علوم شرعية وفقهية

رد على د. الصلابي: ليست هناك “دولة الصديق” والدولة في الإسلام ليست مدنية

هذا المقال رد على مقالٍ نشره د. علي محمد الصلابي تحت عنوان «مدنية دولة الصديق رضي الله عنه». الرد نشرتُه ابتداء في 1 محرم 1444هـ (31 يوليو 2022م) في موقع رسالة بوست.

:::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::

مصطلح “الدولة المدنية” دخيل على المسلمين، فالسياسة ونظام الحكم والإجراءات والمصطلحات المتعلقة بها ليست شيئا جديدا لم يتطرق إليها الوحي الذي أُنزِل على محمد صلى الله عليه وسلم، وكيف يكون كذلك والرسول نفسه أقام أول دولة للإسلام وحكمها لمدة عشر سنوات، وأمر المسلمين ألا يفرطوا فيها، .. عشر سنوات من حكم الرسول كافية للمرور بمختلف أنواع الأحداث والمشاكل والنوازل ليقضي فيها الوحي (قرآنا وسنة) فتكون شرعا لنا واجب الاتباع، .. عشر سنوات من حكم الرسول لدولة الإسلام، لم يترك خلالها الوحي شَارِدَة وَلاَ وَارِدَة متعلقة بالسياسة والحكم والحرب والاقتصاد إلا أتى بها، ليترك صلى الله عليه وسلم المسلمين – كما قال –: «على البيضاء ليلها كنهارِها لا يزيغُ عنها بعدي إلا هالِكٌ» (رواه أبو داود وابن ماجه، وصححه الألباني). .. وبعد وفاته صلى الله عليه وسلم، تلاه الخلفاءُ الراشدون في تولي شؤون دولة الإسلام لمدة ثلاث عقود إضافية، ملتزمين فيها بنظام الحكم الذي تعلموه مباشرة من الرسول، وهم أحرص الخلق – بعد الرسول – على الالتزام بالإسلام وتبليغه والحفاظ عليه، فعَلِمْنا من كثير من مواقف إجماعهم جزءا من سنة الرسول لم تصلنا في شكل أحاديث، ولكن وصلتنا على شكل أعمال وأحكام أجمع الصحابة على اتباعها، مما يشير لثبوتها عن الرسول وأخذهم لها منه صلى الله عليه وسلم، من بينها على سبيل المثال لا الحصر، إجماعهم على الإسراع في تعيين خليفة لدولة الإسلام في خلال ثلاثة أيام، حتى أنهم أخَّروا دفن خير خلق الله (الرسول) لانشغالهم بفرض ذو أولوية على فريضة دفن الميت!  …  خلفاءٌ سماهم الرسول نفسه بأنهم «خلفاء»، ووصفهم بأنهم «راشدون»، باتباعهم لسنته، .. فما أجمعوا عليه هو إرشاد الى سنته، لذلك قال الرسول في حجة الوداع: «ومن يَعِشْ منكم فسَيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بما عرَفتُم من سُنَّتي وسُنَّةِ الخلفاءِ المهدِيِّينَ الرَّاشدينَ، تمسّكوا بها، وعَضّوا عليها بالنواجذِ، وإياكم ومحدثاتِ الأمورِ فإنَّ كلَّ محدثةٍ بدعةٌ، وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ».  

ليست هناك “دولة الصديق” ولكنها دولة الإسلام

فالدولة التي تولى الحكم فيها أبو بكر الصديق، ليست “دولة الصديق”، وإنما دولة الإسلام، لأنها ليست من صنع الصديق، ولا ملكه، ولا لخدمة مصالحه ومصالح أسرته، لم يكن فيها الناس عبيدا له، ولا القوانين تشرع على مقاسه ورغبته، ولم يكن فيها الصديق مطلق الصلاحيات، فوق “القانون”. فهي دولةٌ للإسلام، لخدمة الإسلام ونصرته، بتنظيم علاقات الناس حسب أوامر الله ونواهيه، ونشر الإسلام في العالم، ومحاربة الدول المحاربة للمسلمين. والصديق كان ملتزما في كل سياساته بالوحي (القرآن والسنة).

