اجتماع تربية تعليم

الإرهاب والكباب: الوجه غير الإنساني للسويد متمثلا في مكتب الرعاية الاجتماعية (الجزء الأول)

فيلم “الإرهاب والكباب” الذي عُرِض سنة 1412هـ (1992م)، تدور أحداثه في مجمع التحرير، وهو مجمع إداري للخدمات الاجتماعية في مصر، حيث تَوَجَّه إليه أحد المواطنين البسطاء بقصد طلب نقل طفليه من مدرسة بعيدة على مسكنهما الى مدرسة قريبة،ليصطدم بعقبات إدارية واللامبالاة من طرف الموظفين وتماطلهم، بل وليجد نفسه متهما بالإرهاب، فرق الشرطة محيطة بمبنى المجمع الإداري، ووزير الداخلية شخصيا يفاوضه على الاستسلام. فما كان من المواطن إلا أن طلب أكلة كباب لكل الناس الموجودين في المبنى، طلَبٌ يعبر عن تفاهة التهمة ومهزلة موقف النظام الحاكم الذي استنفر مؤسساته الأمنية، بدلا من تحسين خدمة المواطن ومحاسبة الموظفين المقصرين.

لا غرابة أن يقع مثل ذلك الحدث الذي تناوله فيلم “الإرهاب والكباب”، في دويلة سلطوية تُرْهب مواطنيها، وتلفق لهم مختلف أنواع التهم ومن بينها الإرهاب، لمجرد أن ينتقدوا الحاكم أو يطالبون بحقوق، أو يشتكون من ظلم.  

لكن العجب أن نعيش هذه الأيام نسج قصة “الإرهاب والكباب” في دولة كالسويد، دولة تعتبر نفسها من الدول الرائدة عالميا في حقوق الإنسان والحريات والديمقراطية، الديمقراطية التي من أهم أسسها حسب مؤسسيها ومنظريها – بدونها تتحول لديكتاتورية – ليس فقط حق النقد والاحتجاج الفردي والجماعي والتعبير عن السخط عن أي سياسة أو حكم أو قانون أو قرار، بل واجب الدولة الاستماع لكل احتجاج وتعيين لجنة مستقلة يرضى بها المظلوم أو المشتكي، للتحقيق في الشكاية، وإنصاف المظلوم ومواساته وجبر خاطره.

عجبا أن ترد السويد على الاحتجاجات ضد سياسات مكتب الرعاية الاجتماعية، باتهام المحتجين ومن يساندهم إعلاميا ويُوصِل للعالم شكواهم ومعاناتهم النفسية بفراقهم لمن هم أحب إليهم من أنفسهم – فراقهم من أبنائهم –، اتهامهم بالتشدد والإرهاب، وبأنهم يريدون خلق شرخ في المجتمع السويدي ويحرضون على العنف، الخ. بل وصلت درجة السخافة والتفاهة بأن تبني السويد بعض اتهاماتها بالإرهاب بناء على تعليقات أفراد من عامة الناس على مواد ينشرها إعلاميون وأصحاب قنوات إسلامية في مواقع عامة يمكن لأي شخص في العالم أن يعلق عليها بحرية.

«تقرير “هيئة الرعاية السويدية” ..وماذا بعد ..”حملة تهديد ضد السلطات السويدية – إسلاميون يطالبون بهجمات إرهابية”»

عجبا أن تكون من بين أول ردات الفعل العملية للسويد، هو إصدار قرار تهديدي، بأن الدولة سترد بصرامة على كل من يتعرض لموظفي مكتب الخدمة الاجتماعية أثناء تأدية عملهم، قرارٌ الهدف منه ابتداء هو خلق رأي عام ضد المظاهرات والاحتجاجات بأن هدفها العنف، وثانيا قرارٌ استعلائي يقول للمحتجين: نحن لا نهتم لشكواكم وسنستمر في أخذ أطفالكم، رضيتم أو سخطتم.

إنها تمثيلية “الإرهاب والكباب” التي لم تصبح تنطلي على الناس!

