علوم شرعية وفقهية

«المسلمون الوُدَعاء» وجدل ترحمهم على الكفار: جامِل بما تملك وليس بما لا تملك (الجزء الأول)

عرضت في مقال سابق تحت عنوان: «لماذا يجب التصدي لمن يترحم على الميت الكافر؟» أدلةً من القرآن والسّنة النبوية تحرم تحريما قطعيا الترحم على من مات على غير ملة الإسلام والاستغفار له، ومن ثم لن أعيد سرد تلك الأدلة، وسأتابع الرد على شبهات يستسيغ بها البعض الترحم على الكفار.

حرمة الترحم على الكفار والاستغفار لهم ليست مسألة خلافية

أولا، مسألة الترحم على من مات كافرا والدعاء له بالمغفرة، ليست مسألة خلافية كما يدعي أصحاب الهوى الذين باتوا يُعرفون بـ «المسلم الوديع أو اللطيف»، وهم في الغالب لطفاء ووُدَعاء مع الكفار والضُّلال فقط أو مع الحكام الطغاة، لأنهم يخشونهم ويسعون جاهدين لمجاملتهم وإرضائهم، لكنهم أشداء على المؤمنين، لذلك سأطلق عليهم لقب «المسلمون الوُدعاء مع الكفار». … فالمسألة ليست خلافية لأنه وردت فيها نصوص من القرآن والسنة قطعية الثبوت قطعية الدلالة، فإن خرج عالم أو شيخ بقول شاذ عن قول الله أو رسوله القطعي الدلالة، فقوله (أي العالم أو الشيخ) مردود، ولا يُعتبر خلافا معتبرا، فقول العالم ليس دليلا، وإنما يحتاج لدليل من القرآن والسنة. فالخلاف المعتبر في الإسلام هي الاجتهادات في المسائل التي وردت فيها نصوص ظنية الدلالة، وتكون الاجتهادات مستنبطة من أدلة من القرآن أو السنة، تجمع كل النصوص المتعلقة بالمسألة ولا تسقط أو تجتزئ منها ما لا يوافق الهوى، فتتفاوت تلك الاجتهادات في قوة أدلتها، فيُؤخذ بالاجتهاد ذي الدليل الأقوى. وقد تكون بعض الاجتهادات في مسألة ما صحيحة كلها، جائزة الاتباع، لأن الله أراد لها (أي تلك المسألة) حُكمين أو أكثر.   

هؤلاء «المسلمون الوُدَعاء مع الكفار» (الأشداء على المسلمين) – كعادتهم – يبحثون عن أي مسوغات، لتسويق أباطيلهم وانحرافاتهم، فلا يهم إن تم الاستشهاد بحديث مكذوب أو ضعيف، أو بأثر لصحابي أو لعالمٍ لم يثبت عن الرسول، أو ترك قول الله والرسول والاستشهاد برأي شاذ لصحابي أو لبعض العلماء مخالف لنصوص قطعية الدلالة من القرآن والسنة (وكأننا أُمِرْنا أن نتبع آراء الناس وليس قول الله ورسوله)، أو لي عنق نصوص القرآن والسنة للخروج بتفسير يوافق المُراد والهوى، أو إخراج أحكام شرعية عن مناط حكمها، أو إخراج مصطلحات عن مفاهيمها الشرعية والتلاعب بتفسيرات لغوية أو فلسفية الخ، وقد يلجؤون حتى للتدليس والكذب، مثلا باجتزاء كلمات من آية أو حديث نبوي أو من أقوال العلماء لتصديرها وكأنها دليل على صحة من يدعون إليه من باطل، الى غير ذلك من المسوغات الباطلة المعلومة لدى كل من له عقل.

من بين ما فعله صنف من «المسلمين الوُدعاء مع الكفار»، الذين حاولوا إمساك العصا من الوسط، هو التفريق بين الترحم على الميت الكافر والدعاء له بالمغفرة، فجوَّزوا الأولى وحرَّموا الثانية.

بطلان التفريق بين الرحمة والغفران، فكلاهما لا يجوز الدعاء به للكافر

من بين ما استدل به بعض هؤلاء، كالشيخ بسام جرار، هو أن القرآن والسنة لم يتكلما عن الترحم على الكفار ومن ثم ليس هناك دليل يحرم ذلك، وتحدى الشيخ أن يأتيه أحد بدليل من القرآن والسنة يحرم الترحم على الكافر الميت.

اقرأ أيضا الرد على بسام جرار: «من زوال إسرائيل عام 2022 الى تمددها ابتداء من 2020، الجزء الأول»

لا عجب أن يخفى على رجل يعبث بالقرآن بتحويله إلى مجموعة أرقام وحسابات وتكهنات وتنجيم، لا عجب أن يخفى عليه أدلةٌ من القرآن والسنة تُحَرِّم الترحم على الكافر حيا وميتا، أدلة يعرفها التلميذ المبتدئ في طلب العلم الشرعي، ومن بينها قول الله سبحانه {وَاكْتُبْ لَنَا فِي هذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ، قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ، فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ} (سورة الأعراف، الآيات 156ـ157). {هُدْنَا إِلَيْكَ} = أي تُبْنا إليك. فهذه الآيات القرآنية تدل دليلا قاطعا على أن الله استثنى من رحمته يوم القيامة الذين لم يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به، إيمانا بالقول والعمل {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ}. (الرحمة الخاصة هنا هي الرحمة يوم القيامة، أما رحمة الله بخلقه في الدنيا فهي تشمل الكل، الكافر والمسلم، الحيوان والنبات والحشرات والجماد).    

الشيخ جرار قال عمن يستغفر للكافر أنه يستهزئ بآيات الله، لأن الله حرم الاستغفار لهم، وأنا بدوري أقول له: نفس الشيء ينطبق على من ترحم على الكفار، إذ يستهزئ بآيات الله ويتحداه سبحانه، لأن الله قضى ألا تشمل رحمته يوم القيامة الكفار، فيطلب هو أن يرحمهم الله، يتأله على الله.

وهناك أدلة من السنة النبوية تحرم الترحم على الكفار، كالحديث الذي رواه الصحابي أَبِي مُوسَى، قال: “كَانَ الْيَهُودُ يَتَعَاطَسُونَ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْجُونَ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ يَرْحَمُكُمْ اللَّهُ، فَيَقُولُ (أي الرسول) يَهْدِيكُمُ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ” (مسند الإمام أحمد وسنن الترمذي). “يَتَعَاطَسُونَ” أي يتعمدون العطس لعلهم يدعوا لهم نبي الله بالرحمة. فالمعلوم أن تشميت المسلم (الدعاء له بالرحمة إذا عطس وحمد الله) واجب، كما ورد عن الْبَرَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: “أَمَرَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَبْعٍ وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ، أَمَرَنَا بِعِيَادَةِ الْمَرِيضِ وَاتِّبَاعِ الْجِنَازَةِ وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ ….” (صحيح البخاري)، لكن الرسول كان يمتنع عن الدعاء لليهود بالرحمة، واكتفى بالدعاء لهم بالهداية، أي الهداية للإسلام، لأن الدعاء بالرحمة للكافر لا تجوز. فمن نَتَّبِع فِعل الرسول، أم هوى «المسلمين الوُدعاء مع الكفار»؟

الرحمة في الآخرة هي الجنة

ثم إن الرحمة يوم القيامة تعني دخول الجنة، ففي الآخرة جنة أو نار، وليس غيرهما شيء آخر، وليس بينها أشياء أخرى، فمَن رحِمَه الله أدخله الجنة، فليست هناك رحمة في الآخرة غير دخول الجنة، فالرحمة هي الجنة، فمن دعا لكافر ميت بالرحمة، فقد دعا له بالجنة التي تحرم عليه. قَال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَنْ يُنَجِّيَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ» قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ صلى الله عليه وسلم: «وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَةٍ» (صحيح البخاري)، فالنجاة من النار ودخول الجنة هي الرحمة عينها.

وقال الله سبحانه: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ، يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ، فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ، وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (سورة آل عمران). فالله يتحدث هنا عن يوم القيامة، ويقول سبحانه {فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}: أي في جنته خالدون.

وقال الله سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّه أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (سورة البقرة)، {أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ}: أَيْ يَطْمَعُونَ أَنْ يُدْخِلُهُمْ جَنَّتَهُ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ.

أما الدكتور علي محيي الدين القره داغي، الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين (الاتحاد المعروف بتوجهه العلماني)، فقد استدل – كغيره من «المسلمين الوُدعاء مع الكفار» – في “فتوى حول استعمال لفظ الشهيد والدعاء بالرحمة لغير المسلمين” بحديث “عَمِّ الرسول في ضحضاح من نار”. والرواية في الصحاح تقول أن العبَّاس بن عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ نَفَعْتَ أَبَا طَالِبٍ بِشَيْءٍ؟ فَإِنَّهُ كَانَ يَحُوطُكَ وَيَغْضَبُ لَكَ. قَالَ الرسول صلى الله عليه وسلم: «نَعَمْ هُوَ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ نَارٍ، وَلَوْلَا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ» (صحيحي مسلم والبخاري).

والاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، ساهم في ترسيخ نفسية وعقلية وشخصية «المسلم الوديع مع الكفار» (الشديد على المسلمين)، وكان له سبق في الترحم على الكفار، وذلك على لسان رئيس الاتحاد السابق، الشيخ يوسف القرضاوي، حيث ترحَّم سنة 1426هـ (2005م) على أسقف روما ورأس الكنيسة النصرانية الكاثوليكية، يوحنا بولس الثاني، أمام مئات ملايين المسلمين المشاهدين لقناة الجزيرة (قناة الجزيرة ساهمت منذ تأسيسها، بشكل مؤثر وفعال، في ترويض المسلمين على كثير من الأفكار والمواقف المخالفة لدينهم، فمثلا كان لها السبق في إدخال إسرائيل وجنودها وسياسييها الى بيوت المسلمين بحجة “الرأي والرأي الآخر”، وترويضهم على تقبل “الإسرائيلي” وتفهم مواقفه وحججه).

اقرأ أيضا: «الجزيرة تسارع لإنقاذ فرنسا من حملة المقاطعة وتبييض وجه ماكرون ومنحه منصة لجلد المسلمين»

عودة لفتوى الدكتور علي محيي الدين القره داغي:

أولا، الرسولُ لم يدعو اللهَ ليخفف العذاب عن أبي طالب، كما ادَّعى الدكتور علي محيي الدين القرة داغي، فهذه إضافة مكذوبة. حاشا للرسول أن يخالف أمر الله الذي حرم عليه الدعاء للكفار ولو كانوا من ذي قربى {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} (سورة التوبة). ثم إن الرسول قال في حديث آخر: «اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لأُمِّي فَلَمْ يَأْذَنْ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُهُ أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأَذِنَ لِي» (صحيح مسلم). فالله لم يأذن للرسول الاستغفار لأمه وهي ماتت قبل بعثته صلى الله عليه وسلم، وهي أقرب إليه من عمه، فكيف سيدعو بالرحمة لعمه الذي رفض الإيمان به كرسول واتباع رسالته!

ومن ثم لا يجوز الاستشهاد بهذه الرواية لتجويز الدعاء للميت الكافر بالرحمة، إذ الرسول لم يدعو لعمه أبا طالب بالرحمة بعدما مات على الكفر، ناهيك عن أن الرحمة يوم القيامة هي الجنة نفسها – كما سبق الذكر –. مادام الكافر سيدخل جهنم، فلا مقام للحديث عن الرحمة، فجهنم لا رحمة فيها، جهنم هي العذاب عينه أيًّا كانت درجة العذاب، كما أن الجنة هي النعيم عينه بغض النظر عن درجات النعيم التي سينالها المسلم! فهل هناك عذاب رحيم وعذاب غير رحيم؟ هل العذاب الخالد رحمة؟ من الجهل اعتبار درجات معينة من جهنم رحمة! فلا يجوز استعمال مصطلح الرحمة في مقام جهنم، في مقام العذاب.

أما كون عم الرسول سيلقى عذابا أقل في الآخرة، فذلك سيكون بسبب شفاعة الرسول له يوم القيامة وليس بسبب دعاء الرسول له في الدنيا بالرحمة، ثم إن هذا أمر خاص بشفاعات الرسول لا تجوز لغيره، ففي رواية في صحيح البخاري أن رسول الله حين ذُكِرَ عِنْدَهُ عَمُّهُ أبو طَالِبٍ، قالَ: «لَعَلَّهُ تَنْفَعُهُ شَفَاعَتي يَومَ القِيَامَةِ، فيُجْعَلُ في ضَحْضَاحٍ مِنَ النَّارِ يَبْلُغُ كَعْبَيْهِ، يَغْلِي منه أُمُّ دِمَاغِهِ».

أما القول بأن الآية {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} (سورة النساء) تدل على أنه لا يجوز الدعاء بالمغفرة على جريمة الشرك، لكن تجيز الدعاء للكفار بغفران ما عدا ذلك من ذنوبهم، فهذا قول مردود، إذ – أولا – الآية هنا تتحدث عن شأن خاص بالله سبحانه يوم القيامة، هو الذي يغفر ما يشاء من الذنوب غير الشرك والكفر لمن يشاء، أما الحكم الخاص بالمسلمين في الدنيا فهو الذي حسمته بوضوح الآية التي تحرم استغفار المسلم للكافر، أيا كانت ذنوبه {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} (سورة التوبة). هذا بغض النظر عن أن الأرجح – بربط آية {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} بآيات أُخر – أن الإيمان بالله ورسوله محمد شرط لإمكانية غفران الله ما بعد ذلك من الذنوب، أي {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} من “المؤمنين” وليس من الكافرين.

ثم لو سلمنا جدلا أنه يجوز للمسلم الدعاء للكافر بأن يغفر له الله ذنوبه غير ذنب الشرك أو الكفر، فما نوع الذنوب التي يجوز للمسلم طلب الله أن يغفرها له (أي للكافر)؟ قطعا لن يحق للمسلم طلب غفران إلا ذنوب الكافر المتعلقة بحقوق شخصية لذلك المسلم، ومن ثم لا يجوز الدعاء بالمغفرة المطلقة، وإنما تحديد الدعاء بالتنازل عن حق شخصي للمسلم. فقد يجوز له أن يسامح الكافر على سرقته ماله الخاص أو بيته الخاص (لكن ليس مال وبيت غيره)، أو يسامح كافرا شتمه أو ضربه، الى غير ذلك من الذنوب المتعلقة حصريا بحقوق شخصية لذلك المسلم، لكن لا يجوز له أبدا الدعاء بغفران ذنوب الكافر المتعلقة بحقوق الله والأنبياء أو حقوق أناس آخرين أو حقوق حيوانات.   

أبو جهل شهيد غزوة بدر، وقتلى الجيش الإسرائيلي شهداء الوطن

حين حوصر «المسلمون الوُدَعاء مع الكفار» (الأشداء على المسلمين) بالأدلة القطعية ضد وصفهم للكافر الميت بالشهيد، ولم يجدوا مفرا، بدلا من التراجع عن غيهم وزيغهم، خرجوا بأعذار أقبح من ذنبهم المتمثل بوصف الكافر شهيدا، فقالوا أن هناك معاني شرعية ولغوية لمصطلح الشهيد وأن هناك شهيد الدنيا وشهيد الآخرة، وأن هناك عدة أنواع من الشهداء: “شهيد الوطن” و”شهيد الرسالة” و”شهيد الكلمة” و”شهيد الحقيقة”، الخ. هذا تلاعب مخجل ومقزز، فالمعاني اللغوية لكلمة شهيد ليس محلها وفاة أو مقتل شخص، لأن هنا يجب التزام المصطلح الشرعي حصريا، وهو المصطلح الذي يتبادر لذهن كل المسلمين ولا يفهمون غيره.

أما إن جاز وصف شخص بشهيد ويُقصد به “شهيد الوطن”، فإذًا كل جنود جيش الاحتلال الإسرائيلي الذين قُتلوا دفاعا عن إسرائيل شهداء، شهداء الوطن، ولا يحق للمسلم – بعدما فتح الباب على مصراعيه بالمروق من المصطلح الشرعي لمفهوم الشهادة والذي ينحصر شرعا في الموت في سبيل تحكيم شرع الله المنزل على محمد – أن يحدد هو للغير القضايا الوطنية العادلة والمقبولة من غيرها والتي تستحق لقب الشهادة. فمادام المسلم تحاكم للمفهوم اللغوي ولمفهوم الوطن والهوى وللنظرة الشخصية بعيدا عن حكم الله، فهو ملزم بوصف قتلى الجيش الإسرائيلي بالشهداء، ومن ثم لا يجوز مثلا الإنكار على الإمارات احتفالها مع السفارة الإسرائيلية في أبوظبي بإحياء “ذكرى شهداء إسرائيل في حروبهم ضد المسلمين وضد الإرهاب“.

فما إن انسلخ المسلم عن المفهوم الشرعي للشهادة، وفتح الباب على مصراعيه لمفاهيم لغوية وفلسفية وسياسية وغيرها، فلا يحق له بعد ذلك تحديد حدود وشروط استحقاق لقب “شهيد الوطن” أو غيرها من أصناف الشهادات المبتدعة. من أعطى لنفسه حق الاستدراك على الله سبحانه ورسول محمد صلى الله عليه وسلم، فالأولى أن يستدرك عليه عامة الناس ويلزموه بمفهومهم لمصطلحٍ ما ومقتضياته.

وفي نفس السياق وتبعا لما سبق، فأبو جهل شهيد غزوة بدر، بل له شهادتين، شهيد الوطن بموته دفاعا عن قريش وأموالها (قافلة قريش التي خرج جيش المسلمين لوضع يده عليها)، وشهيد لأنه حضر غزوة بدر (شهدها وشارك فيها).

ثم من قال لـ «المسلمين الوُدَعاء مع الكفار» أن الإسلام يقر أصلا الأوطان (الأوثان) التي زرعها المستعمر (المستخرب) الغربي في بلاد المسلمين ويقر تجزئة المسلمين لدويلات وطنية؟  

أما تقسيم علماء المسلمين الشهادة إلى ثلاثة أقسام، فهذا التقسيم لا يجوز القياس عليه لتوسيع دائرة الشهادة وشروطها وإضافة أصناف أخرى من الشهادة، إذ الشهادة بكل أصنافها مسألة توقيفية، نتوقف عند ما قطع الوحي بأنه يُعتبر شهادة. تقسيم الشهادة الى ثلاثة أقسام كان استنادا لأحاديث للرسول صلى الله عليه وسلم، استُنبط منها: شهيد في الدنيا والآخرة، وهو المقتول في حرب ضد الكفار لإعلاء كلمة الله سبحانه، وشهيد في الآخرة دون أحكام الدنيا كالذين ذكر الرسول في حديث «ما تعدون الشهيد فيكم؟»، وشهيد في الدنيا دون الآخرة، كمن قتل في حرب ضد الكفار لكنه غَلَّ (أي أخذ لنفسه من الغنيمة قبل قسمتها) أو كانت نية قتالة ليست إعلاء كلمة الله.

إلا أن هذه التقسيمات الثلاث للشهادة خاصة – أولا – بدائرة المسلمين حصريا، خاصة بأمة محمد حصريا، فمن مات كافرا لا يُصنف في أي قسم من الأقسام الثلاثة للشهادة، حتى لو مات بنفس أحد الأسباب المذكورة في حديث الرسول، وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: «ما تعدُّون الشهداءَ من أمتي» (“من أمتي” وليس من النصارى أو اليهود أو المشركين أو العلمانيين الخ)، ولقوله صلى الله عليه وسلم «إنَّ شُهداءَ أمَّتي إذًا لَقَليلٌ»، الرسول حصر الشهادة في أمته.

ثانيا، تقسيمات الشهادة الثلاث المتعلقة بالمسلمين، أغلب صور الوفاة المدرجة تحتها، تتعلق بالآخرة، تتعلق بالثواب في الآخرة.

ثم إننا قد نحسب شخصا قُتل في أرض المعركة ضد الكفار شهيدا، ونعامله في الدنيا معاملة الشهيد كأن لا يُغسل الخ، لكن الله أظهر حقيقته يوم القيامة بأن نية قتاله كانت من أجل شيء آخر غير إعلاء شرع الله في الأرض، كمن قاتل من أجل المال أو السمعة أو الحظوة. أما من عُلِم موته (وهو مسلم) من أجل حماية حدود سايكس بيكو مثلا، أو حماية حكم الملك أو الرئيس، أو من أجل الديمقراطية، أو لإنشاء دويلة وطنية علمانية تتحاكم لقوانين الكفر حتى لو كانت تلك الدويلة في فلسطين وعاصمتها القدس، الخ، فهؤلاء لا يُعدون بحال من الشهداء لا في الدنيا ولا في الآخرة، لا يندرجون تحت أي قسم من أقسام الشهادة.

(يتبع في الجزء الثاني)



 

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

د. هشام البواب

الدكتور هشام البواب، ناقد ومحلل سياسي واجتماعي مستقل . مقالاته تشمل موضوعات سياسية واجتماعية وفقهية وعلوم تجريبية :::::: بعض كتابات الدكتور هشام البواب في الرابط التالي: https://atanwir.com/منشورات-الدكتور-هشام-البواب ::::::: hicbou1@mailfence.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Enter Captcha Here : *

Reload Image

زر الذهاب إلى الأعلى