هوية وثقافة

ثوب الحداثة

لم تعرف فساتينها الموردة شيئا عن ثوب الحداثة الشائك، الثوب الذي لبسوه أبناء جيلها، بل فرضوه على أنفسهم! إنهُ الرداء الذي يزعم التطور وبلوغ المرام، ينادي بأعلى صوت هل من مزيد ليرتديني؟

فإذا بـِكَمٍّ هائل من المقيدين بسلاسل هذه الكذبة المُختارة، يطوفون حولها حتى أصابهم الدوار فأصبحوا يكررون: “المجد لك أيها التِكرار، المجد لكِ أيتها السذاجة! ..

هذا الحشْد تثيرُ اشمئزازي أقنعتهم المتناسخة، كُلٌّ منهم يرتدي القِناع ذاته، نفس اللون، نفس الملامح المملة، لا أجد فيهم أي تميّز، يجتمعون حَول بعضهم يتناجون عن مسرحية.

الغزو الفكرييتقاسمون أدواره ..

هذا على المنبر يغني بِلحن السذاجة، وذاك يضرب بطبلة الجَهل، وآخر يبدي إعجابهُ ليسطو على المشاهدين، وفي النّهاية يكسبون القضية ببساطة، لأنهم خاطبوا الغريزة في رسالتهم لا العقل! فتجد أنّك يا عزيزي المشاهد في صراع مع هوى نَفسك المسكينة وعَقلك الذي يحاولُ جاهدًا أن لا يميل متسائلا:

هَل كانت الصحراء تسيّر قافلتنا لبداية جاهلية أخرى؟ وانشعاب شجرة طلح غير التي نزعنا أشواكها من أجسادنا؟ هل وقعنا في نفس المستنقع الذي جفت ثيابنا منه منذ قرون؟

ولأنني أتسائل في الوقت هذا، قد أثير غضبَ كمْ من غافل خَدعته مَلاهي الحَياة، ظن أن كل ما قادته أطراف قدميه الناعمتين إلى الأمام أخذَ من مدرسة الحياة كفايته.

تلك المدرسة التي لن يكتفي منها المرء علماً إلا اذا التحى عقلهُ في سنٍ مُبكر وشعرَ بثقل وجوده في عَصر لا يشبهه، عصر لا يشيب ولا يشيخ بل كلما امتد وانثنى ظهره تشبّبْ

فكم أنتَ صغيرُ الحَجم أمامَ هذا الكون .. تبدو كبقعة في جَوف هذا العالم، بل أنتَ بُقعة طريةٌ في وَسط البلاد ومبانيها الضخمة وقطارات العيش وسككها الحديدة التي تكمنُ في كوكب الأرض العائم في سِعة الأفلاك ودحاها، أما تأملت يوماً في نفسك يا أنسان وفي جَسمك المادّي الصغير هذا ..

وكم كانَ لهُ دور في تغيير مجرى الحياة وتاريخها. ألم تُغص مرة في قاع مُحيطاتك لتلتقي بقناديل أعماقك المضيئة! وأمواج محيطك التي لا تهدأ تتعالى شيئا فشيئا، تتعالى عنوة، وتطمعُ في معرفتها لكل شيء، فهي أمواجك أنتَ أيها العقل الحَديث .. العقل الذي تكبّـر واغتر ببريق حصيلته المعرفية المكتسبة الدخيلة عليه فرمى عمامة فطرته على أرضه الخصبة، لأنّها تقليدية وهو لا تعجبه الأفكار العريقة. كيفَ أقنعك أنـا بجيشاني البالي أنّ طينة ذهنك قابِلة لزرع نبات صالِح، لا تُخالطه سيقان مُتطرفة وأن تكمل  بجذورك ما بدأه جدودك .



 

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

‫4 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى