اجتماع تربية تعليم

الجامعات البحثية واقتصاديات التعليم

الجامعات البحثية واقتصاديات التعليم

يمر العالم في السنوات الأخيرة بفترة تذخر بالتحولات التقنية والاقتصادية، طالت معظم المجتمعات، ومع تزايد الاهتمام بقضية التنمية التي أخذت معنى أكثر شمولية، وبتقدم العلوم الإنسانية والتقنية، وبارتباطها بتحول فكري وتربوي ضخم يضم سائر الإمكانات البشرية العلمية والتقنية الموظفة لخدمة التنمية الشاملة الاقتصادية، هكذا تكون جميعها تتفاعل وتتداخل في إطار شمولي، لتحقيق ما يحتاج إليه المجتمع (الألمعي 1438هـ/2016,م)، فاهتمت دراسات عديدة بالعلاقة بين التعليم والاقتصاد، واصبح التعليم استثماراً يستهدف تحسين مستوى حياة الأفراد، ويدفع بعجلة التنمية الاقتصادية والاجتماعية للمجتمع (البابطين, 1441هـ/2019م).

وهكذا أصبح للمعرفة بُعدها الاقتصادي، نظراً لما تضيفه من قيمة للمنتج، مما أدى  إلى ما يعرف باقتصاد المعرفة، وبالتالي أصبح العامل الرئيس في نمو الاقتصاد هو إنتاج المعرفة واقتناؤها واستثمارها، هكذا اصبح البحث العلمي الأساس في تحقيقه، وعليه لابد من تطوير مناهج وأساليب البحث العلمي، لذلك أصبحت الحاجة لجامعات بحثية قائمة وعليه اتجهت العديد من الجامعات بالتحول في ضوء الاقتصاد المعرفي (صدوقي وبوشيخي، 1441هـ/2020م)، وفي عملية تحول الجامعات الى جامعات بحثية يؤمل أن تعتمد الجامعات على التطوير الذاتي، من خلال النظر الى التجارب العالمية و الاستفادة منها (طحلاوي وحورية، 1439هـ/2017م).

يستمد المقال أهميته من الموضوع ذاته والذي جاء مواكباً لرؤية المملكة العربية السعودية (2030) والتي ركزت على الاهتمام بالبحث العلمي في ضوء اقتصاد المعرفة، كما أن مفهوم الاقتصاد المعرفي مفهوم معاصر يفسر الكثير من القضايا التربوية، وبالنظر الى الجدوى الاقتصادية من التوجه نحو الجامعات البحثية لما سوف يعود به من نفع على التعليم والجامعات التي قد يساهم التخطيط له في تخفيض تكاليف التعليم والتدريب للموظفين أو الدارسين، فما المقصود بالجامعات البحثية؟ و ما هو دور الجامعات البحثية في اقتصاديات التعليم؟ و ما هي معوقات الجامعات البحثية؟ و ما سماتها؟

ان مفهوم الجامعات البحثية من المفاهيم المتداولة بين حكومات الدول المهتمة بأمر تطوير جامعاتها، ومن المفاهيم الراسخة في استراتيجيات وسياسات التعليم العالي بتلك الدول (هدى محمد عبدالسلام محمد، 1441هـ/2020م).

وتُعرف الجامعات البحثية انها: “جامعات ذات تركيز بحثي مكثف، تقتصر على منح درجتي الماجستير والدكتوراه في بعض المجلات التخصصية، وتهتم باستقطاب الباحثين وأعضاء هيئة التدريس من أصحاب المؤهلات والقدرات البحثية المتميزة، القادرة على إبداع واختراع وابتكار المعارف الجديدة” (طحلاوي وحورية، 1439هـ/2017م). ولتكون الجامعات بحثية لابد من توفر عدة ركائز أساسية هي: حكومة رشيدة، جذب المواهب وتركيزها، تمويل الجامعات، مخرجات البحوث، جودة الخريجين، نقل التقنية وتوطينها (حمدان ع.، 1436هـ/2015م) والأمثلة على تلك الجامعات كثير، نذكر منها ما يلي:

جامعة نانیانج: عملت الحكومة في سنغافورة على دعم وتطوير العلم والتقنيات لسد النقص الحاصل في الموارد الطبيعية سعياً منها لدعم اقتصادها.

جامعة كيب تاون: تقع جامعة كيب تاون في جنوب أفريقيا في أقصى الطرف الجنوبي، في كيب الغربية تحديداً، وتحتوي الجامعة على ثماني كليات هي: كلية التجارة، وكلية الهندسة، وكلية البيئة، وكلية العلوم الصحية، وكلية العلوم الانسانية، وكلية القانون، وكلية إدارة الاعمال، وكلية العلوم، كما وتحتوي على مركز لتطوير التعليم العالي (جاد ومحمود، 1439هـ/2017م)

وبالنظر الى اهداف تلك الجامعات يتضح لنا من خلالها دعم الجامعات البحثية للاقتصاد المبني على المعرفة، فتهدف الى انتاج المعرفة وتحسينها وتطويرها ووضع الآلية الأنسب لاستخدامها (عيسوي، 1440هـ/2019م)، وخلق التكامل بين العلم والتعليم وسوق العمل، وتطوير الصناعة من خلال خلق بنية تحتية مبتكرة لتنمية الشركات عن طريق انشاء شبكة لربط الأبحاث بالصناعة.

أما اقتصاد المعرفة ففي الأساس يقصد به أن تكون المعرفة هي المحرك الرئيسي للنمو الاقتصادي، واقتصاديات المعرفة تعتمد على توافر تقنيات المعلومات والاتصال واستخدام الابتكار والابداع، على عكس الاقتصاد التقليدي. فإن الموارد البشرية المؤهلة وذات المهارات العالية – رأس المال البشري -، هي أكثر الأصول قيمة في الاقتصاد المبني على المعرفة (علة, 2012). وتعددت مسميات اقتصاد المعرفة، منها اقتصاد المعلومات، اقتصاد شابكة الحواسيب، الاقتصاد الرقمي، الاقتصاد الافتراضي، الاقتصاد الكُهَيْربي، الاقتصاد الشبكي، اقتصاد اللاملموسات (صاحبي، نوادري، قنفود، 1441هـ/2020م)،

ويشير معهد البحوث والدراسات بجامعة الملك عبد العزيز (1427هـ) إلى دور ومسؤولية الجامعات البحثية في الاقتصاد المعرفي، بأن يكون لديها إدراك واسع الأفق لما تحدثه البحوث من فوائد للمجتمع، وان تكون قادرة على الرفع من شأن مستقبل الرخاء الاقتصادي للاقتصاديات الصناعية المتقدمة، وان تكون قادرة على الوصف الدقيق الوافي لمكاسب المعرفة الجديدة، وان يكون لديها الآليات لإيصال المعرفة الجديدة التي تأتي بها، وزيادة في عدد القادرين على المساهمة في المعرفة، ويتم ذلك من أجل: التنمية البشرية، التنمية الاقتصادية، تقدم المعرفة البشرية، إحياء التراث.

ومن هُنا يتضح لنا أثر الجامعات البحثية على الاقتصاد المعرفي من خلال انتاجها البحثي،  فالبحث العلمي أهم مخرجات الجامعات البحثية، ومن اهم متطلبات التنفيذ التي ينبغي توافرها للتحول من جامعة تعليمية الى جامعة بحثية، وقوة البحث العلمي يعد دليلاً على قوة مخرجات تلك الجامعة من رأس المال البشري، الذي سيساهم في بناء الاقتصاد المعرفي وشغل سوق العمل، لذا يجب ان توفر الجامعة البحثية برامج بحثية، وفق توجهات عالمية لإكساب باحثيها مهارات الابداع والابتكار، وتعزز لديهم القدرات البحثية عالية المستوى، بالتوسع في برامج ذات الطابع البحثي مع مراعاة الكم والنوع فيها، ووفق متطلبات التنمية بما يعزز الاقتصاد المبني على المعرفة في المجتمع (طحلاوي وحورية، 1439هـ/2017م).

Photo by Satheesh Sankaran on Unsplash

وتؤثر الجامعات البحثية في الاقتصاد المعرفي بكونها تقوم بإخراج وإنتاج المعرفة وتطويرها وتوظيفها للاستفادة منها في بناء الاقتصاد المعرفي، فمن ركائز الاقتصاد المعرفي، الابتكار والبحث والتطوير: من خلال الروابط التجارية مع المؤسسات الاكاديمية، والتعليم: من خلال كونة أساس الإنتاج و التنافس الاقتصادي المعرفي. كما ان هناك مؤشرين للاقتصاد المعرفي هما تقنيات الإعلام والاتصال، ورأس المال البشري الذي يمثل القدرة الذهنية والكفاءات البشرية وإنتاج البحوث وهذا ما تسعى اليه الجامعات البحثية من خلال الحرص على صقل تلك المهارات في مخرجاتها من رؤوس المال الفكرية (الثبيي، 2018م). من هنا يمكننا القول ان الجامعات البحثية تؤثر في بناء الاقتصاد المعرفي، كما ويمكن توضيح العلاقة بين الجامعات البحثية والاقتصاد المعرفي من خلال الشكل التالي:

والجامعات البحثية تقودنا الى الاقتصاد المعرفي من خلال البحوث العلمية المميزة والتي يترتب عليها تخريج رؤوس أموال بشريه مبدعة ومنتجة قادرة على انتاج وتحسين المعرفة وتوظيفها، وسنعرض فيما يلي جودة البحث العلمي في الجامعات البحثية ودور الابداع و الابتكار في تجويد البحث العلمي وذلك لتأثيرها على الاقتصاد المعرفي، وذلك بعد عرض مفهوم البحث العلمي.

البحث العلمي

يعرف مفهوم البحث العلمي انه: علمية مخططة، وأدوات تتسم بالموضوعية والصدق والشمول تؤدي إلى نتائج علمية يمكن قبولها وتعميمها، واعتمادها في حل المشكلة المبحوثة أو الإجابة عن تساؤلات الباحث. وعلى اساس ما تقدم فإن البحث العلمي ليس عملا عشوائيا مرتجلا إنما هو عمل مقصود هادف مخطط له (عطية 1429هـ/2009م)

ان من واجبات الجامعة البحثية إعداد قاعدة علمية قوية من اجل قيام الأبحاث العلمية، بالتالي توجب عليها تحديد معايير لضمان جودة الأبحاث العلمية والعمل على ضمان تلك الجودة من خلال أساليب وأدوات ضمان الجودة، وتعرف جودة البحث العلمي على انها “عملية مستمرة يتم من خلالها تحقيق الوظيفة البحثية للمؤسسة الجامعية عن طريق تحسين الأداء وتحقيق أهداف المجتمع والحفاظ على التميز البحثي” (عبد السلام، 1437هـ/2016م). كما ان جودة البحث العلمي في الجامعات البحثية يدل على جودة مخرجاتها، وهذا ما نحتاجه أيضا لدعم الاقتصاد المبني على المعرفة كما ذكرنا سابقاً، بالتالي زيادة فرص تلك المخرجات بالتوظيف، على عكس الجامعات التي تهتم للكم في البحث العلمي، فقد وجد ان خريجي ذلك النوع من الجامعات يعانون من قلة الفرص الوظيفية (حمدان ع. 1436هـ/2015م). ومن التحديات التي تواجه جودة البحث العلمي هي: تحديات استراتيجية، تحديات تنظيمية فنية، تحديات تمويلية، تحديات الاشراف على الرسائل العلمية (عبد السلام، 1437هـ/2016م)

ويعود دور الإبداع والابتكار في تجويد البحث العلمي في أي دوله بالمنفعة عليها، لذا تقوم الدول المتقدمة بالاستثمار في رأس المال الاجتماعي والبشرى حتى تتكامل المعرفة والابتكار، ويتضح دور الإبداع والابتكار بتجويد البحث العلمي، بأبحاث طلاب الجامعات حيث يتمثل في أهمية توفير معامل بحثية داخل المؤسسات التعليمية حتى يستفيد الطلاب من إتمام أبحاثهم العلمية لتخرج بالصورة النهائية التي تفيد اقتصاد بلادهم، وفي تجويد أبحاث أساتذة الجامعة تعمل الدول المتقدمة على الإنفاق والاستثمار في الجامعات بما يشمل الطلاب وأساتذة الجامعات أيضاً من أجل جعل الجامعات ذات تنافسية عالمية، ويتضح أيضاً دور الإبداع والابتكار في تجويد البحث العلمي ليعود بثماره على المجتمع ككل. لا يمكن أن يكون الاهتمام بالتعليم والبحث العلمي بمعزل عن التقدم الاقتصادي العام للدولة، التعليم والاقتصاد وجهان لعملة واحدة، لذا فقد قامت الدول المتقدمة على الإنفاق من مجمل ناتجها المحلي الإجمالي على تطوير الأبحاث العلمية (الأمين وبوديار 1441هـ/2020م).

وتكمن معوقات التي تعترض جامعات البحث، كما أشار  إليها جاد ومحمود (1439هـ/2017م)، في: ضعف التمويل وقضاء وقت الباحث في البحث عن مصدر تمويل لبحثه، وانسحاب الممول احياناً قبل الانتهاء من البحث، وضعف ادارة التمويل للبحوث، وإرهاق كاهل الهيئة التدريسية بالمهام التي تشغلهم عن أداء المهمة الرئيسة وهي الإسهام في مشاريع البحوث. بالإضافة الى أن التحول من جامعة تعليمية إلى جامعة بحثية يتطلب قناعة كاملة من إدارة الجامعة وهيئة التدريس بمشروع التحول، والمشاركة في وضع الخطة الاستراتيجية للسير في المسار، فكثير من جامعات البحث تعاني فقدان القناعة الداخلية برسالتها البحثية، بالاضافة الى ضعف البرامج والفرص المتاحة لإطلاق مهارات الباحثين، وضعف الاعتمادات المالية المقدمة للجامعات البحثية، وبطء المنح الخارجية المقدمة للبحوث، وضعف بعض البحوث المقدمة. وهو ما يبعدها عن فعالية التنافس على المستوى العالمي، وضعف الدعم الإداري؛ حيث تعاني بعض الجامعات البحثية من قلة مواكبة الأنظمة الداخلية أو تجاهلها للنشاط البحثي، ونقص توظيف واستبقاء الموظفين المؤهلين المحترفين اللازمين لتقديم الدعم للباحثين والبرامج البحثية.

من خلال ما سبق يمكن القول ان من اهم سمات الجامعات البحثية انها تسير وفق خطط منهجية مدروسة في كافة نشاطاتها، كما وتهتم بالتعليم وإكساب طلابها كفاية التعلم مدى الحياة، ودعم البحث العلمي والابداع والابتكار بالعمل على رفع مستوى الباحثين من خلال إكسابهم الخبرات البحثية العالية، وتعمل على انشاء بيئة ذات معايير ممتازة تدعم البحث العلمي لجذب أصحاب الكفاءات العالية من الباحثين وأعضاء هيئة التدريس، وتعمل على تبادل الباحثين وأعضاء هيئة التدريس لتبادل الخبرات وكسب الفوائد، وتدعم التعاون البحثي على المستوى المحلي والعالمي، ومن سماتها ايضاً انها تحرص على المشاركة لحل المشكلات العالمية والمجتمعية والمساهمة في تحقيق التنمية المستدامة بالمجتمع، وتلبية احتياجات سوق العمل ودعم الاقتصاد المعرفي.

ختاماً نستخلص أهمية الجامعات البحثية والتي تعد معيار للتنافس بين الدول في ظل التغيرات العالمية وخاصة في المجال الاقتصادي مما يحتم على الدول التطور والتغير في ضوء اقتصاد المعرفة والذي يتطلب الاهتمام بجودة التعليم وخاصة في جانب البحث العلمي الذي يعد المحرك نحو التنمية.

المراجع:



 

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Enter Captcha Here : *

Reload Image

زر الذهاب إلى الأعلى