علوم شرعية وفقهية

فتنة القرضاوي حيا وميتا!

انقسم الناس في القرضاوي – حيًّا وميتا – الى قسمين رئيسيين، قسم يُحسب على المعسكر «المصري – السعودي – الإماراتي» الذي يشكل خليطا من محسوبين على السلفيين وعلمانيين وغيرهم. وقسم يُحسب على المعسكر «القطري – التركي» والذي يشكل التيار الإخواني نسبة كبيرة فيه، الى جانب بعض المحسوبين على التيار السلفي.

المعسكر الأول، فَجَرَ في الخصومة لدواعي شخصية وانتصارا للحكام الذين يقدسهم، وليس انتصارا لله ورسوله، ليس انتصارا للحق، إذ يرون في الإخوان منافسا لحكامهم على كراسي الحكم، فالإخوان يراودون الغرب عن نفسه منذ نشأة الجماعة على يد حسن البنا، لعله (أي الغرب) يمنحهم الحكم في أحد أو بعض البلدان الإسلامية.

اقرأ أيضا: «“هيئة كبار العلماء” بوق للكفر البواح»

والمعسكر الثاني غالى، بل فَجَر في مدح القرضاوي وتعظيمه وتوصيفه بأوصاف وكأنه نبي معصوم، وكأنه نزل فيه قول الله: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ} (سورة الفتح). من كثرة تداول أن بوفاة القرضاوي “انهدم ركن من أركان العلم”، ظننا وكأن بوفاته “انهدم ركن من أركان الإسلام”، فلم يبق منها إلا أربعة! وانتشار وسم #القرضاوي_رجل_بأمة، جعلنا نظن ان آية {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً} (سورة النحل) القرضاوي هو المُشار إليه فيها باسم إبراهيم!  

اقرأ أيضا: «جماعة الإخوان المسلمون تسعون عاما من التملق: من الملك فؤاد الى الرئيس أردوغان»

قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «أَرْبَعٌ مَن كُنَّ فيه كانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، ومَن كَانَتْ فيه خَصْلَةٌ منهنَّ كَانَتْ فيه خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حتَّى يَدَعَهَا»، وذكر منها: «إذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذَا خَاصَمَ فَجَرَ» (صحيح البخاري). كلا المعسكرين، القادح في القرضاوي ومادحه، متَّسِمين بالكذب البواح، أحد خصال النفاق المقيتة. وقياسا على الفجور في الخصومة، فإن الغلو – الفجور – في المدح والتعظيم من سمات المنافقين أيضا. فكلا المعسكرين لا يفصلهما عن النفاق الخالص إلا القليل، فليحذروا إن كان لازال فيهم شيء من التقوى!

الى من غالى في مدح القرضاوي

كلامي التالي موجه لمعسكر المدَّاحين للقرضاوي، أقول لهم، لا تغلو في وصف القرضاوي، والأهم لا تسكتوا عن كثير من ضلالاته، وما أعظمها. محوها يحتاج لجهود مكثفة واسعة ولأجيال، وربما لن تُمحى الى يوم الدين، خصوصا إذا ورثها “علماء” و”مشايخ” وأبقوا عليها حية ونشروها عبر الأجيال. 

لا أفهم كيف يَستصغرُ ممن يُحسبون على أهل العلم فتاوى القرضاوي التي تُحل ما حرم الله أو تحرم ما أحله {وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ} (سورة النور)؟!

هل تعلمون أن أحيانا كلمة ضلال واحدة، ناهيك عن فتوى باطلة تُضَلِّل الملايين، كفيلة بأن تهوي بالعالِمِ وتُبطل كل عمله؟ قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ» (صحيح البخاري). وإبليس طُرد من رحمة الله لمخالفته أمرا واحدا، وقد كان (أي إبليس) ذو مقام وشأن عظيم قبل نزول لعنة الله عليه، وكان عالما! فلا يجوز الغرور بالعلم: لا صاحب علمٍ جاز له الغرور بعلمه، ولا المتلقي عنه جاز له الاغترار به (أي بالعالم). فكم من عالمٍ حافظٍ مُفَوَّه، يندرج تحت قول الرسول: «دُعَاة على أبواب جهنَّم، مَن أجابَهُم إليها قذَفُوه فيها» (صحيح البخاري)، ويشمله قوله صلى الله عليه وسلم: «إنَّمَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي الْأَئِمَّةَ الْمُضِلِّينَ» (صحيح الترمذي).

لا اجتهاد مع النص …

المطبلين للقرضاوي يعتبرون ضلالاته اجتهادات أخطأ فيها، والعالم له أجرين إذا أصاب وأجرًا إذا أخطأ؛ هذا كذب وبهتان، إذ ليس كل رأي اجتهاد.

كما هو معلوم لدى عوام المسلمين ناهيك عن علمائهم، “لا اجتهاد مع النص”، الاجتهاد محله عند عدم وجود نص من القرآن أو السنة يبين حكم الله في المسألة، فيلجأ المجتهد للاستنباط بالقياس مثلا. ومن ثم اعتبار “آراء” و”فتاوى” القرضاوي التي تحرم ما أحل الله أو تحل ما حرم الله، بأنها اجتهادات، جرم عظيم، يُهَوِّن من جريمة الافتراء على الله ورسوله، يهون من جريمة تبديل شرع الله، مَنْ فَعَل ذلك شريك للقرضاوي في ضلالاته.

فقد أعْمَلَ القرضاوي رأيه في مسائل مع وجود نصوص قطعية فيها، وأعطى لنفسه حق تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله، كتحليله الربا لاقتناء بيت للسكن، وجواز تبرج المسلمات من أجل الدراسة، وجواز أن تمارسن الرياضة والسباحة مع الرجال كاسيات عاريات لكي يتمكن من متابعة الدراسة. واستنكر القرضاوي حد رجم الثيب الزاني، ولم يعتبره حدا أصلا، وكأن عمر بن الخطاب يقصده حين قال في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم: «إنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحَقِّ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ، فَكَانَ مِمَّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةُ الرَّجْمِ، قَرَأْنَاهَا وَوَعَيْنَاهَا وَعَقَلْنَاهَا، فَرَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ، فَأَخْشَى إِنْ طَالَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ مَا نَجِدُ الرَّجْمَ فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا اللَّهُ، وَإِنَّ الرَّجْمَ فِي كِتَابِ اللَّهِ حَقٌّ عَلَى مَنْ زَنَى إِذَا أَحْصَنَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ إِذَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ أَوْ كَانَ الْحَبَلُ أَوْ الِاعْتِرَافُ».

ملايين المسلمات استحلوا ويستحلون التبرج وممارسة السباحة والرياضة كاسيات عاريات، وكثير من الآباء استمرأوا ويستمرئون الدياثة بسبب “فتوى” القرضاوي.

وملايين المسلمين استحلوا قروضا ربوية لاقتناء منازل للسكن، وسيفعل غيرهم الكثير من المسلمين الى يوم الدين، استنادا لـ”فتوى” القرضاوي. فالقرضاوي عليه وزر من عمل بآرائه تلك من بعده والى يوم الدين، دون أن ينقص ذلك من أوزارهم شيئا.

والقرضاوي كان له سبق في تغيير معايير المسلمين في الترحم، ليشمل الكفار، حيث ترحم على رأس الكنيسة النصرانية يوحنا بولس الثاني، في برنامج بثته قناة الجزيرة لملايين المسلمين سنة 1426هـ (2005م)، وأثنى على البابا وعَمَلِه المتمثل في نشر النصرانية، نشر الكفر!

https://www.youtube.com/watch?v=508PxByYJcM

والقرضاوي “أفتى” بجواز انخراط المسلمين في الجيش الأمريكي ومشاركتهم في قتال المسلمين، وكان حريصا (أي القرضاوي) على ألا يستقيل المسلمون من الخدمة في الجيش الأمريكي، لكيلا يُتّهموا في وطنيتهم وإخلاصهم للدولة الأمريكية! 

والقرضاوي أقر الديمقراطية والاستشهاد من أجلها، وجعل الحرية فوق الشريعة، وحرص أشد الحرص – مع جيش من المنظرين للعلمانية “المُتأسلمة” – على منع “انتفاضات الربيع العربي” من التحول لثورات إسلامية، وألا تخرج عن طوع الغرب وعن المنظومة السياسية والأفكار التي يسمح بها الغرب، ومن ثم كان ندائه (أي القرضاوي) للديمقراطية والحرية والمدنية، الخ! 

وتقريبا كل الحكام العرب، بمن فيهم القذافي والأسد وملوك السعودية وأمراء الإمارات، أثنى عليهم القرضاوي وفرِحَ بالجوائز والأموال التي منحوها إياه، وكأن أولئك الحكام لم يكونوا يحاربون الإسلام، ويحكموا بغير ما أنزل الله، ويضطهدوا المسلمين ويعذبوهم ويسجنوهم ويقتلوهم، إلا بعد انتفاضات 1432هـ (2011م)!

https://www.youtube.com/watch?v=Npsdyere1fI

التَّجْدِيدِ هو إِحْيَاءُ مَا انْدَرَسَ مِنَ الْعَمَلِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْأَمْرِ بِمُقْتَضَاهُمَا وَإِمَاتَةِ مَا ظَهَرَ مِنَ الْبِدَعِ وَالْمُحْدَثَاتِ ….

وهناك من يعتبر ضلالات القرضاوي تجديدا، والقرضاوي مُجَدِّدا! وهذا أيضا كذب وافتراء وشهادة زور! التجديد الذي تحدث عنه الرسول صلى الله عليه وسلم: «إنَّ اللَّهَ يبعثُ لِهَذِهِ الأمَّةِ على رأسِ كلِّ مائةِ سنةٍ من يجدِّدُ لَها دينَها» (صحيح أبي داود)، لا يعني الإتيان بجديد غير ما ورد في القرآن والسنة، ولا تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله، ولا تفسير نصوص القرآن بأدوات غير التي أقرها الله ورسول، وإنما الْمُرَادَ مِنَ التَّجْدِيدِ: [إِحْيَاءُ مَا انْدَرَسَ مِنَ الْعَمَلِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْأَمْرِ بِمُقْتَضَاهُمَا وَإِمَاتَةِ مَا ظَهَرَ مِنَ الْبِدَعِ وَالْمُحْدَثَاتِ] (عون المعبود شرح سنن أبي داود لشمس الحق آبادي)، والْمُجَدِّدُ لِلدِّينِ: [لَا يَكُونُ إِلَّا مَنْ كَانَ عَزْمُهُ وَهِمَّتُهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِحْيَاء السُّنَنِ وَنَشْرهَا وَنَصْر صَاحِبِهَا (أي الرسول) وَإِمَاتَةَ الْبِدَعَ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ وَمَحْوهَا، وَكَسْر أَهْلِهَا بِاللِّسَانِ أَوْ تَصْنِيفِ الْكُتُبِ وَالتَّدْرِيسِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ؛ وَمَنْ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ لَا يَكُونُ مُجَدِّدًا الْبَتَّةَ وَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِالْعُلُومِ مَشْهُورًا بَيْنَ النَّاسِ، مَرْجِعًا لَهُمْ] (عون المعبود شرح سنن أبي داود).

العالم الحق هو الذي يكون دوره تبيان الحلال والحرام حتى لو خالف أهواء الناس والحكام والواقع المفروض والمصالح، ودعوة الناس للالتزام به (أي حلال الله وحرامه)، وتثبيتهم على الحق عند المحن والفتن والنوازل، وليس تيسير الحرام عند كل فتنة ومحنة و”اضطرار” متوهم!

فتاوى القرضاوي الضَّالة المُضِلَّة لازالت قائمة حتى بعد وفاته، ويعمل بها ملايين المسلمين حول العالم، ومن ثم فتنته لازالت قائمة ومستمرة حتى بعد وفاته، فضلالاته ليست ذنوب شخصية بحق نفسه فحسب، تموت بموته، ولا تعنيه إلا هو، ولكنها منهج ودليل عمل لكثير من المسلمين حول العالم والى يوم الدين، عليه وزر من عمل بها وسيعمل الى يوم الدين، دون أن ينقص ذلك من أوزارهم شيئا.

اقرأ ايضا: «نصرة الرسول هي الغائبة في حملات نصرة الرسول»



 

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

د. هشام البواب

الدكتور هشام البواب، ناقد ومحلل سياسي واجتماعي مستقل . مقالاته تشمل موضوعات سياسية واجتماعية وفقهية وعلوم تجريبية :::::: بعض كتابات الدكتور هشام البواب في الرابط التالي: https://atanwir.com/منشورات-الدكتور-هشام-البواب ::::::: hicbou1@mailfence.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى