سياسة

لا عزاء على حركة النهضة وإزاحتها فيه خير للإسلام يا أولي الألباب

عجبت لـ”إسلاميين”، جماعات ومشايخ، خرجوا يتباكون على حركة النهضة في تونس ويقدمون لها النصح، ويتحدثون عن انقلابٍ للرئيس قيس سعيد على ما سموها “ثورة تونس” و”دستورها”، وادعوا أن المستهدف من “الانقلاب” هو الإسلام المتمثل في حركة النهضة، فجعلوا الصراع السياسي في تونس، صراعا ضد حركة النهضة ومن ثم ضد الإسلام نفسه، … الى غير ذلك من التحليلات والتوصيفات التي لا تتفق مع شرعٍ ولا عقل. تحليلات تتسم كالعادة بالسطحية والعاطفة والتناقض، … تحليلات وتوصيفات تعكس حقيقة مشايخ وجماعات يدَّعون حملهم للدعوة الإسلامية، وهو كَوْنهم بعيدين كل البعد عن الفهم الصحيح للإسلام، وعدم استعدادهم للاحتكام إليه.

أما بالنسبة لنصرة الإسلام والتمكين له في الأرض، فالأحداث المتتالية في العالم الإسلامي ومواقف الغالبية الساحقة لـ”الإسلاميين” وكيفية تفاعلهم معها – منها موقفهم الأخير مما حصل في تونس –، أثبتت أنهم أبعد خلق الله في القدرة على التمكين للإسلام ونصرته، وأنهم لا تتوافر فيهم أصلا الرغبة الجادة لتحقيق ذلك، ولا يدركون مقومات وشروط التمكين للإسلام، بل – وكما أكَّدتُ مرارا –، الغالبية الساحقة للمشايخ والعلماء والجماعات الإسلامية وقياداتها هم أول الناس وأسرعهم للتنازل عن الشريعة، “المشايخ” هم أول الناس وأسرعهم للاستسلام والقبول بهيمنة الكفر والكفار على بلاد المسلمين، بل – وهذا هو الأخطر والأشد خبثا – هم من يقدم التسويغات “الشرعية” للتنازل عن الإسلام والخنوع لأنظمة الكفر في بلاد المسلمين وإقرارها ومساندتها وتثبيتها، وتثبيط عامة المسلمين وجعلهم يقبلون العيش تحت قوانين الكفر وعدم السعي للخروج عنها وإزالة الأنظمة الوضعية العميلة المتحكمة في بلاد المسلمين.

ومن ثم فإزاحة مثل هذه الجماعات التي تحرف الاسلام من الحياة السياسية فيه خير للإسلام وحفاظ على العقيدة وتسريع لنهضة المسلمين النهضة الصحيحة.

سأرد هنا باختصار على هؤلاء “الإسلاميين” المغفلين العاطفيين السطحيين: 

أولا: لم تحصل في تونس ثورة قط

من الكذب الفاضح، الذي ينم عن جهل مركب ويعكس عقلية التَّمَنِّي، اعتبار حراك 10 محرم 1432هـ (17 ديسمبر 2010م) في تونس ثورة. ما حدث في تونس هو مجرد انتفاضة شعبية محدودة خجولة ما لبتت أن خمدت. لم ترقى تلك الانتفاضة قط لثورة. فكيف يكون انقلاب على “ثورةٍ” لم تحدث أصلا؟

«اقرأ أيضا: لازالوا يصرون على تسميتها ثورة 25 يناير مع أن الانتفاضة في مصر لم ترقى قط لثورة!»

ثانيا: حركة النهضة ساهمت في إجهاض انتفاضة تونس الشعبية

حركة النهضة كانت من أهم العناصر التي ساهمت بقوة في إجهاض الانتفاضة ومنع تحولها الى ثورة، وتفريغ الانتفاضة الشعبية من أي محتوى وأهداف إسلامية، تماما كما فعل الإخوان المسلمون في مصر.

ثالثا: حركة النهضة حركة علمانية قلْبا وقالبا وتعتز بأنها رفضت إدراج الشريعة في الدستور

حركة النهضة التونسية خرجت من رحِمِ الإخوان المسلمين، ومن ثم تتميز – مثلها مثل الجماعة الأم – بالغباء السياسي والجهل بالأحكام الشرعية المتعلقة بالسياسية والحكم والتمكين، بل وعدم الإيمان بها أصلا (أي الأحكام الشرعية المتعلقة بالسياسية والحكم والتمكين)، … حركة النهضة تؤمن بالعلمانية ولا تقر من الإسلام إلا جزءا يسيرا متعلقا بالعبادات. حركة النهضة – مثلها مثل جماعة الإخوان المسلمين – تتميز بالانتهازية والميوعة والتملق والجبن، وتؤمن بوجوب الخضوع للنظام الدولي وأنظمته العميلة المتحكمة في البلدان الإسلامية، ومن ثم فإن حركة النهضة، مثلها مثل كل الحركات والجماعات المنبثقة عن جماعة الإخوان المسلمين، جزء من المنظومة العلمانية التي يرعاها الغرب في العالم الإسلامي ويوظفها متى كان في حاجة لذلك.

«اقرأ أيضا: جماعة الإخوان المسلمون تسعون عاما من التملق: من الملك فؤاد الى الرئيس أردوغان» 

 

فحركة النهضة حركة علمانية قلْبا وقالبا، ولو صلى قياداتها وصاموا وحجوا ورتلوا القرآن وأقاموا الليل. فحركة النهضة، مثل الغالبية الساحقة للجماعات “الإسلامية” خصوصا تلك التي قررت دخول لعبة الديمقراطية والانتخابات، لا تختلف عن الأحزاب السياسية الغربية التي تتبنى الديانة النصرانية، فالدين – سواء الإسلام أو النصرانية – يعتبره كل طرف أنه مجرد طقوس وروحانيات تحتاجها النفس البشرية، لكن لا يجوز للدين – لا الإسلام ولا النصرانية – أن يتدخل في السياسة والحكم والاقتصاد والمال ولا أن يحدد العلاقات الدولية والعلاقات الاجتماعية، الخ.

ولتؤكد حركة النهضة للغرب أنها جماعة علمانية محضة يمكن الوثوق بها، وأن الإسلام لا يمثل بالنسبة لها إلا ما تمثله الديانة النصرانية للأحزاب العلمانية في دول الغرب، فقد رفضت إدراج موضوع الشريعة في الدستور التونسي الجديد لسنة 1435هـ (2014م). حركة النهضة لم تقبل حتى بالإدراج الرمزي الشكلي للشريعة كما كان الحال في الدساتير السابقة.

ولتقديم مزيد من الضمانات للغرب، على أن حركة النهضة حركة علمانية محضة ولا تسعى لممارسة السياسة حسب أحكام الإسلام، فقد صادقت (أي حركة النهضة) على لائحة «التخصص» في مؤتمرها العاشر سنة 1437هـ (2016م)، حيث أصدرت قرارا بتخصصها في العمل السياسي الديمقراطي – بعيدا عن الإسلام والشريعة – والتوقف كلية عن العمل التربوي الديني.

فمما ورد في «البيان الختامي للمؤتمر العام العاشر لحركة النهضة»:

[يؤكد هذا المؤتمر التاريخي بوضوح خياراته الاستراتيجية أن حزب حركة النهضة قد تجاوز عمليا كل المبررات التي تجعل البعض يعتبره جزءا مما يسمى “الإسلام السياسي” وأن هذه التسمية الشائعة لا تعبر عن حقيقة هويته الراهنة ولا تعكس مضمون المشروع المستقبلي الذي يحمله. وتعتبر النهضة أن عملها مندرج ضمن اجتهاد أصيل لتكوين تيار واسع من “المسلمين الديمقراطيين” الذين يرفضون التعارض بين قيم الإسلام وقيم المعاصرة. ….

إن النهضة باعتبارها حزبا سياسيا مسؤولا ترشَّح نفسها في مقدمة القوى الضامنة للانتقال الديمقراطي ببلادنا يتجه لتحقيق تطورات حقيقية في أهدافه واختياراته في الهيكلة والتنظيم حتى يزيد من أهليته لتحمل أعباء المرحلة، كما أنه معني بالاشتغال على أرضية المشترك الوطني الذي حدده الدستور لتوسيع طاقته التأطيرية للمساهمة في استيعاب القطاع الأوسع من التونسيين والتونسيات وبالانفتاح على نخب المجتمع وكفاءاته وعلى الشباب والمرأة باعتبارهما دعامة أساسية لتنمية المجتمع وتشريكهما الفعال في تحديد الاختيارات التنموية و في تنزيلها العملي. وتعتبر النهضة أنها معنية بتعزيز الوحدة الوطنية كقوة دفع لمواجهة مخاطر الانقسام والإرهاب ولتحقيق الأدوار والمهام الوطنية المطلوبة، اختارت النهضة في هذا المؤتمر التخصص في الشأن السياسي على أن تعود مجالات الاصلاح الأخرى التربوية والثقافية والدينية للمجتمع المدني] (انتهى الاقتباس).

وصرح راشد الغنوشي، رئيس حركة النهضة التونسية، في حوار نشرته جريدة “لوموند” الفرنسية سنة 1437هـ (2016م)، بقوله: [نحن نؤكد أن النهضة حزب سياسي، ديمقراطي ومدني له مرجعية قيم حضارية مُسْلمة وحداثية. نحن نتجه نحو حزب يختص فقط بالأنشطة السياسية.. سنخرج من الإسلام السياسي لندخل في الديمقراطية المُسْلمة. نحن مسلمون ديمقراطيون ولا نُعرّف أنفسنا بأننا من الإسلام السياسي.. نريد أن يكون النشاط الديني مستقلاً تمامًا عن النشاط السياسي. وإن هذا أمر جيد للسياسيين لأنهم لن يكونوا مستقبلاً متهمين بتوظيف الدين لغايات سياسية، وجيد أيضًا للدين حتى لا يكون رهين السياسة وموظفًا من قبل السياسيين].

رابعا: حركة النهضة لم تتنازل عن الإسلام الذي لم تتبناه قط، بل تنازلت وتتنازل عن مستحقات اللعبة الديمقراطية

حركة النهضة لم تتبنى قط الإسلام (ما عدا إقرارها لطقوس الإسلام وبعض العبادات والشعائر الفردية) حتى نقول إنها تنازلت عنه. أدبيات الحركة منذ نشأتها ومواقف قياداتها وتصريحاتهم، شاهدة على تبني الحركة للعلمانية قلبا وقالبا، ودليل على الدور الحيوي الذي لعبته وتلعبه الحركة في محاربة ما يسمى “الإسلام السياسي” وعلى رأسه الخلافة، الإسلام الذي يتمثل في إقامة دولة تحكم بالشريعة حصرا، ويكون فيها السلطان والقوة بيد المؤمنين، لا يكون فيها أي سلطان لدول الكفر ولا لعملائه، لا تكون فيها تبعية لأي دولة في العالم.

فتنازلات حركة النهضة ليست تنازلات عن الإسلام الذي لم تتبناه قط، بل تنازلاتها عن الحقوق التي تمنحها قوانين لعبة الديمقراطية، الديمقراطية التي تؤمن بها الحركة كنظام حكم للعلمانية وتبنتها. فحركة النهضة، كغالب الأحزاب العلمانية في العالم الإسلامي التي تتبنى الإسلام كطقوس وروحانيات لا علاقة لها بالسياسة والاقتصاد والمال والعلاقات الدولية، رغم إيمانها بالعلمانية وتبنيها الديمقراطية، إلا أنها فشلت في ممارسة الديمقراطية كما تمارسها الأحزاب الغربية، إذ ابتكرت نهجا غريبا لا ولم تعرفه ديمقراطيات الغرب ولا تقبل به. ففي الوقت الذي تسعى فيه الأحزاب في دول الغرب للحصول على أغلبية الأصوات لتتمكن من الحكم لوحدها وعدم الحاجة لعقد ائتلافات مع أحزاب أخرى ومن ثم لتستطيع تنفيذ كل برنامجها السياسي دون مساومات، تجد حركة النهضة وغالب الجماعات الإسلامية المهجنة التي دخلت لعبة الديمقراطية في العالم الإسلامي، تشارك في الانتخابات بشعار “المشاركة لا المغالبة”، وتقصد بذلك أنها حتى لو فازت بغالبية الأصوات التي تمنحها الحق “الديمقراطي” و”الشعبي” و”الدستوري” و”القانوني” في الانفراد بالحكم، فلن تحكم لوحدها، بل ستشرك معها أحزابا اخرى في الحكم، بل و مستعدة أيضا للتنازل عن حقها في منصب الرئاسة او رئاسة الوزراء أو تشكيل الحكومة، مستعدة للتنازل عن كل ذلك لصالح أحزاب علمانية لا تتبنى “روحانيات الإسلام”، وقد فعلت حركة النهضة ذلك فعلا إثر فوزها بغالبية الأصوات (حوالي 42% من المقاعد) في انتخابات «المجلس الوطني التأسيسي التونسي» سنة 1432هـ (2011م)، حيث آثرت عدم الانفراد بالحكم واختارت الدخول في ائتلاف مع حزب المؤتمر من أجل الجمهورية وحزب التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات، الائتلاف الذي أطلق عليه اسم “الترويكا”. بل أكثر من ذلك، فقد قررت حركة النهضة الانسحاب من الحكومة ورئاستها كلية سنة 1434هـ (2013م)، وتسليم الحكم لمجموعة من “المستقلين”.

ومؤخرا خرج راشد الغنوشي، بعد حل الرئيس التونسي قيس سعيد للبرلمان والحكومة، ليعيد تأكيده لنهج التنازلات عن “المستحقات الديمقراطية”، وأن النهضة مستعدة لمزيد من التنازلات من أجل إعادة الديمقراطية. …

 

«أمْرٌ عجيب وغير مفهوم لمن له ذرة عقل: “الإسلاميون” يَدَّعون التنازل عن الإسلام من أجل الإسلام، والعلمانيون “المتأسلمون” يَدَّعون التنازل عن الديمقراطية من أجل الديمقراطية!»  

فحركة النهضة وزعمائها ليس في فكرهم ومنهجهم وهدفهم الخروج عن التبعية لدول الغرب وتحرير بلاد المسلمين من قبضتهم، بل هدفهم هو أن يقبل النظام الدولي – أي الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية – بالحركة كحزب علماني يُسمح له بالانخراط في النشاط السياسي في تونس، بل ومستعدون حتى للتنازل عن مستحقات لعبة الديمقراطية، والتنازل عن الحكم لغيرهم، راضون بالحصول فقط على حصانات تمنحها المقاعد البرلمانية، ليتمتعوا بحياة الرفاهية، بعيدا عن ملاحقات “أمن الدولة” وعن السجون!

الغرب يكرم الغنوشي على سلوكه العلماني

منح معهد «تشاتام هاوس» البريطاني العريق، المتخصص في السياسات الخارجية، جائزته السنوية 1434هـ (2012م) لراشد الغنوشي (مناصفة مع منصف المرزوقي)، تكريما لمساهمته في توطيد العلمانية (الديمقراطية) في تونس وتضحيته بحق الأغلبية من أجل الديمقراطية. حيث قال معهد «تشاتام هاوس» أن منصف المرزوقي وراشد الغنوشي “يمثلان وجهين لعملة واحدة، وقد ضمنوا معًا أن تظل تونس في طليعة الموجة الديمقراطية الجديدة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا”.

وفي كلمته التي ألقاها الغنوشي في معهد «تشاتام هاوس» في إطار الاحتفال بحصوله على الجائزة، أشاد بمساهمته الشخصية في تعزيز فكرة التوافق بين الإسلام والديمقراطية والحداثة. … وأنه (أي الغنوشي) يعتقد أن حكم الأغلبية وحده لا يكفي خلال الفترات الانتقالية لتحقيق النجاح، وبدلاً من ذلك، هناك حاجة إلى الإجماع والائتلافات لمواجهة تحديات التحول الديمقراطي. دفع هذا الاعتقاد، – يضيف راشد الغنوشي -، حزب النهضة إلى اختيار تشكيل حكومة ائتلافية مع الأحزاب العلمانية الأخرى، الأمر الذي دفع الناس في جميع أنحاء العالم إلى النظر إلى تونس كنموذج في المنطقة حيث الإجماع والاحترام والقبول للآخرين – الإسلاميين والعلمانيين – تصبح القاعدة.

واسترسل الغنوشي في كلمته في معهد «تشاتام هاوس» قائلا: إن للإسلام سجلا حضاريا حافلا بالاعتراف بالتعدد الديني والعرقي. وانطلاقا منه ومن مصلحة وطننا في إنجاح تجربتنا في التحول الديمقراطي، بحثنا جاهدين عن الوفاق وعن المشترك الانساني لنؤسس عليه دستورنا، فكانت حكومة الترويكا جامعة للإسلاميين المعتدلين والعلمانيين المعتدلين. كما أقدمت النهضة من أجل ذلك – من أجل إنجاح هذا الوفاق – أقدمت على تجاوز الخلاف، ومن أجل المسارعة في شن الدستور أقدمت النهضة – من أجل تجاوز هذا الخلاف –على تجاوز مجموعة من القضايا، مثل موضوع إدراج الشريعة في الدستور وقبلت التنازل عن ذلك] (انتهى الاقتباس).

الصراع في تونس صراع أطراف علمانية تحركها دول الغرب كالدمى

من كان يؤمن بالله ورسوله، فلن ينحاز لأي طرف في الصراع القائم في تونس، ولن ينخرط في ذلك الصراع، بل سيعتزلهم كلهم، إذ كلها صراعات بالوكالة عن دول الغرب، صراعات لا علاقة للإسلام ولا للشعب بها، صراعات على الدنيا، على المناصب، صراعات استعملت فيها كل الأطراف المكر والخداع، صراعات خذل فيها كل طرف منهم الآخر! … صراعات بين عبيد أذلاء كل واحد منهم يسَوِّق نفسه لدى دول الغرب كشخص يمكن الاعتماد عليه لخدمة مصالح هاته الدولة الغربية أو تلك وحماية نفوذها في تونس، وليس لخدمة شعب تونس. … صراعات يقدم فيها كل طرف نفسه للغرب على أنه الأقدر على محاربة الإسلام والمسلمين، ومن ثم يطمح أن يتخذه الغرب عميلا ويمنحه السلطة في تونس.

والسلطة في تونس، كما هو الحال في كل دويلات سايكس في العالم الإسلامي، ليست بيد الجيش ولا المؤسسات الأمنية والمخابراتية، ناهيك عن أن تكون بيد دويلات الخليج الهزيلة كالإمارات والسعودية، ولكنها – أي السلطة في تونس وكل دويلات سايكس بيكو – بيد دول الغرب وعلى رأسها أمريكا، فهي التي تختار حكام المسلمين وتأمر الجيش والمؤسسات الأمنية بحمايتهم وطاعتهم، أما دويلات الخليج كالإمارات والسعودية وقطر فدورها تمويل المخططات والسياسات التي ترسمها دول الغرب، فهي لا تصنع قرارات ولا تضع سياسات، هي مجرد دويلات عميلة هزيلة مثلها مثل تونس وباقي دويلات سايكس بيكو، تنفذ ما تأمره بها دول الغرب.  

فالجيش التونسي ساند بأمر من أحد الدول الغربية (وليس الإمارات أو السعودية) قيس سعيد في قراراته الأخيرة بحل الحكومة والبرلمان، أما قيس سعيد فمجرد بيدق صغير في لعبة كبيرة وضعتها دول غربية.  

فما أطلقتم عليه “انقلاب على الدستور التونسي”، هو انقلاب علماني على دستور علماني. الدستور الذي تدافعون عنه أيها “الإسلاميون” هو دستور كفر يحاد الله ورسوله! … وما أطلقتم عليه “انقلاب على حركة النهضة”، هو انقلاب علمانيين على علمانيين، فلماذا يقف من يؤمن بالله والرسول واليوم الآخر في صف علمانية النهضة ضد علمانية قيس سعيد؟ كلاهما وجهان لنفس العملة، كلاهما شر على الإسلام والمسلمين!

عن حُذَيْفَة بْنَ الْيَمَانِ قال: كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْخَيْرِ وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنْ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ فَجَاءَنَا اللَّهُ بِهَذَا الْخَيْرِ فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ الرسول: «نَعَمْ»، قُلْتُ: وَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَفِيهِ دَخَنٌ»، قُلْتُ: وَمَا دَخَنُهُ؟ قَالَ: «قَوْمٌ يَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِي، تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِر»، قُلْتُ: فَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ: «نَعَمْ، دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا»، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا؟ قَالَ: «هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا»، قُلْتُ: فَمَا تَأْمُرُنِي إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ؟ قَالَ: «تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ»، قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلَا إِمَامٌ؟ قَالَ: «فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ» (صحيح البخاري).



 

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

د. هشام البواب

الدكتور هشام البواب، ناقد ومحلل سياسي واجتماعي مستقل . مقالاته تشمل موضوعات سياسية واجتماعية وفقهية وعلوم تجريبية :::::: بعض كتابات الدكتور هشام البواب في الرابط التالي: https://atanwir.com/منشورات-الدكتور-هشام-البواب ::::::: hicbou1@mailfence.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Enter Captcha Here : *

Reload Image

زر الذهاب إلى الأعلى