علوم شرعية وفقهية

كيف يشهد المؤمنون إقامة الحدود في زمن شابكة الحواسيب وآلات التصوير؟

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى} (سورة البقرة)

{وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (سورة البقرة)

{الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} (سورة النور)

{إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (سورة المائدة)

{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (المائدة)

{وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} (سورة النور)

……………………………………………………………………………

لا شك أن إقامة الحدود فرض على أمة الإسلام إذا أصبحت لهم دولة ذات سلطان نافذ تتولى إقامتها (أي إقامة الحدود)، إلا أنه وجب التنبيه الى بعض الأمور بهذا الشأن:

1) الحدود لا تُقام إلا بالبَيِّنَة التي حددها الشرع، ولا يجوز إقامتها على أساس شبهات، فيجب مثلا التحري في عدالة الشهود وصدقهم وعدم كذبهم أو تواطئهم على الكذب أو توهمهم.

كما يجب التأكد من صحة اعتراف المتهم وأنه ليس اعترافا تحت الإكراه الخ. الاعتراف ليس سيد الأدلة، فإن كذَّبت الأدلةُ المادية الملموسة الاعترافَ أو شهادة الشهود، ضُرب بالاعتراف أو الشهادة عرض الحائط. خصوصا مع تطور وتزايد وتقدم أنواع كثيرة من الأدلة المادية وقوتها في عصرنا الحالي.

فمثلا لما اعترف مَاعِزُ بن مالك للرسول صلى الله عليه وسلم بأنه زنى، تحرى الرسول مدى صحة شهادته على نفسه، فسأله صلى الله عليه وسلم: أَبِكَ جُنُونٌ؟ لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ أَوْ غَمَزْتَ أَوْ نَظَرْتَ؟ (صحيح البخاري). فإن كان واجبٌ التحري في مدى الأهلية العقلية للمعترِف على نفسه ومدى صحة شهادته على نفسه، فمن باب أولى تحري ذلك فيمن يشهد على غيره. 

2) الحدود لا تُقام على الجاهل بالحكم الشرعي. فمثلا لا يُقام الحد على من كان يجهل حرمة الزنا أو شرب الخمر الخ.

3) تقام الحدود من جلد وقطع وإعدام في غرف مُغلقة يحضرها نفر من المؤمنين (من بينهم المعنيين بالجريمة كأفراد من أسرة الضحية والجاني) مُجَرَّدين من كل آلات التصوير والتسجيل. فقط إدارة الدولة المعنية بتنفيذ الحكم يجوز لها تصوير عملية إقامة الحد دون نشرها، لتُستعمل كأدلة في المحكمة في حالات رفع مظالم ضد الجهة التنفيذية إذا حصل منها خلل أو خطأ أو ظلم في طريقة تنفيذ الحد، ولتكون مادة لتعليم المنفذين كيفية إقامة الحدود بطريقة سليمة كما بينها الشرع، الخ. فلا تُقام الحدود في الساحات والشوارع العامة، ولا تُصور وتُعرض على عامة الناس والعالَم، ولا تُنشر على وسائل التواصل في شابكة الحواسيب، فالله قال في سورة النور: {سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ}، فالشاهد هنا قول الله (وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ)، أي يشهد “مجموعة من المؤمنين” إقامة الحد وليس كلهم، ناهيك عن كل الناس في العالم؛ المؤمنون والكفار، الكبار والصغار، الرجال والنساء! 

فالنفس البشرية – بصفة عامة ودون الاستثناءات – تنفر بطبعها من رؤية الدم والقتل والضرب والتعذيب، لذلك قال الله {وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ} لعلمه سبحانه بالنفس البشرية ونفورها عادة من تعذيب الغير، إلا إذا كان أمرا من الله، فساعتها وجَبَ تغليب الواجب الشرعي على الميول النفسي. فإن كان واجب على الحاكم والقاضي ومنفذ الحكم إقامة الحدود بالطريقة التي أمر الله بها دون رأفة، إلا أنه لا يُنتظر ذلك من عامة الناس، فغالبية الناس قد تنفر من رؤية تنفيذ الحدود ليس بالضرورة اعتراضا على حكم الله، ولكن فقط بدافع نفسي ينفرهم من رؤية العنف، تماما كما ينفر مثلا كثير من الناس من رؤية دجاج أو بهائم تُذبح، رغم إيمانهم بأن ذبحها للأكل صحيح وشرعي وواجب، ومن ثم يتولى عملية ذبح البهائم من ليست عنده مشكلة مع ذلك، دون إجبار غيرهم على رؤية عملية الذبح.

ثم إن أعداء الإسلام يمكنهم استغلال (وقد فعلوا ذلك مرارا في الماضي) مشاهد الإعدام والقطع والجلد وطبيعة البشر التي تنفر في الغالب من الدم والضرب، لتأجيج الرأي الشعبي العالمي ضد الإسلام، فعملية تنفيذ الحدود، وهي حق وواجب، ليست بمشاهد ترفيهية، وإنما مشاهد “قاسية” و”مروعة”، لذلك سُمِّيت “عذابا”، والمشاهد “القاسية” ليست للعموم ولكن لفئة خاصة من أجل غرض معين.

فالحدود لا تُقام للتباهي بها أمام العالم ولا لإجبار العالم على رؤية تنفيذها، ولا لترويع الناس، ولكن لاسترداد حقوق المظلومين والضحايا وإنصافهم وجبر خاطرهم وشفاء غليلهم، ولزجر المجرمين. فمع إقامة الحدود، يجب أيضا مراعاة الشعور لدى عموم الناس تجاه الدم والعنف، فيتم تجنيبهم رؤية ذلك، فها هو الرسول صلى الله عليه وسلم يقول لبلاَلٍ رضي الله عنه يوم فتح خيبر، حين مَرَّ (أي بلال) بامرأتين من سبايا خيبر وهما صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ وأُخْرَى مَعَهَا عبر الساحة التي كان يُعدم فيها جنود خيبر: “أَنُزِعَتْ مِنْكَ الرَّحْمَةُ يَا بِلَالُ، حِينَ تَمُرُّ بِامْرَأَتَيْنِ عَلَى قَتْلَى رِجَالِهِمَا؟” (سيرة ابن هشام). …

واليوم تنفذ الولايات المتحدة الأمريكية أحكام الإعدام في غرف مغلقة، بعدما كانت تقوم بها في الماضي في الساحات العامة، ولا يشهدها اليوم إلا زمرة قليلة من الناس في الغرق المغلقة، دون السماح لهم بالتصوير المرئي ولا التسجيل الصوتي، ولا تعرض أمريكا قط صور الإعدام أو تسجيلاتها المرئية، ليس لأنها تعتقد أن حكم الإعدام باطل، ولكن مراعاةً لمشاعر الناس.



 

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

د. هشام البواب

الدكتور هشام البواب، ناقد ومحلل سياسي واجتماعي مستقل . مقالاته تشمل موضوعات سياسية واجتماعية وفقهية وعلوم تجريبية :::::: بعض كتابات الدكتور هشام البواب في الرابط التالي: https://atanwir.com/منشورات-الدكتور-هشام-البواب ::::::: hicbou1@mailfence.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Enter Captcha Here : *

Reload Image

زر الذهاب إلى الأعلى