اجتماع تربية تعليم

ما هو الدليل على التعريض بالرسول في كتاب مدرسي بالمغرب؟ ومن يحدد مفهوم القاصر وشروطه؟

أثار نص في كتاب الاجتماعيات الذي يُدرس لتلامذة الصف الخامس ابتدائي في المغرب ضجة واسعة بين المسلمين في مختلف بقاع العالم، إذ اعتُبر النص تعريضا بالرسول صلى الله عليه وسلم.

يقول النص المثير للجدل في الصفحة 138 تحت باب “النشاط 2: أتعرف وضعيات خطرة من خلال دراسة حالة اعتداء على الأطفال”:

[الوضعية الأولى: «زواج القاصر: … انتُزعت عائشة من بين لُعَبها، وسلمت إلى رجل ينتمي لقبيلة والدها، … لم تلتق به إلا أمام القاضي الذي أبرم عقد زواجهما.. وافق علال بأن يزوج طفلته لصديقه رغم أنها تصغره بـ28 عاما، إذ يقول إن عادات قبيلته … لا ترى البنت إلا في بيت زوجها كيفما كان سنها» بتصرف عن الجزيرة نت 2016.] (انتهى الاقتباس)

هذا النص تم فعلا اقتباسه – بتصرف – من تقرير نشرته الجزيرة على موقعها بتاريخ 13 ربيع الأول 1438هـ (13 ديسمبر 2016م). وعلى ما يبدو أن قصة زواج “طفلة” اسمها عائشة التي نشرتها الجزيرة، قصة حقيقية، ووقعت في إحدى قبائل دکالة بمدینة الجدیدة الساحلیة في المغرب. حيث تقول رواية الجزيرة التالي: [في جلسة كان الحديث فيها دون ضوابط، وافق عبد الرحيم بأن يزوج طفلته لصديقه رغم أنها تصغره بـ 28 عاما، إذ يقول إن عادات قبيلته بنواحي الجديدة غربي المغرب”لا ترى البنت إلا في بيت زوجها كيفما كان سنها”.

عاد والد عائشة وهو فلاح بإحدى قبائل دكالة بمدينة الجديدة الساحلية منتشيا يزف الخبر، ظنا أنه “سيزيح عنه هم الخوف على شرف طفلته الذي يقض مضجعه”، مؤكدا أنه “حرمها من التعليم لأنه كان مرعوبا من هذا المشهد المختبئ في ذهنه“.

… انتزعت عائشة من بين لعبها، وسلمت إلى رجل ينتمي لقبيلة والدها، لكنها لم تلتق به إلا أمام القاضي الذي أبرم عقد زواجهما.

تقف اليوم عائشة على أطلال ما فات من سنوات عمرها وسط أحلام تصغر كلما كبرت طفلتها التي بلغت عامها الثاني، وتروي حكايتها لـ “الجزيرة نت” وهي تنظر في صورة معلقة على حائط غرفتها قالت إنها “التقطت لها قبل زواجها”، بدا وجهها في الصورة مشرقا وملامحها طفولية، لكنها اليوم جسد هزيل ووجه نحيف وعينان يبدو عليهما تعب شديد.

تتذكر تفاصيل عام ونصف العام فقط قضته في منزل زوجها ذي الأربعين عاما، قالت بعينين دامعتين إنه “كان يضربها بشدة ويشتمها باستمرار”] (انتهى الاقتباس).  

هل يتضمن نص الكتاب المدرسي تعريضا بالرسول؟

الذين رأوا في نص الكتاب المدرسي تعريضا بالرسول صلى الله عليه وسلم، خلصوا لهذا الحكم، استنادا لتطابق عدة نقاط في النص المدرسي مع قصة زواج الرسول صلى الله عليه وسلم بعائشة الصِدِّيقة ابنة الصديق، أم المؤمنين رضي الله عنها، واعتبار هذا الزواج يمثل حالة “اعتداء على الأطفال”. ففي النص المدرسي تم تسمية الطفلة عائشة، وهناك الفارق الكبير في السن بين طفلة الرواية المدرسية وزوجها، تماما كما كان هناك فارق السن الكبير بين عائشة رضي الله عنها والرسول، مع الذكر أن فارق السن بين الأخيرين كان أكبر. وهناك الصداقة بين أب عائشة في رواية الكتاب المدرسي وزوجها، تماما كما كان أبو بكر الصديق، والد عائشة رضي الله عنها، صديق الرسول. كما أن والد عائشة في رواية الكتاب المدرسي ينتمي لنفس قبيلة زوج ابنته عائشة، تماما كما كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه ينتمي لنفس القبيلة التي ينتمي إليها الرسول. وتم في الرواية المدرسية الحكم على هذا الزواج، أي زواج الرسول بعائشة، بأنه كان جُرما واعتداء على الطفولة!

قد يحاول البعض نفي تهمة التعريض بالرسول، بحجة أن رواية عائشة المغربية “القاصر” وقصة زواجها برجل أكبر منها بـ28 عاما قصة حقيقية، وأن التطابق بين تفاصيل قصة زواج عائشة المغربية وعائشة القرشية زوج الرسول إنما محل صدفة فحسب.

لكن هذا التبرير لا يصح، والرد عليه كالآتي:

الذين وضعوا النص المدرسي اقتبسوا قصة زواج عائشة المغربية – وهي على ما يبدو قصة حقيقية فعلا – من تقرير لقناة الجزيرة كما سبق الذكر، اقتبسوها بتصرف، حيث عمدوا الى تغيير اسم والد عائشة من عبد الرحيم الى علال، لكنهم تركوا اسم عائشة. فلماذا لم يغيروا اسم عائشة أيضا ليزيل كل التباس وكل شبهة بالتعريض بالرسول؟ فلو كان الغرض هو نقاش موضوع زواج “القاصرات”، دون المساس من قريب أو بعيد بالرسول، لعمد مُحرِّروا النص المدرسي الى تغيير اسم الطفلة، واختاروا لها اسما آخَرًا، تماما كما غيروا اسم والدها. ومن ثم فهذا دليل قاطع على أن محرري هذا النص المدرسي تعمدوا التعريض بالرسول.

القائمون على سياسة التعليم في المغرب، كما هو حال كل الدول في العالم الإسلامي، مقتنعون بأن زواج الرسول بعائشة جريمة، يتبنون بذلك رأي الغرب، ومقتنعون بأن أحكام الإسلام لا توافق العصر، ويجب محاربتها، وأن أهم وأنجع وسيلة لذلك، يكون عن طريق الأطفال، … عن طريق إنشاء أجيال جديدة تستنكر جملة وتفصيلا سيرة الرسول وسنته، وتشمئز من أحكام القرآن وقصصه، تُخضِع دين الإسلام وشريعته لمسطرة الأفكار والقوانين الغربية، فما خالفها من الكتاب والسنة يجب إلغائه.

زواج “القاصر” نموذج للعشوائية والتناقض الفاضح بين مواد القانون ومواد مناهج التعليم في المغرب

زواج عائشة المغربية ذات 12 عاما برجل يكبرها بـ28 سنة، ليس جريمة حسب القانون المغربي نفسه، إذ زواجها تم عن طريق القضاء المغربي واستنادا للقانون المغربي. فالمادة 20 من مدونة الأسرة (القانون المغربي) تقول: [لقاضي الأسرة المكلف بالزواج، أن يأذن بزواج الفتى والفتاة دون سن الأهلية المنصوص عليه في المادة 19 أعلاه، بمقرر معلل يبين فيه المصلحة والأسباب المبررة لذلك، بعد الاستماع لأبوي القاصر أو نائبه الشرعي والاستعانة بخبرة طبية أو إجراء بحث اجتماعي. مقرر الاستجابة لطلب الإذن بزواج القاصر غير قابل لأي طعن.].

فكيف يجيز القانون المغربي زواج “القاصر” (بغض النظر عن بطلان تعريفهم للقصور) ويعتبره قانونيا، إذا تم الزواج عن طريق قاض، ثم تعتبر مناهج التعليم المدرسي أن هذا الزواج القانوني اعتداء على الأطفال؟

فلا يُستغرب إذًا نشأة شخصيات متناقضة عشوائية، تعكس عشوائية النظام ومؤسساته في المغرب، فالطفل الذي يعلم من جهة أن زواج “القاصر” قانوني وحق مشروع حسب الدستور المغربي، ثم يُلقن من ناحية أخرى في المدارس أن زواج القاصر جريمة واعتداء على الطفولة، سيكون قطعا مضطربا عشوائيا.  

هل نقاش موضوع زواج “القاصرات” محله كتاب مدرسي لأطفال قاصرين لم يبلغوا الرشد؟

ليس هناك حرج في نقاش موضوع زواج “القاصرات”، لكن موضوعا من هذا النوع، موضوع شائك، محل نقاشه يكون في مجالس أهل العلم، يكون بين العلماء والقضاة، لا بين الأطفال، ومن ثم لا يجوز تناوله في كتاب مدرسي، ناهيك عن تناوله من وجهة نظر واحدة، وجهة نظر الغرب، وإقصاء ميزان الإسلام ونظرته بالكلية، بل وتجريم مقياس الإسلام وأحكامه. فالموضوع يتم تناوله انطلاقا من تعريف الغرب للقصور ومقياسه هو له. فالطفل المسلم تُقدَّم له نظرة الغرب على أنها هي الحقيقة، ليستنكر (أي الطفل) على أساسها أحكام الإسلام ويجرمها، بل وفي هذا الموضوع الذي نحن بصدده يجرم الرسول صلى الله عليه وسلم، إذ حسب نظرة الغرب، اعتدى الرسول (حاشاه) على طفلة! 

ما هي المشاكل الحقيقية التي يجب التطرق إليها في قصة عائشة المغربية؟

المشكلة في القضية التي عرضتها قناة الجزيرة واقتبسها المسؤولون عن التعليم المدرسي في المغرب – بتصرف –، لها عدة جوانب، جانب السن فيها ليس مشكلة أصلا، كما بينت فيما سبقت، فالزواج تم بحكم قضائي واستنادا لقانون مدونة الأسرة المغربي، ناهيك عن الاستناد لمقياس وتعريف باطل للقصور والبلوغ.

لكن الجوانب التي تستحق النقاش، ويجب معالجتها حسب أحكام الإسلام وليس حسب قوانين الغرب، هي، مثلا:

  • هل تزوجت عائشة (المغربية) الرجل عن رضاها؟ وما هي الأدوات والأساليب التي يمكن أن نضمن من خلالها عدم إجبار أي إنسان، ذكرا كان أم أنثى، صغيرا أم كبيرا، على الزواج بشخص دون رضاه؟
  • وهل منح الزوج زوجته “القاصر” كل حقوقها وعاملها معاملة حسنة؟
  • وهل منعها زوجها من اللعب بلُعَبها؟
  • وهل منعها من الدراسة والتعلم؟

إعادة النظر في مفهوم “القاصر”

كما هو الحال في مختلف شؤون الحياة، تبنت الدول القائمة في العالم الإسلامي اليوم، مفهوم الغرب لمعنى القاصر، فجعلوا السن هو وحده المقياس لتحديد القاصر، بل وجعلوا التقويم على أساس السنوات الشمسية وليست القمرية. وكما هو معلوم، السنة القمرية التي يعتمدها المسلمون، أقصر من السنة الشمسية التي يعتمدها الغرب. فكل من لم يبلغ 18 سنة شمسية، فهو قاصر، حتى لو كان لا يفصله عن 18 سنة إلا يوما واحدا! فما هي الأدلة التي استند عليها الغرب لتحديد النضج والبلوغ، ومن ثم انتفاء القصور، ببلوغ سن 18 سنة شمسية، لا يجوز أن ينقصها يوم واحد؟ لماذا فصل الغرب السن عن البلوغ الفطري – الجسدي –، فتجد مثلا شابا فحلا مفتول العضلات، قوية البنية، سليم العقل، يرتكب جريمة قتل في بعض دول الغرب، ومع ذلك لا يُعاقب على الجريمة الشنعاء إلا عقوبة يسيرة خاصة بالقاصرين لأنه لم يبلغ 18 سنة شمسية، يقضيها في مصلحة تربية لبضع أشهر أو بضع سنين – لا تتجاوز عشر سنوات على أقصى تقدير –؟ هل هذا عدل؟

