذ ممتلكاتهم، ويسجنهم ويعذبهم {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ} (سورة هود)! وقد قال رجل: يَا رَسُولَ اللهِ أَرَأَيْتَ إِنْ جَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَخْذَ مَالِي؟ قَالَ رسول الله: «فَلاَ تُعْطِهِ مَالَكَ»؛ قَالَ الرجل: أَرَأَيْتَ إِنْ قَاتَلَنِي؟ قَالَ رسول الله: «قَاتِلْهُ»؛ قَالَ الرجل: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلَنِي؟ قَالَ رسول الله: «فَأَنْتَ شَهِيدٌ»؛ قَالَ الرجل: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلْتُهُ؟ قَالَ رسول الله: «هُوَ فِي النَّارِ» (صحيح مسلم). وقال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَظْلَمَتِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ» (سنن النسائي). والأصل أن العلماء هم من عليهم أن يبينوا لعامة المسلمين وجوب تغيير الحكام الحاليين ويدعونهم لفعل ذلك، بدلا من تثبيط المسلمين وتركيعهم للحكام وجعلهم يعبدون أولي الأمر من دون الله ويخافونهم أكثر مما يخافون الله {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ} (سورة آل عمران)، فبئس الثمن الذي بعتم به دينكم ودنياكم وآخرتكم، بعتموها مقابل مال أو وظيفة أو منصب زائلين.

«”ضريبة الذل” .. بقلم سيد قطب»



 

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

د. هشام البواب

الدكتور هشام البواب، ناقد ومحلل سياسي واجتماعي مستقل . مقالاته تشمل موضوعات سياسية واجتماعية وفقهية وعلوم تجريبية :::::: بعض كتابات الدكتور هشام البواب في الرابط التالي: https://atanwir.com/منشورات-الدكتور-هشام-البواب ::::::: hicbou1@mailfence.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى