سياسة

لازالوا يصرون على تسميتها ثورة 25 يناير مع أن الانتفاضة في مصر لم ترقى قط لثورة!

كما أقررت في أكثر من مقال، يغلب على المسلمين والعرب منهم على الخصوص العاطفة في التعامل مع الأحداث والأشخاص، يفتقدون للموضوعية والصدق والتروي في الحكم على الأحداث والأشخاص، فيضخموهم (أي الأحداث والأشخاص) أو يقزموهم حسب الهوى والتمني. وترى الغالبية الساحقة من المسلمين يعشقون الأوهام، ويكرهون من يحاول إيقاظهم منها، يحبون خوض الحروب ضد طواحين الهواء، حروبا وهمية، حروبا كلامية، حروب شعارات، ويعشقون الاحتفال بالانتصارات الوهمية. وقد قلت عن هذه الظاهرة أنها من نماذج التفكير العاطفي.

«اقرأ أيضا: مسجد آيا صوفيا: الانتصارات العاطفية الوهمية للمسلمين»

«اقرأ أيضا: المسلمون بين العواطف والبطولات والانتصارات الوهمية»

ومن نتاج التفكير العاطفي إطلاق اسم “ثورة” على الانتفاضات الشعبية التي قامت في تونس ومصر واليمن.

وها نحن نعيش هذه الأيام، وللمرة العاشرة، كيف يحيي الواهمون العاطفيون السطحيون ما يسمونه ذكرى “ثورة 25 يناير”، والمقصود بها انتفاضة 19 صفر 1432هـ (25 يناير 2011م) في مصر.

تعريف الثورة؟

الثورة لا تُطلق إلا على حركة سياسية وعسكرية، يدا بيد، تقلع من الجذور نظام حكمٍ وتقوض كل مقومات هيمنته من جيش ومخابرات ومؤسسات أمنية وإعلامية وتشريعية وقضائية. فلا يمكن تغيير نظام حكمٍ وركائز سلطته وهيمنته إلا إذا كانت للثائر على النظام قوة عسكرية ضاربة تطيعه وتحميه وتسهر على تنفيذ قراراته بالقوة، وتزيل ركائز النظام الذي ثار ضده بالقهر والغلبة. ومن خصال الثائر الجرأة والنفس الحرة، بحيث لا يخشى تبنى أفكار ومبادئ يريد إنشاء الدولة الجديدة على أساسها، ولا يخاف أو يستحي من عرضها، بل من واجبات الثوار عرض العقيدة والأفكار والبرنامج السياسي والاجتماعي على عامة الناس ويقنعوا شريحة مهمة منهم لتبنيه. والثوار لا يقبلون أبدا أن يتحاكموا لأي مؤسسة أو رجالات للنظام الذي يسعون للإطاحة به.    

وبالنظر لحراك 25 يناير في مصر، نجد أنها، مثلها مثل حراك 10 محرم 1432هـ (17 ديسمبر 2010م) في تونس، لم تتوافر قط على أي مقوماتٍ للثورة، وأهمها أنها لم تكن بيدها أي قوة عسكرية مسلحة، ناهيك عن افتقادها لعقيدة ومبدأ واضحين ثابتين، وبرنامج سياسي واجتماعي مبثق عنهما. بل أكثر من ذلك، الغالبية الساحقة للمنتفضين ضد النظام كانوا، ولازالوا الى يومنا هذا، يتبرؤون من أي توجه عقائدي، وخصوصا التوجه الإسلامي، وقزموا مطالبهم في شعار تافه أجوف: “عيش حرية عدالة اجتماعية”.  

لم يفقد عسكر مصر – ومن وراءه أمريكا – قط قبضتهم على مصر، استغلوا الإخوان لوأد الانتفاضة مبكرا، سمحوا للإخوان عيش سنة من الوهم والتمثيل، تركتهم أمريكا والجيش المصري يتقمصون فيها أدوارَ الحكم دون أن يحكموا فعلا ودون أن يكون لهم سلطان قط، لم يكن لمرسي سلطان حتى على الحرس الجمهوري الذي من المفترض أنه مطيع أمين لرئيس الدولة ويحميه بقوة السلاح، وبالتالي لم يكن له سلطان على مصر. فما لبثوا (أي الإخوان وجمهورهم) أن استيقظوا في 25 شعبان 1434هـ / 3 يوليو 2013م من الوهم والحلم والسُّبات العميق، أيقظهم منه وَقْعُ خطوات العسكر وأصوات جنازير مدرعاته وقعقعة الرشاشات والبنادق. فسيق الرئيس الواهم مرسي دون أدنى مقاومة للاعتقال. فالسلمية لا ولم ولن تكون أبدا أقوى من الرصاص، بل صاحب “الرصاص” هو الذي يحكم ويسود.

الإخوان المسلمون هم أهم عنصر أجهض مبكرا حراك 25 يناير في مصر ولم يتركوها تتحول لثورة

الإخوان المسلمون لم يدركوا عظم الفرصة التاريخية التي منحتها انتفاضة 1432هـ (2011م)، والتي كانت ستمكنهم وتمكن المسلمين في مصر من التحرر كلية من هيمنة أمريكا والجيش المصري العميل لأمريكا والخادم لإسرائيل وحاميها. كانوا ولازالوا (أي الإخوان) أسرى عقلية ونفسية الاستضعاف، وحبيسي نظرة ضيقة سطحية جبانة، إذ لم يروا في الانتفاضة إلا فرصة لتحقيق أملهم الطويل – التافه – المتمثل في الاعتراف بهم كحزب سياسي والسماح لهم دخول الانتخابات، مع تأديتهم ضريبة غالية: المساهمة الفعالة في الحفاظ على النظام العميل القائم في مصر. … الانتفاضة كانت فرصة كبيرة، لو حوَّلها الإخوان لثورة، لتغيير موازين القوة، فالشرعية لا تتحقق إلا بقوة عسكرية ضاربة مناصرة وحامية لأصحاب الشرعية الجديدة ومشروعهم السياسي، .. الشرعية لا تُستجدى من الأعداء. بالقوة فقط تُقلع شرعية العسكر وأمريكا المتحكمين في مصر، وتُفرض شرعية جديدة بمنظومتها العقائدية والأمنية والتشريعية والقضائية والإعلامية، المناهضة جملة وتفصيلا للنظام الذي قامت الثورة ضده.

هناك أصوات جد قليلة اتسمت بالصراحة والجرأة، إذ وصفت بصدق دور جماعة الإخوان المسلمين إبان انتفاضة صفر 1432هـ (يناير 2011م) في مصر، من بينها صوت الدكتور إبراهيم الخولي، حيث قال في مؤتمر عن “الثورة” سنة 1433هـ (2012م): [.. أن الإخوان المسلمون هم أول من أجهض “انتفاضة 1432هـ (يناير 2011م)” وقتلها وفرَّغها من مضمونها، بل وأدانها، .. وتلكأ في إعلان موقفه منها حتى تبين له أن المد مستمر، فركبوا الموجة، …..]. 

نعم، الإخوان المسلمون هم أهم عنصر أفشل انتفاضة صفر 1432هـ (يناير 2011م)، إذ لم يسمحوا لها أن تتحول لثورة، وَأَدُوها قبل أن تولد. فبدلا من أن ينخرط الإخوان في الانتفاضة (وهم أصحاب أكبر عدد من الأتباع المُنَظَّمين والمطيعين) من أجل الإبقاء على الزخم الشعبي الذي اقتحم مقرات الشرطة وأمن الدولة وأخرج القاهرة ومُدُنًا وقُرى عدة من تحت قبضة النظام المصري (مما استدعى نشر الجيش)، ومن ثم تصعيد وثيرة الانتفاضة ومستواها لتتحول الى ثورة تقلع النظام في مصر من جذوره، كما هو حال ثورات سابقة في التاريخ، كالثورة الفرنسية والروسية والإيرانية والأمريكية، .. بدلا من ذلك انخرط الإخوان المسلمون في الانتفاضة لوأدها ومن ثم لحماية نظام العسكر العميل لأمريكا من الانهيار، وذلك تَبَعًا لإرشادات أمريكا للإخوان. فالإخوان يعملون تحت مظلة دول الغرب، ولا يؤمنون بالثورة أصلا، ولا بالتغيير الجذري، بل هدفهم أن تساعدهم دول الغرب، وعلى رأسها أمريكا، لكي يصبحوا جزءا مشروعا ومقبولا في لعبة الديمقراطية في مصر وباقي البلدان الإسلامية، تحت نظام حكم علماني يفصل الإسلام عن السياسة، وتابع للغرب وموال له.

ففي الوقت الذي كان فيه الشباب المنتفضون في مصر يقتحمون مقرات الشرطة، أحد أركان النظام، ويخرجونها عن الخدمة واحدة تلو الأخرى، واقتحموا مقرات “أمن الدولة”، وكانوا يعتصمون بميدان التحرير، الخ .. سارع الإخوان للقاء بالمجلس العسكري وبرجل المخابرات الأول في مصر عمر سليمان، وبالسفارة الأمريكية، …. كان كل مبتغاهم أن يعترف بهم العسكر في مصر وتعترف بهم أمريكا كحزب يجوز له دخول العمل السياسي، يدخلونه تحت سلطة النظام العسكري ودستوره، وبشروطه، .. فأي انتفاضة هذه – ناهيك عن أن تكون ثورة – التي تغازل النظام الذي قامت ضده وتتملق إليه وترجوا اعترافه بها، وتتحاكم إليه وتقبل بهيمنته وشروطه، وتستميت للحفاظ على أركانه؟!

وبمجرد أن تمت موافقة العسكر، بتنسيق مع أمريكا، على قبول دخول الإخوان الانتخابات النيابية، أمروا (أي الإخوان) جماهيرهم بالانسحاب من الميادين ودعوهم للتحلي بالهدوء، أصبح هَمُّ الإخوان الأكبر أن يفسد عليهم المتظاهرون والثائرون الصفقة التي أبرموها مع العسكر. 

العسكر في مصر ومعه الغرب لم يكن بإمكانهم إخماد انتفاضة 1432هـ (يناير 2011م) إلا بحرب أهلية كالتي في سوريا، لكنها غير مضمونة العواقب بالنسبة للغرب وعملائه في المنطقة كلها وليس في مصر فحسب، خصوصا لو التحمت “ثورةٌ مسلحة في مصر” بالثورة السورية، وبأخرى في العراق، هذا المثلث السني، لو تلاحم واتحد وأخلص العمل لله – دون تفريط ولا غلو –، يصعب على العالم احتوائه أو الانتصار عليه. لكن الإخوان نجحوا في إجهاض الانتفاضة بسرعة وبأقل تكلفة بالنسبة لنظام العسكر وللغرب.

الإخوان أجهضوا كل المحاولات من بعض المنتفضين للإبقاء على زخم الانتفاضة وقلع هيمنة العسكر في مصر، كمحاولات حازم صلاح أبو إسماعيل (مع التحفظ على تلكؤه في حسم مواقفه، إذ من أخطائه محاولته هو أيضا الترشح للرئاسة، تحت سلطة العسكر) و“حركة أحرار” (حركة غاية في الوعي السياسي)، وخذلوا (أي الإخوان) المنتفضين في مواقف عدة كمواجهاتهم الدامية مع النظام إبان حكم المجلس الأعلى للقوات المسلحة، في شارع محمد محمود وفي العباسية.

 

كفوا عن تمسية حراك 19 صفر 1432هـ (25 يناير 2011م) في مصر بأنه “ثورة”، فهذا كذب وسفه وتزوير للتاريخ! قوموا بالبحث في أسباب فشل الحراك وعدم تحوله لثورة، ومحاسبة المتسببين في ذلك، والاستفادة من الأخطاء القاتلة لتكون الأجيال القادمة قادرة على تفاديها والأخذ بالأسباب التي تخلى عنها جيل حراك 19 صفر 1432هـ (25 يناير 2011م).  

مراجع



 

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

Print Friendly, PDF & Email

تقييم المستخدمون: كن أول المصوتون !
اظهر المزيد

د. هشام البواب

الدكتور هشام البواب، ناقد ومحلل سياسي واجتماعي مستقل . مقالاته تشمل موضوعات سياسية واجتماعية وفقهية وعلوم تجريبية :::::: بعض كتابات الدكتور هشام البواب في الرابط التالي: https://atanwir.com/منشورات-الدكتور-هشام-البواب ::::::: hicbou1@mailfence.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Enter Captcha Here : *

Reload Image

زر الذهاب إلى الأعلى