اجتماع تربية تعليم

بين التقليد والمنافسة، بين العبيد والأحرار

التقليد والمنافسة

التقليد هو اتباع الغير بدون دليل على صحة ما اتُّبِعَ فيه. ويُعَرِّف الفقهاء التقليد بأنه اتباع من لم يقم باتباعه حجة، ولم يستند إلى علم. فالتقليد هو اتباع الغير فيما هو مذموم، ومن ثم التقليد نفسه مذموم.

أما التنافس فهو التسابق على النفيس والنافع من الأمور والرغبة فيها، والمغالاة في طلبها والتزاحم عليها، والاجتهاد للوصول إليها كما وصل إليها الغير، بل والتقدم على الغير في حيازتها. الأمور النفيسة والنافعة تستند الى العِلْم والدليل، فهي لا يُوصَلُ إليها بالتقليد، بل بالتفكير والاجتهاد والعلم والأدلة. ومن ثم فالتنافس محمود، بل واجب.

إلا أنه وجب حتى في الأمور التي يجب التنافس فيها، مراعاة خاصيات هوية المسلم، ومن ثم التعاطي معها ضمن ضوابط الشرع، ضمن المباح شرعا، وسأتطرق في هذا المقال لأمثلةٍ لكيفية مراعاة خاصيات الهوية والعقيدة حين إنجاز أي عمل من الأعمال التي يجب التسابق عليها.

المسلمون تركوا المنافسة وتعاطوا التقليد

لم يترك المسلمون شاذة ولا فاذة مما لا نفع فيها إلا وقلدوا فيها الغرب، فقد صدق الرسول حيث ذم تقليد اليهود والنصارى: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْراً بِشِبْرٍ وَذِرَاعاً بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ»، فسأله الصحابة: يَا رَسُولَ اللهِ اليَهُودَ والنَّصَارَى؟ قَالَ الرسول: «فَمَنْ!» (صحيحي البخاري ومسلم). والمصيبة أن أغلب ما قلدوا فيه الغرب ليست أمور لا منفعة فيها فحسب، بل فيها مفاسد كثيرة، تهدم هويتهم وشخصيتهم وأخلاقهم ودينهم، تفسد دنياهم وآخرتهم، حتى باتت مجتمعات المسلمين مسخا ممسوخا، فَقَدَت كل مميزاتها كأمة كانت تحمل يوما ما رسالة الإسلام وتعيش حسب تعاليمها وسادت بها العالم وأخرجت بها خلقا كثيرا من الظلمات الى النور.

اليوم أصبحت مجتمعات المسلمين تعيش في ظلمات فوقها ظلمات، تعيش في مستنقع من التناقضات والتفاهات، أصبح غالبية أفرادها عبارة عن ببغاوات وقردة؛ أصبحوا عبارة عن بهلوانيين، مهرِّجين على خشبة المسرح، دورهم تقديم عروض يقلدون فيها الغرب، يقلدونه في زيه ولغته وحركاته وعاداته وأعياده واحتفالاته، ويتطلعون بعين الرجاء والأمل الى الغرب لعله يرضى عن عرضهم التهريجي، لعله يزكيهم بكلمة طيبة ويعطف عليهم ببعض العطاء!

نماذجُ من تقليد المسلمين للغرب

تقليد المسلمين للغرب يشمل كل نواحي حياتهم وشخصيتهم، وسأكتفي فيما يلي بذكر أمثلةٍ جد يسيرة وبإيجاز:

  • أعياد النصارى: هناك مسلمون يحتفلون برأس السنة الميلادي النصراني، فيشترون الشموع والحلويات والألعاب النارية. ويحتفلون بعيد ميلاد المسيح، فيشترون ما يسمى شجرة عيد الميلاد، ويلبسون لباس “البابا نويل”، ..
  • أيام الميلاد: مسلمون يحتفلون بأعياد الميلاد الشخصية، تقليدا للغرب..
  • التبرج: أصبح التبرج مقننا ومدعوما في بلدان المسلمين، تقليدا للغرب، حيث تحقق ما حذر منه الرسول فكَثُر في الشارع وجود «نِسَاء كَاسِيَات عَارِيَات مُمِيلَات مَائِلَات رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ» (الحديث)، كثرت مشاهد نساء يرتدين سراويل رقيقة ضيقة لاصقة على الجلد.  .. أما المسلمات المرتديات للحجاب والنقاب فيُضيَّق عليهن ويُحرمن من كثير من الحقوق، بل وفي بعض البلدان يعاقبن على ارتداء النقاب!
  • فِتَن الشواطئ: شواطئ البلدان الإسلامية أصبحت لا تختلف عن شواطئ دول الغرب، حيث يختلط رجالٌ ونساءٌ شبه عاريين.
  • الفن: بلدان المسلمين أصبحت تعج بمهرجانات الغناء والرقص على الطراز الغربي، حيث الاختلاط والتبرج والكلام الفاحش. ويقلد المسلمون الغرب في التمثيل، حيث الاختلاط المُحرم والتبرج، ومغازلة الرجل لامرأة أجنبية (أي ليست زوجته) بكلام حميمي، مع أن مثل هذه المغازلات لا يجوز حتى للزوجين الشرعيين القيام بها في العلن، فكيف بمن ليسوا أزواجا أصلا، ناهيك عن القبلات في التمثيل ومشاركة الرجل السرير مع امرأة أجنبية، وغيرها من المشاهد التمثيلية المُحرمة.
  • الرياضة: المسلمون يقلدون الغرب في طريقة ممارسة الرياضة وفي تنظيم المهرجانات الرياضية. الرياضة في حد ذاتها فيها منافع كثيرة، أهمها المنافع الصحية، لكن المشكلة تكمن في تقليد الغرب في كيفية تعاطيه للرياضة، وعدم مراعاة خاصيات المسلم الشرعية والخلقية. فتجد مثلا كثيرا من المسلمين، رجالا ونساء، يمارسون الرياضة بملابس تكشف العورات و/أو تجسدها، يلبسون ما يُسمى السَّاقية أو قماط الساق (يُسمى أيضا طُزْلُق أو طِمَاق)، وهي سراويل جد ضيقة ملتصقة على الجلد، مجسدة للعورات. وتجد غالبية النوادي الرياضة يختلط فيها الرجال بالنساء، وتجد مسلمات تشاركن في بطولات دولية وهن كاشفات لعرواتهن ويتفرج عليهن ملايين الناس حول العالم. هذا كله حرام قطعا (الحرمة تكمن في كشف العورات أو تجسيدها). وتجد مثلا رجالا من المسلمين يمارسون رياضة السباحة وهم لا يرتدون إلا قماشا داخليا صغيرا ضيقا. وتجد من يمارسون سباقات العدو بسروال قصير جدا لا يكاد يستر إلا العورة المغلظة أو بسروال ضيق لاصق على الجلد مجسد للعورات. ونفس الشيء ينطبق على النساء اللواتي يمارسن السباحة أو الركض بنفس لباس نساء الغرب الضيقة الكاشفة و/أو المجسدة للعورات. الأصل في المسلم والمسلمة أن يمارسوا الرياضة ضمن ضوابط الشرع، فتكون نوادي وقاعات ممارسة الرياضة خاصة بالرجال، وأخرى خاصة بالنساء. وحتى لمَّا يمارس الرجال فيما بينهم والنساء فيما بينهن الرياضة، فعليهم مراعاة ستر العورات التي لا يجوز للنساء فيما بينهن النظر إليها، ولا يجوز للرجال فيما بينهم كشفها. والمسلمون يقلدون الغرب في إقامة مسابقات رياضية عنيفة مضرة بالصحة، كالملاكمة والقتال الحر داخل الأقفاص الخ، وهذه المسابقات كلها حرام شرعا لوحشيتها وضررها على صحة المتصارعين وتهييجها للجماهير، فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيَجْتَنِبْ الْوَجْهَ» (صحيح البخاري). وليُراجع بهذا الخصوص، على سبيل المثال لا الحصر، فتوى مختصرة على موقع “الإسلام سؤال وجواب”. وهناك كثير من الأمثلة على التقليد الأعمى للغرب في مجال الرياضة، وعلى رأسها البطولات والمسابقات الرياضية، وتحتاج لبحث مفصل ومنفصل، للتطرق إليها من الناحية الشرعية، وتبيان كيف تُمارس الرياضة والمسابقات الرياضية في الإسلام، سواء فيما يخص الرجال أو النساء.
  • اللغة: المسلمون حريصون على تقليد الغرب حتى في لغاته، فيصرون على إدراج كلمات أعجمية – غالبا فرنسية أو إنجليزية – في كلامهم، ويفسدون لسان أبنائهم منذ نعومة أظفارهم بتلقينهم كلمات ومصطلحات أعجمية بدلا من العربية.

اقرأ أيضا: «ألم يحن الوقت لتقاطعوا اللغة الفرنسية؟»

  • الاختلاط: الاختلاط من أخطر المصائب التي جرَّت الويلات على المجتمعات في كل بلدان العالم، وفتحت أبواب الشر والفساد. ولا فرق بين الاختلاط في الحياة الخاصة أو في العمل والدراسة. فمثلا المسلمون لم يفرقوا بين حقوق المرأة الشرعية في التعليم والعمل وغيرها، وبين وجوب ممارسة المرأة والرجل على السواء لتلك الحقوق ضمن إطار الشرع وفي حدود ما يسمح به الإسلام، فذهبوا يقلدون الغرب فيتعمدون خلط الرجال بالنساء في التعليم وفي مختلف الأعمال والوظائف دون ضرورة لذلك ولا ضمن ضوابط الشرع، ليظهروا للغرب أنهم متفتحون. فتجد على سبيل المثال لا الحصر، نساء يشتغلن ككاتبات خاصات للمدراء والمسؤولين والأساتذة الخ، بدلا من أن يُعيِّن الرجل كاتبا له من الرجال، وتعين المرأة كاتبة لها من النساء. وتجد كيف تصر القنوات الإعلامية على وضع مذيع الى جانب مذيعة لتقديم البرامج، تماما كما يفعل الإعلام الغربي. وتجد شرطي مع شرطية، أو شرطية ترأس مجموعة من رجال الشرطة، أو شرطي يرأس فرقة من الشرطيات. وتجد معلما يدرس البنات أو معلمة تدرس الذكور البالغين، مع أن الواجب شرعا أن تكون مدارس خاصة بالإناث وأخرى خاصة بالذكور، وكل مدرسة يكون طاقمها التدريسي والإداري من نفس جنس الطلبة. كما أن الأصل أن تكون أقسام شرطة خاصة بالنساء، طاقمها كله من النساء، وظيفتها التعامل من القضايا المتعلقة بالنساء فقط، وأخرى خاصة بالرجال دورها التعامل مع القضايا المتعلقة بالرجال.
  • المساواة بين الرجال والنساء: من بين الأفكار الغربية الفاسدة، هو التفسير الباطل للعدل، فظنوا أن العدل إنما يتحقق بتسوية الرجال والنساء في كل شيء، فيجوز، بل يجب على المرأة القيام بكل الأعمال التي يقوم بها الرجل. فذهبت الأنظمة في البلدان الإسلامية تقلد الغرب، حيث يكلفون النساء بأعمال خاصة بالرجال. ومن الأمثلة على ذلك تعيين نساء في مناصب تتعلق بالحكم، والتي في الشرع الإسلامي لا تجوز إلا للرجال، فالرسول صلى الله عليه وسلم لَمَّا بَلَغَه أَنَّ أَهْلَ فَارِسَ قَدْ مَلَّكُوا عَلَيْهِمْ بِنْتَ كِسْرَى، قَالَ: «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمْ امْرَأَةً» (صحيح البخاري). كما أصبحت بعض الأنظمة في العالم الإسلامي تدمج النساء في الجندية والقتال. تدريب المرأة المسلمة على استعمال السلاح أمر واجب، لكن ليس لتشارك في الجبهات الأمامية في الحروب، ولا لتنخرط في أفواج عسكرية مع الذكور، فتجري معهم التداريب وتسافر معهم الخ، ولكن لتستطيع الدفاع عن نفسها وبيتها إذا استدعت الضرورة ذلك. وتعليم النساء على استعمال السلاح يجب أن يكون في مراكز تدريب خاصة بالنساء ويديرها نساءٌ حصريا، وتكون تلك المراكز قريبة من بيوت النساء بحيث يتمكَّنَّ من الذهاب للتدريب والعودة منه في نفس اليوم.
  • تربية الكلاب: أصبح المسلمون يقلدون الغرب في اقتناء الكلاب دون حاجة شرعية، أضف الى ذلك أنهم يربون الكلاب داخل البيوت. يتم اقتناء الكلاب اقتداء بالغرب، من أجل التباهي وكمظهر للتحضر وللعب والأنسة، فأصبحت الكلاب تُتَّخذ كأفراد من الأسرة، تعيش داخل البيت وتشارك الناس السرير والمائدة، الخ. ناهيك عن الأذى الذي تسببه بعض الكلاب للمارة وترويعها لهم. يتجرأ المسلم كل هذه الأفعال، مع أنه من المعلوم من الدين بالضرورة أن ترويع المسلم حرام، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّعَ مُسْلِمًا» ( رواه أبو داود)، وأن اقتناء الكلاب حرام شرعا، ولا يجوز اقتنائها إلا لوظائف وخدمات يُستعان بها فيها، وحتى في هذه الحالات الاستثنائية لا يجوز إسكان الكلب داخل البيت الذي يعيش فيه الناس، بل يُبنى له بيتا خاصا خارج المنزل، فقد قال الرسول: «مَنْ اقْتَنَى كَلْبًا لَيْسَ بِكَلْبِ صَيْدٍ وَلا مَاشِيَةٍ وَلا أَرْضٍ فَإِنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِهِ قِيرَاطَانِ كُلَّ يَوْمٍ» (صحيح مسلم)، وقال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الْمَلائِكَةَ لا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلا صُورَةٌ» (صحيح سنن ابن ماجة، حققه الألباني).
  • الحلاقة: أصبح المسلمون يقلدون الغرب حتى في كيفية حلاقة الرأس، فكلما ظهر نوع من الحلاقة في الغرب، سواء خاص بالرجال أو النساء، إلا وتجد مسلمين يقلدونها، فتجد على سبيل المثال لا الحصر مسلمات يقصن شعرهن ليصبح يشبه الرجال، وهي التي تسمى “قصة ذكورية”. كما تجد ذكورا من المسلمين يحلقون بعض الرأس بشكل كامل ويتركون بعضه، وهو الذي يسمى القزع، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن القزع، حيث روى ابن عمر رضي الله عنه: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الْقَزَعِ» (صحيح البخاري). ولما رأى الرسول صَبِيًّا قَدْ حُلِقَ بَعْضُ شَعَرِهِ وَتُرِكَ بَعْضُهُ، نَهَى عَنْ ذَلِكَ وَقَالَ: «احْلِقُوا كُلَّهُ أَوْ اتْرُكُوا كُلَّهُ» (مسند أحمد، وصححه الألباني).

الذي يجب على المسلمين نقله من الغرب ومنافسته فيه

المسلمون تركوا ما يجوز، بل ما يجب نقله عن الغرب، ما يجب عليهم منافسة الغرب فيه، وذهبوا يقلدونه كالقردة والببغاوات في تفاهات لا تزيدهم إلا ضعفا ومذلة وتبعية ومسخا، كالتمثيل والغناء والرقص والتبرج والمباريات الرياضية وغيرها من التفاهات المدمرة التي ذكرت بعضها أعلاه.

المسلمون لم ينقلوا عن الغرب أسس التقدم المادي والمتمثلة في الأبحاث والعلوم التجريبية، ليتمكنوا عبرها من مختلف الصناعات المدنية والعسكرية ويتملكوا أدوات القوة، ومن ثم يصنعوا بأيديهم كل ما يحتاجونه من بضائع وأدوية وآلات علاج وآلات تصنيع، وتقنيات ووسائل الاتصالات والمواصلات، وصواريخ، وطائرات مدنية وعسكرية، وأقمار اصطناعية، ومختلف برمجيات الحواسيب، وشابكة الحواسيب، الخ، ومن ثم ينتقل المسلمون من مجرد مستهلكين إلى مصنعين ويصبحون ينافسون الغرب في السوق العالمية، ويفرضون هيبتهم على دول العالم، ويُمَكِّنُوا شعوبهم من حياة كريمة، يحمون كرامتهم وأعراضهم وخيراتهم وبلدانهم من الغزو والنهب.

من بين أحدث مهازل دويلات المسلمين، كيفية مواجهتهم لوباء فيروس التاج 2019 وتعاملهم معه. المسلمون يشكلون حوالي ثلث سكان الكرة الأرضية بما يقارب ملياري مسلم، ومع ذلك لم يستطيعوا إنتاج ولو لقاح واحد ضد فيروس التاج، كما لم يصنعوا دواء واحدا ضد الفيروس القاتل، في الوقت الذي طورت فيه الولايات المتحدة الأمريكية لوحدها ثلاثة لقاحات فعالة ضد فيروس التاج 2019 وعدة أدوية، ناهيك عن عشرات اللقاحات والأدوية التي دخلت مراحل متقدمة من التجارب السريرية.  

اقرأ أيضا: «لقاح فيروس التاج: دويلات الرويبضة في البلدان الإسلامية تعيش خارج التاريخ»

إلا أنه وجب حتى في الأمور التي يجب منافسة الغرب والعالم فيها، مراعاة خاصيات هوية المسلم كما سبق الذكر في مقدمة هذا المقال، فيجب مراعاة أحكام الشرع حين القيام بأي عمل بحيث يُنجز بأساليب وطرق يبيحها الشرع. فمثلا حين تُنقل علوم تجريبية من الغرب، فيجب نقل المضمون العلمي وليس معه لغته، ومن ثم لا يجوز إلزام كل الناس بتعلم اللغة الإنجليزية أو الفرنسية ليتمكنوا من دراسة تلك العلوم، ولكن يتم تكوين طواقم خاصة بالترجمة، يتقن كل فريق منها اللغة العربية الى جانب أحد اللغات الأعجمية، وله دراية كافية بأحد العلوم التجريبية التي سيختص في ترجمتها الى العربية. فيتم تدريس كل العلوم التجريبية الحديثة باللغة العربية بالاستعانة بترجمات طواقم الترجمة. هكذا يتمكن المسلمون من تلك العلوم دون التفريط في لغتهم الأم التي هي جزء لا يتجزأ من هويتهم وحضارتهم ودينهم، وهكذا تنمو اللغة العربية وتتوسع ويبقى أهلها قادرين على مواكبة التطور العلمي بلغتهم هم الخاصة بهم، .. وهكذا تصبح تلك العلوم في متناول كل المسلمين وسهلة عليهم، لأن التعلم باللغة الأم هي الطريقة الأسرع والأسهل للتعلم والإتقان! والغرب نفسه بنى ثورته الصناعية في القرن السادس عشر ميلادي على ما ترجمه من كتب المسلمين في شتى المجالات، فالغرب لم يُدَرِّس العلوم باللغة العربية لتلامذته وطلابه، ولم يلزم شعوبه بتعلم اللغة العربية، بل عمد الى الترجمة. الغرب ترجم الى لغته الوطنية كل ما وقع بين يديه من مؤلفات المسلمين وما غنمه خلال غزوه للبلدان الإسلامية.

كما أنه يجب التحري جيدا فيما يجوز ويجب نقله عن الغرب من علوم، وفيما لا يجوز. فمثلا ما يسمى نظرية التطور لا يجوز نقلها ولا تبنيها ولا تدريسها في المدارس، لأن نظرية التطور ليست علما تجريبيا ولا فائدة عملية منها البتة، بل هي فلسفة علمانية تهدف لفصل المخلوقات وعلى رأسها الإنسان عن خالقها، عن الله سبحانه. فمثل هذه النظريات الفاسدة لا تُطرح إلا في الدرجات العليا من التعليم الجامعي، حيث يكون الطلبة قد نضجوا عقائديا وفكريا وعلميا، ويستطيعون التمييز بين الحق والباطل، وتُطرح تلك النظريات الباطلة بهدف النقد وتبيان فسادها بالأدلة، وليس بهدف تلقينها للطلبة وجعلهم يتبنوها!

ودول الغرب والصين وروسيا تدرك الأهمية الحيوية للمنافسة، لذلك تسعى كل دولة منها جاهدة لمعرفة أحدث الابتكارات التي توصلت إليها دول أخرى. فمن بين أساليب الصين وروسيا ودول الغرب وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية للحفاظ على ريادتها في مختلف الصناعات العسكرية والمدنية، هو التجسس بعضها على بعض. مثلا، من بين أهم وظائف “وكالة الأمن القومي الأمريكية” (إن.إس.إي) والتي لها مراكز في كثير من دول العالم بما فيها أوروبا، هو التجسس على الشركات في مختلف دول العالم لمعرفة نوع المنتوجات الجديدة التي تعمل عليها، ومحاولة الحصول على تصاميم تلك المنتوجات، الخ.  

اقرأ أيضا: «التجسس الأمريكي يكلف الاقتصاد الألماني خسائر بالمليارات»

بين التقليد والمنافسة، بين العبيد والأحرار

التقليد آفة جد خطيرة، ليس فقط لأنه يُفقد الشعوب هويتها وشخصيتها ويحولها لمهرجين، لقردة وببغاوات، بل لأنه أيضا يكبل طاقاتهم ويُفقدهم روح الإبداع والإنتاج، ومن ثم يُسلبهم السيادة على شؤون حياتهم، إذ يعتمدون على الغير في حل مشاكلهم وإنتاج ما يحتاجونه في حياتهم. المقلد يتحول لمجرد عبد للذي يقلده، إذ التقليد يفقده القدرة على اتخاذ قرارات ذاتية ومواقف حازمة في مختلف شؤون حياته. المقلد يصبح سر وجوده منحصر على كيفية تحصيل الأكل والشرب، وحتى هذه الضروريات تصبح متعلقة بالدول التي يقلدها وينظر إليها نظرة إعجاب ويمجدها، فيصبح يعيش على فُتاتها وصدقاتها وعطفها. همه أن ترضى عنه الدول التي يقلدها.

مصير الأمة المقلدة هو الفناء، كما أقر ابن خلدون في المقدمة، حيث ذكر: [إن الأمة إذا غُلِبت وصارت في ملك غيرها أسرع إليها الفناء، والسبب في ذلك، والله أعلم، ما يحصل في النفوس من التكاسل إذا ملك أمرها عليها، وصارت بالاستعباد آلة لسواها وعالة عليهم، فيقصر الأمل ويضعف التناسل. والاعتمار إنما هو عن جدة الأمل وما يحدث عنه من النشاط في القوى الحيوانية. فإذا ذهب الأمل بالتكاسل وذهب ما يدعو إليه من الأحوال وكانت العصبية ذاهبة بالغلب الحاصل عليهم، تناقص عمرانهم وتلاشت مكاسبهم ومساعيهم، وعجزوا عن المُدافعة عن أنفسهم بما خضد الغلب من شوكتيهم، فأصبحوا مغلبين لكل متغلب وطُعمةً لكل آكل].

ولذلك فالإنسان الحر لا يقبل أبدا بالتقليد، وفي المقابل يبدل كل ما في جهده لينافس أقوى الدول وأرقاها تقدما ماديا، ينافسها بنقل وتعلم ما يجب نقله وتعلمه من أدوات القوة والإنتاج دون نقل ما يتعلق بنظرته للحياة ومقياسه للحسن والقبيح وللحلال والحرام. الإنسان الحر يحرص كل الحرص على ألا ينقل أي شيء يهدم عقيدته وهويته وشخصيته ولسانه وخاصياته الدينية والخلقية، ويحوله لنسخة بئيسة عن الأصل الذي قلَّده، لذلك نهى الرسول عن تقليد الكفار، لِمَا في ذلك من مسخ لهوية المسلم وشخصيته، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» (سنن أبي داود)، وقال: «خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ» (صحيح البخاري).

الشعوب الحرة تعلم أنها إذا لم تنافس الدول القوية وتحصل على أدوات القوة وتنتج بنفسها كل ما تحتاجه، فإنها ستصير مجرد مستهلك لمنتوجات الدول القوية وأداة بيدها تستغلها كيف تشاء ومتى تشاء، تصبح مجرد حطام يحترق في حروبٍ بالنيابة لتنعم الدول القوية بالغنائم. الشعوب الحرة تعلم أنها إذا لم تقضي على آفة التقليد في أدق شؤون حياتها، وتحيي روح الإبداع والمنافسة، فستفقد أمنها وأمانها، ستتحول لغثاء مسلوب الإرادة والكرامة، سيكون حالها مثل الحال البئيس لحوالي ملياري مسلم في العالم اليوم!



 

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

د. هشام البواب

الدكتور هشام البواب، ناقد ومحلل سياسي واجتماعي مستقل . مقالاته تشمل موضوعات سياسية واجتماعية وفقهية وعلوم تجريبية :::::: بعض كتابات الدكتور هشام البواب في الرابط التالي: https://atanwir.com/منشورات-الدكتور-هشام-البواب ::::::: hicbou1@mailfence.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى