علوم شرعية وفقهية

هل تغيير اسم الاحتفال بولادة الرسول ومضمونه يُحَوِّله من بدعة لِسُنَّة؟

من علامات الانهزام أمام طوفان الباطل وكثرته وهيمنة أهله وقوتهم، محاولة الوقوف في الوسط بين الحق والباطل.

فمثلا بالنسبة لقضية “المولد النبوي”، تجد قوما من “الوسطيين” قالوا بجواز الاحتفال بـ”ذكرى” ولادة الرسول، بدلا من “عيد المولد”، وجواز الاحتفال بنية إظهار محبة الرسول وتعظيمه وتقريب الناس منه، وليس بنية الاحتفال بعيدٍ؛ ويخصون ذلك اليوم بفعاليات مثل محاضرات ودروس دينية وقراءة القرآن ومسابقات دينية والتعريف بالرسول وأناشيد دينية وما شاكل ذلك الخ، بدلا من الرقص والغناء وأناشيد الشرك والاختلاط وزيارة الأضرحة الخ. 

 

مشكلتهم مع تسمية ذلك اليوم ومع طريقة الاحتفال ومضمونه، لكن ليس مع أصل تمييز ذلك اليوم
وتخصيصه بأنواع معينة من البهجة والاحتفال والأعمال، فما الفارق بين الفريقين؟ هل إذا تم تخصيص ذلك اليوم بما هو محمودٌ من الأعمال ومباح، بدلا من أعمالٍ مذمومة، يتحول من بدعة الى سُنَّة؟

الاحتفال بيوم “مولد الرسول” بدعة ليس فقط لِمَا يُعمل فيه، وإنما هو بدعة وباطل لتمييزه وتخصيصه ابتداء، أيًّا كان نوع الأعمال التي خُصصت فيه، ما دام الرسول صلى الله عليه وسلم لم يخص يوم ولادته بأي شيء. تخصيص يوم “مولد الرسول” بأعمال وتمييزه، سواء سميته ذكرى أو عيد، هو البدعة عينها، هي أس الداء والبلاء، فما إن خُصَّ بأي شيء مهما صَغُر وصَلُح، إلا وسيَجُر ما بعده ويسوغه، فما زاغ الانسان قيد أنملة عن الصراط المستقيم الذي حدده الله ورسوله، إلا وانتهى به المطاف الى الخسران والضلال الكلي، لذلك حذر الله رسوله، ومن ثم كل المسلمين الى يوم الدين، من مجرد الميل البسيط لأهل الضلال والكفر، {وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَّاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا إِذًا لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا} (سورة الإسراء). {لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ}، أي: لأصبناك بعذاب مضاعف في الحياة الدنيا والآخرة.

فمن أراد التعريف بالرسول وسنته وتحبيبه الى الناس والقيام بمسابقات حفظ القران والحديث الخ، فليفعل ذلك في كل باقي أيام السنة، ما عدا في اليوم والأسبوع الذي يحتفل فيه أهل البدع بما يسمى “عيد المولد النبوي” أو “ذكرى المولد النبوى”، لكيلا يُكَثِّر من سواد الباطل وأهله، ولكيلا يكون هو أيضا مبتدعا، يستدرك على الله ورسوله ما لم يسنَّاه. فقد نذر رجلٌ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينحرَ إبلًا بِبُوانَةَ، فأتَى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني نذرتُ إن وُلِدَ لي ولدٌ ذَكرٌ أن أنحرَ إبلًا ببوانَةَ، فقال الرسول: «هل كان فيها وثنٌ من أوثانِ الجاهليةِ يُعبدُ؟»؛ قال الرجل: لا. فسأله الرسول: «فهل فيها عيدٌ من أعيادِهم؟»؛ قال الرجل: لا. فقال له رسول الله: «أوفِ بنذرِك، فإنه لا وفاءَ لنذرٍ في معصيةِ اللهِ ولا فيما لا يملكُه ابنُ آدمَ» (سنن أبي داود).

الرسول تحرى ألا يوفي الرجل نذره في يوم ولا مكان يوافق شيئا من أعياد المشركين وعاداتهم، فعليك أيها المسلم ألا تجاري أهل البدع فتخصص أيام احتفالاتهم بـ”مولد الرسول” بأي عمل، ولو كان عملا طيبا محمودا! خالف أهل البدع، ولا تكثر من سوادهم من حيث لا تدري!



 

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

د. هشام البواب

الدكتور هشام البواب، ناقد ومحلل سياسي واجتماعي مستقل . مقالاته تشمل موضوعات سياسية واجتماعية وفقهية وعلوم تجريبية :::::: بعض كتابات الدكتور هشام البواب في الرابط التالي: https://atanwir.com/منشورات-الدكتور-هشام-البواب ::::::: hicbou1@mailfence.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى