«المسلمون الوُدَعاء» وجدل ترحمهم على الكفار: جامِل بما تملك وليس بما لا تملك (الجزء الثاني)

تقدم في الجزء الأول تبيان أن حرمة الترحم على الكفار والاستغفار لهم ليست مسألة خلافية، وأن التفريق بين الرحمة والغفران باطل، كلاهما لا يجوز الدعاء به للكافر، وبينت أنه يجب التزام المفهوم الشرعي للشهادة (الموت في سبيل التمكين لشريعة الله في الأرض)، وأنه استنادا للمفاهيم الجديدة للشهادة التي يسوقها «المسلمون الوُدَعاء مع الكفار» (الأشداء على المسلمين)، كـ “شهيد الوطن”، فإن أبا جهل شهيد غزوة بدر، وقتلى الجيش الإسرائيلي شهداء الوطن!
وسأتابع في هذا الجزء الثاني والأخير تفنيد شبهات الذين يجيزون الترحم على الكافر الميت.
جامل الكفار بما تملك وليس بما لا تملك
الشهادة والثواب والعقاب، والرحمة (الجنة) والعذاب (جهنم)، كلها أمور متعلقة بالآخرة، لا يملك حق التصرف فيها إلا الله سبحانه وحده، فهو الذي حدد شروط الثواب والرحمة وشروط دخول جنته، وهو الذي حدد شروط الشهادة وثوابها، فلا تجامل الكفار أيها «المسلم الوديع» بمنحهم ما لا تملك، إن كنت تحب مجاملة الكفار بموت أحدهم، فجاملهم بما تملك، جاملهم مثلا بإعطاء ذوي الميت من مالك الخاص تواسيهم به، أو بمنحهم بيتا تملكه، أو إطعامهم، أو بذكر محاسن أعمالهم في الدنيا، أو بإغراقهم بالهدايا وورود الحب يوميا إن شئت، لكن لا تقحم الآخرة، لا تقحم الجنة والرحمة والغفران والشهادة، فهي ملك لله، هو وحده الحاكم والمتحكم فيها، فلا تتأله على الله.
إذا كنت تحب أن يدخل كافر الجنة فاحرص على أن يسْلِم قبل وفاته
إن كنت تريد أن تكون فعلا رحيما بالكفار وترغب في دخولهم الجنة، فادعوهم للإسلام واحرص على أن يسلموا قبل وفاتهم، فالرحمة والغفران يوم القيامة ودخول الجنة لهم باب واحد فقط: هو الإيمان بالله ربا واحدا وبمحمد نبيا واتباع رسالته بالقول والعمل.
فانظر رحمة الرسول بالكفار، واقتدِ به صلى الله عليه وسلم، فعن أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ غُلَامٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَرِضَ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ يَعُودُهُ، فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَقَالَ لَهُ: «أَسْلِمْ»، فَنَظَرَ الغلام إِلَى أَبِيهِ وَهُوَ عِنْدَهُ، فَقَالَ لَهُ أبوه: أَطِعْ أَبَا الْقَاسِمِ، فَأَسْلَمَ الغلام، فَخَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقُولُ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنْ النَّارِ» (صحيح البخاري). فهذه هي المنفعة الحقيقية العملية التي تقدمها للكافر، أما إن تركته يموت على الكفر، فلن ينفعه ساعتها دعائك له وعويلك عليه بعد وفاته، لا تظنن أن مصيره سيغيره دعائك و”رحمتك به” الكاذبة!
فمداهنة الكفار، وتزيين كفرهم، وإقرارهم عليه، ومشاركتهم فيه (مثلا بمشاركتهم احتفالاتهم الدينية الباطلة وتهنئتهم بها والترحم على من مات كافرا)، ثم التباكي عليهم حين يموتون، ورجاء رحمتهم، هذا كذب ونفاق وغش وخيانة، خيانة أمانة الإسلام بعدم تبليغهم إياه.
فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ، فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ، فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ
عجبا للدكتور علي محيي الدين القره داغي، وهو يشغل منصب أمين عام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، أن يفتي بجواز الترحم على الميت الكافر من أجل “جمع شمل مكونات المجتمع الوطني: نصارى ومسلمين وغيرهم”! هل هكذا تُستنبط الأحكام الشرعية، بالنظر لما يرضي الناس أم لما يرضي الله وحسب ضوابط الاستنباط التي شرعها سبحانه؟ ولماذا يظن بعض المسلمين أن الالتزام بأحكام الإسلام يفرق بين الناس ويخلق الفتن ويفسد السلام الاجتماعي، لكن قوانين الكفر تجمع الناس وتصلح حالهم وتُحدث سلما اجتماعيا؟
النصارى واليهود والمجوس وغيرهم من الملل كانوا يعيشون منذ عهد الرسول داخل دولة المسلمين، ولم يجاملهم المسلمون قط بالترحم على موتاهم أو مشاركتهم احتفالاتهم الدينية أو تهنئتهم بها، دون أن يكون ذلك قط سببا في أي شرخ اجتماعي، بل أهل الكتاب (اليهود والنصارى) لم يعرفوا قط في تاريخهم حياة كريمة واطمئنان وحرية في التعبد، كما عاشوها لما كان الإسلام هو الذي يحكم!
فهل نحرف دين الله ونبتكر دينا جديدا، ونجامل الكفار بما حرم الله، حتى يرضوا عن المسلمين؟ ألا يعلم المسلمون قول الله: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ} (سورة البقرة)؟
- وهل أمرك – يا مسلم – الكفارُ أصلا بالترحم على موتاهم؟
- هل غضب قط كافر لأن مسلما لم يترحم على أحد موتى الكفار؟ وهل يهمنا أن يغضب أي إنسان لحكم الله؟
- وهل غضب قط مسلم لعدم ترحم الكافر عليه؟ وهل طلب قط مسلم أن يترحم عليه كافر؟
- وهل دعا قط قسيسٌ لمسلم بالجنة؟
- وهل الكفار يؤمنون بإله المسلمين وجنتهم، حتى يرغبون فيها، وولوجها عن طريق بوابة الإسلام؟
- وهل المسلمون يؤمنون بآلهة الكفار وجنتهم، حتى يرغبون فيها وولوجها عن طريق بوابة النصرانية أو اليهودية؟
المسلمون من شدة الهوان والانهزام النفسي الذي وصلوا إليه وعقدة النقص، أصبحوا يتوهمون حروبا لا وجود لها، يخوضون حروبا مع طواحين الهواء. يظنون أنهم مُجْبَرون على خوض حروب، لم يجبرهم عليها أحد! يظنون أنهم مجبرون على قول شيء، لم يلزمهم به أحد {يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ}. يظنون أنه يجب عليهم من تلقاء أنفسهم (حتى دون أن يُجبروا على ذلك أو يُطلب منهم) المسارعة لمجاملة الكفار، لنيل رضاهم وعطائهم ومدحهم، يعتبرون ذلك كورقة اعتماد لدى الغرب، ليُدخِلهم ضمن نادي اليهود والنصارى المتحضر القوي المهيمن في العالم {فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ، فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ، فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ} (سورة المائدة)!
إذا كان من يُحسبون علماء الأمة وحراس دينها، يتسمون بهذه الدرجة من الانهزامية والضعف والجبن، فيداهنون ويكذبون ويتجرؤون على تحريف الإسلام لإرضاء الكفار، فماذا ننتظر من عوام المسلمين؟ ومتى تقوم للأمة قائمة إذا كان هذا حال علمائها؟ وهل سيبقى من الإسلام شيء، إذا تتالت تنازلات المسلمين عن أحكامه وشعائره؟
هل جامل الرسول قريشا بما يخالف الإسلام حتى تؤمن به أو لتتوقف عن محاربته؟ وهل جامل الرسول يهود المدينة بما يخالف الإسلام حتى يحافظ على “وحدة شعب المدينة”؟ وهل قضايا الأمة الإسلامية يقوم عليها الكفار أو الإعلاميون؟ وهل تنتظر من أهل الذمة المقيمين في بلاد المسلمين أن يقوموا هم بحمل راية الإسلام، وتبني قضايا الأمة، وتحرير فلسطين، وحماية المسلمين، وإعداد العدة لتحرير بلدان المسلمين من هيمنة الدول الغربية وحكامهم العملاء؟ أم ان المسلمون هم المسؤولون عن حماية أهل الذمة والذود عنهم وهدايتهم للإسلام بالتي هي أحسن؟ مالكم كيف تحكمون!
المضحك المُبكي في قضية الترحم على الميت الكافر، أنها صراعات يخوضها المسلمون حصريا فيما بينهم، أصحاب الشأن – ذوي الموتى من الكفار – لم يكونوا قط جزءا في هذا الصراع، لم يطلبوا قط أن يدعوا المسلمون لموتاهم النصارى أو اليهود أو الملحدين بالرحمة والمغفرة ولا أن يصلوا عليهم! الكفار يسخرون من المسلمين ويزيد احتقارهم لهم، حين يروهم يتهافتون ويسارعون لمجاملتهم على حساب دينهم الإسلام.
يجب التحري في دين الانسان عند وفاته لمعرفة كيفية التعامل معه
نصيحةٌ للمسلمين الذين تغلبهم العاطفة ويسارعون للترحم على كل من مات، أن يتريثوا ويسالوا أولا: هل الميت مسلم أم كافر، فإن عُلِمَ أنه مسلم جاز الترحم عليه والدعاء له بالمغفرة والصلاة عليه. وإن تَبيَّن أنه كافر، فلا يجوز الترحم عليه أو الدعاء له بالمغفرة والأجر وجبر المصيبة ولا الصلاة عليه، لأن هذا لا يكون إلا للمؤمن. وجاز ما دون ذلك من التعزية الدنيوية والمواساة بالكلام الطيب كأن يُدعا لأهل الميت الكافر بدوام الصحة والبقاء وكثرة الولد والمال، ومواساتهم ماليا أو بإهدائهم طعاما، وقضاء بعض حاجاته، الخ. هذه أحكام شرعية، هذه أوامر الله وليست رغبات “مسلمين متشددين”!
من جهل مسألة أساسية بديهية بسيطة: “التفريق بين التعزية الدنيوية وبين الدعاء بالرحمة والغفران“، أو استعصى عليه إدراكها، فليتعلم من قساوسة النصارى، الذين لهم مواقف مبدئية ثابتة صريحة واضحة في هذه المسألة، لا يحابون ولا يجاملون (مواقف لا مشكلة عندي معها البتة أنا كمسلم، بل أحترم انسجام مواقفهم مع عقيدتهم)، مواقف يجب على مشايخ «المسلمين الوُدَعاء مع الكفار» أن يخجلوا من أنفسهم حين سماعها، عليهم أن يستحوا ويحفروا جحرا يختبئوا فيه من الخجل.
التثبت من حال الإنسان هل هو كافر أو مؤمن (التثبت من الحال الظاهر وليس السرائر)، ضرورة شرعية وواجبة، إذ يترتب على ذلك إقامة الأحكام الشرعية التي فرضها الله، أحكاما متعلقة بالحقوق والواجبات، والأعراض والدماء والأموال، فمثلا المسلم لا يرث كافرا، ولا كافر يرث مسلما، والمسلمة لا يجوز لها الزواج بكافر، والمسلم لا يجوز له الزواج بمشركة كمجوسية أو ملحدة، والكافر لا يجوز الصلاة عليه ولا الترحم عليه أو الدعاء له بالمغفرة، الى غير ذلك من الأحكام، لذلك قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} (سورة النساء). وقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} (سورة الممتحنة).
تبيَّنوا يا مسلمين من دين الميت قبل المسارعة لتوزيع “صكوك الغفران”!