عجبا أن تعتبر السويد الاحتجاجات ضد سياسة مكتب الخدمات الاجتماعية، مشوهة للسويد في العالم، ولا ترى أن المشوه الحقيقي للسويد هي السياسات غير الإنسانية لمكتب الخدمات الاجتماعية تجاه الأطفال وآبائهم، والمشوه للسويد هو عدم استجابة المسؤولين لاحتجاجات المتضررين. هذا الموقف الاستعلائي المتعجرف، يُنزل السويد الى مرتبة الدول المتسلطة على الناس، التي لا تقبل المحاسبة ولا تعترف بالأخطاء ناهيك عن إزالتها!

عجبا أن تسارع السويد لتبرئة مكتب الخدمات الاجتماعية دون القيام بتحقيق في “مزاعم” الآباء والأطفال المتضررين، فتسارع لإطلاق تصريحات استعلائية، مفادها أن نظامها المتعلق بالخدمات الاجتماعية سليم ويعمل حسب القانون، وكل الشكاوى كاذبة!؟عجبا أن تقفل السويد الباب أمام المحتجين، ولا تبدي تفهما لإحساس المظلومين وآلامهم، ولا تعلن عن فتح تحقيقات جذرية في كل قضية سحبٍ للأطفال، وإعادة النظر كلية في نظام “حماية” الأطفال وما ترتب عنه من تشتيت لآلاف الأسر وتدميرهم نفسيا، بأخذ أطفالهم وإيداعهم في دور رعاية أو لدى أسر غريبة عنهم، وعدم السماح للآباء برؤية أطفالهم، الخ.  

الأصل في أي شكوى، مهما بدت غير صحيحة أو مفتراه، أن يتخذها المسؤولون بجدية، والاستماع لها، واستضافة المتضررين والمحتجين بحضور محامين وحقوقيين والإعلام، لضمان عدم الضغط عليهم وتهديدهم، ويتسلم المسؤولون رسميا عريضة مطالبهم ومظالمهم، فيتم تخصيص لجنة مستقلة ينتسب إليها أهل القانون وأساتذة جامعيين مختصين في علوم الاجتماع، وممثلين لديانات المحتجين، الخ، لجنة أفرادها من عرقيات وديانات وتخصصات مختلفة، لضمان ما أمكن تحقيقا نزيها.

الدولة العادلة والمحاكم العادلة هي التي تأخذ مظالم الناس على محمل الجد، وتسارع للتحقيق فيها، وتكون عونا للضعيف على القوي، تكون عونا لمواطنين عزل أمام قوة وجبروت مؤسسات كمكتب الرعاية الاجتماعية.

أمثلة من عدل الإسلام في التعاطي مع مظالم الناس 

كان معاذ بن جبل يؤم قومه في الصلاة، فصلى مرة مع النبي صلى الله عليه وسلم العشاء ثم جاء يؤم قومه، فافتتح بسورة البقرة، فانحرف رجل فسلم ثم صلى وحده وانصرف، فقالوا له: أنافقت يا فلان؟ قال الرجل: لا والله، ولآتين رسول الله صلى الله عليه وسلم فلأخبرنه. فأتى رسول الله فقال: يا رسول الله إنا أصحاب نواضح (الإبل التي يُستقى عليها للشجر والزراعة)، نعمل بالنهار، وإن معاذا صلى معك العشاء ثم أتى فافتتح بسورة البقرة. وأراد الرجل، أنه من أصحاب عمل وتعب، فلا يستطيع تطويل الصلاة. فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على معاذ فقال: “يا معاذ أفتَّان أنت، اقرأ بكذا واقرأ بكذا” (صحيح مسلم)، (مما ذُكر أن يقرأ سورة الليل أو سورة الضحى أو سورة الأعلى). قولهصلى الله عليه وسلم (أفتان أنت يا معاذ) أي منفر عن الدين وصاد عنه.

رغم أنه شخص واحد اشتكى من طول صلاة معاذ بن جبل، إلا أن الرسول استمع إليه، وأنصفه على الفور، وطلب من معاذ مراعاة ظروف كل فرد، وتقصير الصلاة. 

وجاء رجل يقاضي الرسولَ في بعيرٍ كان الرسول استعاره منه، فأغلظ الرجل للرسول، فَهَمَّ بِهِ الصحابة لزجره، فمنعهم الرسول وقال: “دَعُوهُ فَإِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالًا” (صحيح مسلم). هذا رسول الله، هذا رئيس دولة المسلمين، هذا سيد البشرية جمعاء، لم يستعلي على الرجل الذي حاسبه، ولم يحتج على غلظته في محاسبته، ولم يصده، بل تفَهَّم الرسول غضبه، لأنه صاحب حق.

في عهد خلافة عمر بن الخطاب، اشتكى إليه بعض أهل الكوفة من سعد بن أبي وقاص، وكان واليا على الكوفة، ادَّعَوا أنه لا يقسم بالسويَّة، ولا يعدل في الرعية، ولا يغزو في السرية، بل وادعوا أنه لا يُحسن الصلاة. سعد بن أبي وقاص أحد كبار الصحابة وخال الرسول صلى الله عليه وسلم، وسادس من آمن بالرسول، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، وقائد معركة القادسية الشهيرة ضد الإمبراطورية الفارسية. سعد بن أبي وقاس الذي ذاد عن الرسول في غزوة أحد والوحيد الذي جمع له النبي أبوَيه حيث قال له يوم أُحُد: “يا سعد، ارمِ فداك أبي وأمي” (صحيح البخاري).

فماذا فعل عمر بن الخطاب لما اشتكى قومٌ على عهد جديد بالإسلام، من سعد؟ هل صد المشتكين واستكبر عنهم، وقال لهم أنتم كذابون، تزيفون الحقائق، تريدون الفتنة، الخ؟ هل قال لهم هذا سعدٌ خال الرسول وصاحبه ومبشر بالجنة، لا يمكن أن يكون قد أخطأ، فهو يتصرف حسب الشريعة، لا يخالفها أبدا، كلامكم افتراء عظيم، غرضكم الفتنة والفوضى والعنف والخروج على الدولة؟ لا أبدا، الإسلام أمر بوجوب استماع الحاكم للرعية مهما كانت شكواهم، والتحقيق في الأمر.

رغم فضل سعد بن أبي وقاص ومنزلته العظيمة في الإسلام، إلا أن عمر بن الخطاب استدعاه ليحقق معه، وأرسل من يسأل عنه في الكوفة ويحقق في الدعوى التي رفعها بعض أهل الكوفة، بل وأمر عمرُ من سعدٍ أن يريه كيف يصلي بالناس، فأخبره أنه يطول في الركعتين الأوليين، ويخفف في الأخريين، وأنه لا يحيد عن طريقة صلاة الرسول. ورغم أن التحقيقات أسفرت عن رضا كثير من الناس في الكوفة عن سعد واستنكارهم لتلك الاتهامات، لكن نظرا لأن فئة قليلة من أهل الكوفة استمسكت بالادعاءات عند التحقيق معها، عزل عمر بن الخطاب سعد بن أبي وقاص عن إمارة الكوفة.

هكذا واجب الدولة تجاه رعاياها، أن تستمع لشكواهم، وتحقق في الأمر، وتنصفهم، لا أن تجعل مؤسسات الدولة وموظفيها مقدسين، وترفض جملة وتفصيلا الشكاوى، وترهب المشتكين وتخونهم وتجرمهم!

للحديث بقية ……

سأتطرق في الجزء الثاني للسياسية غير الإنسانية للسويد والمتمثلة في ممارسات مكتب الرعاية الاجتماعية، حيث يقوم بأحد أبشع الجرائم، ألا وهي قطع الأرحام – فصل الآباء عن أبنائهم – {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ، أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ} (سورة محمد). الغالبية الساحقة للمشاكل داخل الأسر، يجب علاجها دون فصل الآباء عن أبنائهم، لأن شر قطع الرحم أكبر بكثير من غالب المشكلات التي يتخذها مكتب الرعاية الاجتماعية مسوغا لتفرقة الأرحام.



 

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

د. هشام البواب

الدكتور هشام البواب، ناقد ومحلل سياسي واجتماعي مستقل . مقالاته تشمل موضوعات سياسية واجتماعية وفقهية وعلوم تجريبية :::::: بعض كتابات الدكتور هشام البواب في الرابط التالي: https://atanwir.com/منشورات-الدكتور-هشام-البواب ::::::: hicbou1@mailfence.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Enter Captcha Here : *

Reload Image

زر الذهاب إلى الأعلى