لماذا تبنى المسلمون مفهوم الغرب للقصور ومقياسه، وتركوا مفهوم الإسلام ومقياسه، مع أن علماء المسلمين، منذ عهد الصحابة، فصلوا في هذا الأمر وبأدلة قوية، شرعية وعقلية وفطرية؟ فخلافا للغرب الذي حدد القصور حصريا بعدد السنين الشمسية، حدد علماء المسلمين البلوغ عموما، ومن ثم انتفاء القصور، بحصول واحد من أمور ثلاثة، منها ما هو مشترك بين الذكر والأنثى، ومنها ما هو خاص بأحدهما، ومنها ما هو عبارة عن علامات جسدية طبيعية – فطرية –:

  • الاحتلام.
  • أو نبات الشعر الخشن حول العانة.
  • وإذا لم يظهر أحد العلامات الجسدية المشار إليها فوق، فيُعتبر بالغا ببلوغ 15 سنة قمرية، بغض النظر عن الظواهر الجسدية. العلماء الذين وضعوا هذا الشرط، استندوا لفعلٍ للرسول حيث أجاز مشاركة ابن عمر في الحرب لما بلغ 15 سنة، ولم يجزه وهو ابن 14 سنة.

ومن ثم فبلوغ الانسان، حسب مقياس الإسلام، يحصل في العادة قبل أو ببلوغ سن 15 سنة قمرية (أي حوالي 14.5 سنة شمسية)، حتى لو لم تظهر العلامات الطبيعية لخلل جسدي ما (هذا من ناحية العموم والسائد، أما الحالات الخاصة والاستثنائية، فلها حكمها الخاص). إذًا البلوغ في الإسلام ليس مرتبطا بسن محدد، ومن ثم فسن البلوغ يختلف من إنسان لإنسان، فمتى ظهرت العلامات الجسدية الطبيعية لدى الإنسان، يصبح بالغا بغض النظر عن عمره، حتى لو كان عمره 10 سنوات، وتصبح تأدية الواجبات الشرعية فرضا عليه، كالصلاة والصيام وستر العورة الخ، كما يصبح جائزا له أو لها الزواج ما إن توفرت الأهلية العقلية لذلك، بالإضافة للأهلية المادية للذكر. وهذا المقياس الفطري الطبيعي للبلوغ الذي أقره الإسلام لا يتغير أبدا بتغير الأزمنة، فهو صحيح وثابت في كل زمان ومكان.

ترقيع القوانين الغربية لمخالفتها للفطرة

جعل الغرب حق الزواج جائزا دون موافقة الولي، إذا بلغ الانسان 18 سنة. لكن نظرا لحالات الحمل المتزايدة للنساء دون 18 سنة، ومن ثم نظرا لمخالفة قوانين الغرب للفطرة، فقد اضطرت بعض دوله الى إدخال ترقيعات على قوانين الزواج، فيحق مثلا في بعض دول الغرب للبنت الزواج في سن 16 أو 15 أو حتى 13 سنة، بموافقة ولي أمرها!  

فخذ على سبيل المثال لا الحصر ولاية نيوهمشر في امريكا، حيث خفضوا أدنى سن الزواج بالنسبة للفتيات الى 13 سنة، والى 14 سنة بالنسبة للذكور، شرط موافقة الوالدين وقاضٍ على الزواج.



 

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

د. هشام البواب

الدكتور هشام البواب، ناقد ومحلل سياسي واجتماعي مستقل . مقالاته تشمل موضوعات سياسية واجتماعية وفقهية وعلوم تجريبية :::::: بعض كتابات الدكتور هشام البواب في الرابط التالي: https://atanwir.com/منشورات-الدكتور-هشام-البواب ::::::: hicbou1@mailfence.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Enter Captcha Here : *

Reload Image

زر الذهاب إلى الأعلى