الدويلات الموجودة اليوم في العالم الإسلامي، هي التي يصح وصفها بأنها دويلة الرئيس الفلاني أو الملك الفلاني، إذ هي فعلا مِلْك للحاكم الذي يعتبرُ المسلمين عبيده، يقتل ويحيي من يشاء. الحكام فيها مقدسون، لا يُحاسبون، ولا يُرد لهم قول، يُعاقب فيها كل من يخالف الرئيس أو الملك الرأي.

أما أبو بكر الصديق، فخذ على سبيل المثال لا الحصر، بعض مواقفه رضي الله عنه لما تولى الحكم. فقد أمر الرسول قبيل وفاته بتجهيز جيش من حوالي ثلاثة آلاف جندي لغزو الروم في الشام وجعل قيادة الجيش لأسامة بن زيد، فلما توفي الرسول [أَشَارَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ عَلَى الخليفة ابي بكر الصِّدِّيقِ أَنْ لَا يُنْفِذَ جَيْشَ أُسَامَةَ لِاحْتِيَاجِهِ إِلَيْهِ فِيمَا هُوَ أَهَمُّ الْآنَ مِمَّا جُهِّزَ بِسَبَبِهِ فِي حَالِ السَّلَامَةِ (أي احتياجه للتصدي للتمرد الداخلي)، وَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ أَشَارَ بِذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَامْتَنَعَ الصِّدِّيقُ مِنْ ذَلِكَ، وَأَبَى أَشَدَّ الْإِبَاءِ إِلَّا أَنْ يُنْفِذَ جَيْشَ أُسَامَةَ، وَقَالَ: “وَاللَّهِ لَا أَحُلُّ عُقْدَةً عَقَدَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَوْ أَنَّ الطَّيْرَ تَخَطَفُنَا، وَالسِّبَاعَ مِنْ حَوْلِ الْمَدِينَةِ، وَلَوْ أَنَّ الْكِلَابَ جَرَّتْ بِأَرْجُلِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، لَأُجَهِّزَنَّ جَيْشَ أُسَامَةَ”. فَجَهَّزَهُ وَأَمَرَ الْحَرَسَ يَكُونُونَ حَوْلَ الْمَدِينَةِ، فَكَانَ خُرُوجُهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مِنْ أَكْبَرِ الْمَصَالِحِ، وَالْحَالَةُ تِلْكَ، فَسَارُوا لَا يَمُرُّونَ بِحَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ إِلَّا أُرْعِبُوا مِنْهُمْ، وَقَالُوا: مَا خَرَجَ هَؤُلَاءِ مِنْ قَوْمٍ إِلَّا وَبِهِمْ مَنَعَةٌ شَدِيدَةٌ. ….] (البداية والنهاية لابن كثير).

أبو بكر كان من صلاحياته، كخليفة للدولة، إعادة النظر في إنفاذ جيش أسامة، خصوصا بعد تغير المعطيات على الأرض تغيرا جوهريا يبرر إعادة توزيع الجيش والأولويات، لكنه رضي الله عنه، لِطاعته المطلقة للرسول، لم يجرؤ على إلغاء أو حتى مجرد تأجيل أمْرٍ أمَرَ به الرسول، الذي سمعه الصديق يقول: «أَنْفِذُوا بَعْثَ أُسَامَةَ» (فتح الباري). وهكذا أنفذ أبو بكر جيش أسامة، وقال له: «اصنع ما أمرك به نبي الله؛ ابدأ ببلاد قضاعة ثم إيت آبل (منطقة جنوب الأردن)، ولا تقصرن في شيء من أمر رسول الله، ولا تعجلن لما خلفت عن عهده» (تاريخ الطبري).

نجاح الخليفة أبي بكر في قيادة دولة الإسلام والحفاظ عليها، بالقضاء على المرتدين وإعادة المتمردين لسطلة الدولة، وفي نفس الوقت فتح جبهات قتال ناجحة ضد الفرس والروم، سببها أمر واحد فقط: امتثاله رضي الله عنه المطلق لأوامر الله ورسوله دون تلكؤ ودون إعمال حسابات مادية واجتهادات في أمور قضى فيها الله ورسوله، فكان من ثمرة استجابته لأمر الرسول أن كان في خروج جيش أسامة لمواجهة الروم إظهارٌ لقوة دولة الاسلام وتبديد وساوس كل من ظن ان الدولة ضعفت بموت الرسول، فلم يتجرأ الكثير منهم على محاربة المسلمين!

لماذا نترك نظام الحكم والمصطلحات الشرعية التي وضعها الإسلام ونتبنى ما عند الغرب؟

فلماذا نترك نظام الحكم والدولة والمصطلحات والأسماء المتعلقة بها، التي شرَّعها الله وبَيَّن الرسولُ بسنته كل تفاصيلها على مدى عقد من الزمن، وثَبَّت الخلفاء الراشدون تفاصيلها بالتزامهم إياها لمدة ثلاث عقود، لماذا نترك كل ذلك الكم الهائل من “التراث” الإسلامي، لنتطاير مصطلحات الغرب وأنظمته في الحكم، أو تعليب أحكام شرعية في مصطلحات غربية؟ ولن أذكر الأدلة المتواترة والكثيرة لمصطلحي الخليفة والخلافة مثلا، وتسمية الرسول لحاكم دولة الإسلام بالخليفة والدولة بالخلافة، فهذه من الأمور المعلوم بها من الدين بالضرورة، فقد توارث المسلمون بالتواتر، منذ عهد الخليفة أبي بكر، تسمية رئيس دولة الإسلام بـ«الخليفة».

فمن يخاطِبُ المسلمُ العالِمُ إذًا حين يستعمل مصطلح “الدولة المدنية”؟ وما الرسالة التي يريد إيصالها؟ فنحن المسلمون لسنا بحاجة لأشخاص يخرجون علينا بمسميات وأنظمة دخيلة مقتبسة من الغرب، ونترك جانبا كل ما تركه لنا القرآن والسنة! لماذا نسمي دولة المسلمين “دولة مدنية”، ونحن عندنا اسماء ومصطلحات شرعية متواترة بالكتاب والسنة: “دولة الإسلام” و”دولة الخلافة” و”الخلافة”، الخ.

الجواب على السؤالين المذكورين فوق، باختصار ووضوح: المسلمُ العالِمُ حين يستعمل مصطلح “الدولة المدنية” أو “الديمقراطية”، فإنه يخاطب الغرب، ويرسل إليه رسائل طمأنة وتودد وطلب الرضا (أي رضا الغرب). يريد أن يُطَمْئن الغرب بأنه لا يتبنى ما يناهض أفكاره، ولا يسعى للتصادم معه، ولا للخروج عن إرادته وطوعه.

كل المصطلحات الغربية المتعلقة بالحضارة والتشريع والحكم، كالديمقراطية والدولة المدنية والوطنية، وغيرها، تبناها المسلمون إرضاء للغرب، وتقليدا له، وخوفا منه، بغض النظر إن حصروا تبنيهم في اسم المصطلح ليغلفوا به حكما شرعيا، أو تعدوه لتبني مضمون المصطلح الغربي أيضا كاملا أو جزئيا.

المسلمون (إلا قلة ممن ثبتهم الله) وصلوا لدرجة من الهوان والضعف والهزيمة النفسية وعقدة النقص، جعلتهم يسعون لتجنب كل ما يمكن أن يسبب مجرد إزعاج للغرب ناهيك غضبه، فانسلخوا ليس فقط من كثير من الأحكام الشرعية، بل حتى مسمياتها، وعلى رأس ذلك: الخلافة، دولة الإسلام، الخليفة، دولة دينية، راية التوحيد، الخ. حتى مصطلحي «النصارى» و«النصرانية» اللذان وردا في القرآن والسنة، استبدلوهما بـ “مسيحيين” و”المسيحية”، مع أن هذين الكلمتين لم يردا قط في القرآن أو السنة، وذلك لأن النصارى (وخصوصا النصارى العرب) يكرهون المصطلح القرآني ويحبون أن يسموا “مسيحيين”.

اقرأ أيضا: «الله سماهم نصارى وليس “مسيحيين” وسمى دينهم النصرانية وليس “المسيحية”»

ولا يخفى على كل متابع لـ”ثورة الشام” الصراع الشديد بين “الثوار” حول نوع الراية والعَلَم الذي يمثل الثورة؛ فحُسِم الجدال لصالح تبني عَلَم الانتداب الفرنسي وضد راية «لا إله إلا الله محمد رسول الله»، لتجنب سخط الغرب (ورغم كل التنازلات، لم يخرجوا حتى بخفي حنين!).

ومنهم من يستعمل تلك المصطلحات الغربية تقية، قد يريد مثلا دولة إسلامية (إن سلمنا أصلا أنه يعرف معناها ومقتضياتها)، لكن يسميها مدنية وديمقراطية، ظنا منه أنه يتحايل على الغرب، فلا يعرقلون وصوله للحكم. هؤلاء على درجة عالية من الغباء والسذاجة، يظنون أنهم يمكنهم الضحك على الغرب، والأَمَرُّ من ذلك أن كل من ادعى من الجماعات الإسلامية والمسلمين المتصدرين لقضايا المسلمين بأنهم تبنوا الديمقراطية والدولة المدنية تقية، انتهى بهم المطاف للإيمان بها قلبا وقالبا وإقامتها والدفاع عنها، بل والموت من أجلها.

الغرب ليس غبيا ولا سطحيا، فإنه لا ولم ولن يكتفي أبدا بتسميتكم أيها المسلمون لدولتكم أو مشاريعكم السياسية بأنها مدنية وديمقراطية، بل سيشترط عليكم ويحرص كل الحرص على أن تعبدوا العجل الذي صنعه لكم وتستميتون في الدفاع عنه وتطبيق أحكامه، وما أمثلة السودان (قديما) وتركيا ومصر والمغرب وتونس عنا ببعيد، حيث سمح الغرب لـ”إسلاميين” بتولي الحكم (ولو مرحليا)، فكانوا أحرص الناس على إبعاد الشريعة وتثبيت العلمانية.

مفهوم الدولة المدنية

والدولة المدنية لا تعني تولي “مدنيين” (أي ليس عسكريين”) الحكم فيها، ولا تعني اختيار الشعب للحاكم، ولا الشورى، ولكن “الدولة المدنية”، تعني ألا يحكم دين الله، وإنما البشر، .. تعني أن يكون التشريع للبشر وليس لله. فالمدنية تعني أولا وابتداء عند أصحابها (الغرب)، ألا يحكم “رجال الدين” ولا الدين ولا الله، ولكن يحكم الشعب، ويُشَرِّع الشعب. والديمقراطية تعني نفس الشيء.

فالدولة تكون مدنية أو لا، بالنظر لعقيدتها، لمصادر تشريعها وقوانينها، فإن كانت من عقل البشر، كانت مدنية. وإن كانت من وحي الله، اعتبرها الغرب استبدادية، رجعية، حتى لو اختار الشعب عن رضا أحكام الإسلام ورضي بالقرآن والسنة حصرا كمصدر للتشريع، واختار عن رضا من يحكمه.

كما أن الدولة في الإسلام تُسمى خلافة أو دولة إسلامية، ليس لأن المسلمين يمارسون فيها الشورى ولهم حق اختيار الحاكم ومحاسبته، ولكن لأن عقيدتها الإسلام، مصدر التشريع والقوانين فيها هما القرآن والسنة حصرا.

أما الشورى والانتخابات واختيار الحاكم ومحاسبته، فهذه فروع وليست أصول، ليست خاصة بعقيدة، سواء كانت مدنية (تحكم بغير ما أنزل الله) أو دينية (تحتكم للشريعة الإسلامية)، لكن بعض تفاصيل تطبيقها قد تختلف من عقيدة لأخرى، ومن دولة لأخرى، حتى الدول الغربية الديمقراطية تختلف في طريقة الانتخاب ومتى يُلجأ للانتخابات، وشرعيتها، الخ!

ولذلك لم يعترض الغرب مثلا على الانقلاب العسكري للسيسي في مصر، كما أن الغرب وراء غالب الانقلابات العسكرية في العالم منذ الحرب العالمية الثانية. المهم عند الغرب أن يضمن في العالم الإسلامي على المدى البعيد تثبيت الحكم العلماني وتجفيف كل منابع الإسلام، فما إن حقق له حاكمٌ أو نظامُ حكمٍ ذلك في بلد إسلامي، فهو حاكم مدني وشرعي ومرضي عنه (ولو إلى حين).

وانظر لرؤساء الولايات المتحدة الأمريكية، غالبيتهم كانوا عسكريين، ونجاحهم في الانتخابات غالبا ما تحقق بتركيزهم على تاريخهم وأمجادهم في الخدمة العسكرية.

ودولة الإسلام منذ نشأتها في عهد الرسول لم تكن تعرف تفريقا بين “مدني” و”عسكري” (مع الإشارة الى أن هذا لا علاقة له بالتفريق الواجب بين المحارب وغير المحارب – المسالم –)، فالرسول كان يقود الجيوش بنفسه وينظمها ويضع الخطط العسكرية ويعيين أمراء الفرق العسكرية، والصحابة كانوا يشاكرون كذلك في الحروب ويقودون الجيوش، وكثير منهم استشهد في القتال، هؤلاء الصحابة “العسكريون” هم من تولوا الحكم بعد وفاة الرسول، ووصفهم الرسول بالخلفاء الراشدين الذين أُمِرنا باتباعهم فيما أجمعوا عليه، لأن إجماعهم إرشاد لما أقره الرسول أو بينه لهم.

فالمسألة ليست هل الحاكم “عسكري” أو “مدني”، وإنما بماذا يحكم؟ وهل يخضع للقوانين مثله مثل غيره ويُحاسب على أساسها؟ هل يحكم لخدمة كل الناس والعدل بينهم (بغض النظر عن دينهم، أو مذهبهم، أو مكانتهم، أو المؤسسة التي يعملون لديها) ملتزما في ذلك بالأحكام الشرعية في الدولة الإسلامية أو بالدستور العلماني في الدول المدنية، أو يحكم لتقوية نفوذ المؤسسة التي انتمى إليها، سواء كانت عسكرية أو “مدنية” (كالشركات والمصانع).

ثم إن اختيار الحاكم، ومحاسبة الحكام، وعزل الحاكم الظالم أو المستبد، والشورى في الأمور التي تستوجب الشورى، الخ، كل هذه أحكام شرعية فرضها الله، وكانت مطبقة في عهد الرسول وفي عهد الخلفاء الراشدين، آلاف السنين قبل نشأة الدولة المدنية الغربية الحديثة، وبدأ التقصير في إقامتها (وهذا ذنب عظيم) بالتدريج منذ عهد الأمويين، إلى أن تحول الحكم في بلاد المسلمين إلى حكم جبري في أواخر عهد الدولة العثمانية، لتصل شراسة الحكم الجبري المطلق دروتها في عهد حكام ما يُسمى “الاستعمار” (بلاد المسلمين لازالت تحت “الاستعمار” الغربي، بوكلاء محليين ينوبون عنه).

فلماذا كلما ذُكرت الشورى وحق اختيار الحاكم ومحاسبته وعزله، وعدم جواز قبول الناس للاستبداد والظلم، ووجوب وجود أساليب وأدوات لمنعه ورد المظالم لأصحابها، تُنسب للغرب ولـ”الدولة المدنية” وليست للإسلام والدولة الإسلامية (الخلافة)؟ فإن كان ولا بد من تبني أمةٍ لمصطلحٍ غير نابع من تراثها وثقافتها، فالأولى أن يتبنى الغرب المصطلحات الشرعية من الإسلام، لأنه كان (أي الإسلام) سباقا لوضع كل أسس العدالة الحقيقية ومقتضياتها، ولأنها مصطلحات منبثقة من الوحي والعلوم المتفرعة عنه! 

الدولة في الإسلام دينية بامتياز

الغريب أن ترى من المسلمين من ينظر لكل شيء من المنظور الغربي، فيحاكم مثلا الإسلام والمصطلحات الإسلامية من الزاوية التاريخية الغربية. ومن ثم تجدهم ينفرون مثلا من تسمية دولة الإسلام (الخلافة) بأنها دولة دينية، والسبب لأن الغرب (وليس المسلمون) عاشوا أسود حقبة في تاريخهم إبان حكم “دولتهم الدينية”، كان يستمد فيها المَلِك حكمه الاستبدادي المطلق مباشرة من الله – حسب زعمهم وتحريفهم للديانة النصرانية –.

لكن نحن المسلمون لا علاقة لنا بمأساة الغرب مع دينهم المحرف وقساوستهم ورهبانهم وملوكهم، وليست عندنا حساسية ضد الدين، ومشاكلنا سببها ابتعادنا عن ديننا وليس التزامنا به. كل آمالنا وقوتنا وحماسنا مستمدة من الدين، من الإسلام. ثم نحن لا فرق عندنا بين الدين والإسلام، فالدين هو الإسلام والإسلام هو الدين {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} (سورة آل عمران)، ومن ثم فـ”الدولة الإسلامية” عندنا هي “الدولة الدينية”، لا فرق بينهما.

فلا تتحرج أيها المسلم من تسمية دولة الإسلام بأنها دولة دينية، فالدولة في الإسلام دينية بامتياز، لا مدنية ولا ديمقراطية ولا اشتراكية، لأن الإسلام (وليس دين قساوسة الغرب وملوكه) هو دينها وعقيدتها وسر وجودها، أُسِّسَت على أساسه ومن أجله، تُنظم حسب حلاله وحرامه كل صغيرة وكبيرة في حياة الناس، في السياسة الداخلية والخارجية، {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} (سورة الانعام).  

فالسياسة ورعاية شؤون الناس في الإسلام دين، والتجارة دين، وعقاب المجرمين وإقامة الحدود دين، والجهاد دين، والقضاء دين، وتطوير العلوم التجريبية والصناعة دين، والتطبيب وبناء مستشفيات وصناعة الأدوية دين، بل حتى قضاء الحاجة دين وجماع الزوج لزوجته دين، عن ابي ذر الغفاري قال: قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالْأُجُورِ، يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ وَيَتَصَدَّقُونَ بِفُضُولِ أَمْوَالِهِمْ! فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: «أَوَلَيْسَ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ مَا تَصَّدَّقُونَ، إِنَّهُ بِكُلِّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ، وَبِكُلِّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ، وَبِكُلِّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ، وَبِكُلِّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنْ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيَأْتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟  فَقَالَ: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي الْحَرَامِ أَلَيْسَ كَانَ يَكُونُ عَلَيْهِ وِزْر؟»، قَالُوا بَلَى! قَالَ: «فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ يَكُونُ لَهُ الْأَجْرُ» (صحيح مسلم) (بُضْعِ: يطلق على الجماع، ويطلق على الفرج نفسه). وعنْ سَلْمَان الفارسي قَالَ: قِيلَ لَهُ قَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلَّ شَيْءٍ، حَتَّى الْخِرَاءَةَ؟ فَقَالَ: أَجَلْ لَقَدْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ أَوْ بِعَظْمٍ (صحيح مسلم).



 

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

د. هشام البواب

الدكتور هشام البواب، ناقد ومحلل سياسي واجتماعي مستقل . مقالاته تشمل موضوعات سياسية واجتماعية وفقهية وعلوم تجريبية :::::: بعض كتابات الدكتور هشام البواب في الرابط التالي: https://atanwir.com/منشورات-الدكتور-هشام-البواب ::::::: hicbou1@mailfence.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى