علوم شرعية وفقهية

أين الفقهاء للاجتهاد في حُكم تنظيم الدولة لبطولة كأس العالم لكرة القدم؟

أرسل الرسول صلى الله عليه وسلم في الثاني من الهجرة سَرِية عبد الله بن جحش لترصد قوافل قريش، فلما التقت السرية بقافلة لقريش، قتلوا أحد أفرادها، عمرو بن الحضرمي، وأسروا اثنين وأخذوا عير القافلة، وقد كان ذلك في الأشهر الحرم، فأشاعت قريش أن محمدا وأصحابه استحلوا الشهر الحرام، حيث سفكوا فيه الدم، وأخذوا فيه الأموال، وأسروا فيه الرجال. فلما أكثر الناس الجدال في ذلك، واحتار المسلمون في حكم ما فعلته سرية رسول الله، أنزل الله تعالى {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ} (سورة البقرة). أي: إن كنتم قتلتم أحد مشركي قريش في الشهر الحرام، فقد صدوكم (أي قريش) عن سبيل الله مع كفرهم به سبحانه، وعن المسجد الحرام، وأخرجوكم من البيت الحرام (مكة)، وهذا كله أكبر عند الله من قتل من قتلتم منهم، وقد كانوا يفتنون المسلم عن دينه، حتى يردوه إلى الكفر بعد إيمانه، فذلك أكبر عند الله من القتل.

الشاهد هنا أن الله سبحانه انتقل من السؤال الثانوي الذي حيَّر المسلمين، الى مسألة أوْلى وأهم، ترتب عنها الحدث الثانوي.

مما نتعلمه من واقعة سَرِية عبد الله بن جحش والآية التي نزلت بخصوصها، أنه لا يجوز الاقتصار في النوازل على النظر إلى فروعها، وإنما يجب ربطها (أي النوازل) بالأصل الذي ترتبت عنه والبحث فيه، يجب البحث في الأَوْلى.

ومن ثم، حين الحديث عن كأس العالم لكرة القدم الذي نظمته قطر، الواجب البحث ابتداء في حكم تنظيم بلد مسلم له، وليس الخوض فيما ترتب عن تنظيمه، من انشغال الناس بمشاهدة مبارياتها وما شاكل ذلك.

للأسف لم نجد أي بحث شرعي مفصل بالأدلة من الكتاب والسنة عن حكم تنظيم بلدٍ مسلم لبطولات رياضة وعلى رأسها كأس العالم لكرة القدم وبطولات العالم لألعاب القوى، وغيرها من البطولات الدولية، وحُكم الانضمام للاتحادات والمنظمات الدولية الرياضية، كالاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا)، التي الانضمام إليها شرط للمشاركة في البطولات الدولية للرياضة أو تنظيمها، .. بحثًا ينظر لكل جزئيات وتفاصيل وَاقِعِ تلك البطولات والاتحادات: كالتكلفة المالية المرتبطة بها (كإنفاق قطر أكثر من 220 مليار دولار لتنظيم كأس العالم لكرة القدم سنة 1444هـ/2022م)، وشروط الانضمام للاتحادات الرياضية الدولية، وشروط تنظيم البطولات الرياضية الدولية، وما قد تفرضه من قيم ومبادئ وأفكار غربية، وإلزام الدول بتغييرات قانونية واجتماعية؛ وما قد يصاحب المهرجانات الرياضية من محرمات وفواحش وتحريك النزعات القومية والعصبيات، الخ، كما رأينا من منكرات في قطر خلال كأس العالم لكرة القدم 1444هـ (2022م).

للأسف كل ما وجدناه بخصوص كأس العالم لكرة القدم، فتاوى سطحية لم تتطرق للب المسألة والنازلة، كالحديث عن حكم الشرع في مشاهدة مباريات كرة القدم، وبأنها مباحة ما لم تشغل المسلم عن أداء الصلاة في وقتها. وهل ممارسة الرياضة، ككرة القدم، مباحة أم لا، الخ.

من قلة الفهم، بل ومن السفه، أن يستنتج المفتي من مجرد كون لعب كرة القدم ومشاهدة مبارياتها مباح، أن تنظيم الدولة لكأس العالم لكرة القدم مباح أيضا.

فانظر مثلا لألعاب القوى، الرياضة الفردية، فممارسة مختلف أنواع رياضات ألعاب القوى من ركض وقفز ورمي، مباح للأفراد لا شك في ذلك، إذا مارسها الرجل ساترا عورته، ولا يرتدي ما يجسد عورته المغلظة، وإذا مارستها المرأة في مكان مغلق خاص بالنساء، لا يطَّلع الرجال على عورتها ومفاتنها. لكن البطولات الدولية لألعاب القوى، والتي نظَّمت قطر بطولتها العالمية سنة 1441هـ (2019م)، يركض فيها النساء ويقفزن شبه عاريات، ويرتدي فيها الرجال ملابس تجَسِّد عوراتهم، السراويل الرقيقة الملتصقة على الجلد، حتى الرياضيين المسلمين يفعلون ذلك تشبها بالغرب. فهل تنظيم بلد مسلم لهذه البطولة الدولية جائز، لمجرد أن ممارسة تلك الرياضة مباح في حد ذاته؟

المسألة أكبر بكثير وأعمق ومتشعبة، تستوجب معرفة دقيقة بكل ما يكتنف تنظيم مسابقات رياضية دولية، ومن بينها واقع الاتحادات والمنظمات الدولية التي ترعى تنظيم تلك البطولات الرياضية، كالاتحاد الدولي لكرة القدم والاتحاد الدولي لألعاب القوى، وغيرها؛ وشروط الانضمام لتك الاتحادات والمنظمات، وكمية الأموال التي تُنفقها الدولة على المنتخبات والأندية وتنظيم المباريات والبطولات (كإنفاق قطر أكثر من 220 مليار دولار لتنظيم كأس العالم لكرة القدم 1444هـ/2022م)؛ وهل هناك تأثير سلبي للرياضيين على سلوك الشباب، في هندامهم ولباسهم وقصات شعرهم وكلامهم واختياراتهم في الحياة، والأجواء المحيطة بالبطولة، والدعاية لأفكار الغرب المناقضة للإسلام، واجتماع ملايين الجماهير من كل بقاع العالم، غرضهم اللهو حسب طقوسهم وعاداتهم، والتي تشمل على سبيل المثال لا الحصر، شرب الخمر، والتبرج، والاختلاط، والزنا، وفعل قوم لوط، الخ.

قد نذر رجلٌ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينحرَ إبلًا بِبُوانَةَ إن وُلِدَ له ولدٌ ذَكرٌ، فلما أتَى النبيَّ ليسأله هل يجوز له الوفاء بالنذر، لم يجز له الرسول ذلك لمجرد أن الوفاء بالنذر واجب لقول الله {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا} (سورة الانسان)، بل استفسر صلى الله عليه وسلم عن مكان الوفاء بالنذر، وهو بُوانَةَ، وبحث فيما يمكن أن يكتنفه. فسأل الرسولُ الرجلَ: «هل كان فيها وثنٌ من أوثانِ الجاهليةِ يُعبدُ؟»، فقال الرجل: لا. فسأله الرسول: «فهل فيها عيدٌ من أعيادِهم؟»، قال الرجل: لا. فقال له رسول الله: «أوفِ بنذرِك، فإنه لا وفاءَ لنذرٍ في معصيةِ اللهِ ولا فيما لا يملكُه ابنُ آدمَ»(سنن أبي داود).

الرسول تحرى أن لا يوفي الرجل نذره في يوم ولا مكان يوافق شيئا من أعياد المشركين وعاداتهم، لكيلا يختلط إسلام بشرك، ولا تكون شبهة نذر لغير الله. فإن كان واجبٌ التحري فيما يكتنف ما هو واجب من الأعمال وداخل في العبادات، كالوفاء بالنذر، للحكم هل يجوز الوفاء به أم لا، فمن باب أولى التحري عما يكتنف المباحات من الأعمال، لمعرفة إن كانت تجوز أم لا في ظل الملابسات التي تكتنفها.

فمن شروط صحة الاجتهاد أو الفتوى، إلمام الفقيه بكل تفاصيل واقع المسألة وما يرتبط بها، وفهمها فهما مفصلا، ليمكنه تحقيق المناط، أي معرفة العلة أو العلل. وبعدها يجمع كل النصوص من القرآن والسُّنة النبوية التي تتطرق لكل جوانب المسألة، تتطرق لِعِلَلها أو ما يقاس عليها، لاستنباط الحكم الشرعي منها الذي يعالج فعلا كل جوانب المسألة. لذلك سُمِّيَ هذا البحث بـ «الفقه»، أي: الفهم الدقيق للشيء وما يرمي إليه من أغراض وأسرار ومقاصد، وأنه العلم بالأحكام الشّرعيّة العملية الفرعية المستنبطة من أدلّتها التّفصيليّة. لا يمكن للفقيه أن يصيب في الاجتهاد أو الفتوى، إذا لم يكن محيطا بكل جوانب الواقع الذي يبحث فيه.

فكيف يتجاهل المفتون في عصرنا لُبَّ المسألة، وهو تنظيم كأس العالم لكرة القدم ابتداء، ولا يبحثون فيها ويحاولوا فهم واقعها وكل ما يكتنفها، ليخوضوا بدلا من ذلك في جزئيات متفرعة عنها، كمشاهدة مباريات كرة القدم ولعبها.

المسلمون في حاجة ماسة لبحث شرعي عميق ومفصل، لا يقتصر على الفتوى بخصوص المُشَاهِد لمباريات الكرة القدم أو من يُمارسها، ولكن الأهم وابتداء فتوى واجتهاد بخصوص تنظيم الدولة بطولاتها، وهل يجوز للدول في العالم الاسلامي الانضمام للاتحادات والمنظمات الدولية الرياضية، مثل الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) وغيرها، هل ينطبق عليها مثل ما ينطبق مثلا على الأمم المتحدة، كون غالبها (أي الاتحادات الرياضية الدولية) مُسَيَّسة وتُفرض عن طريقها ثقافة الغرب وأفكاره؟ ناهيك عن تبذير الأموال.



 

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

د. هشام البواب

الدكتور هشام البواب، ناقد ومحلل سياسي واجتماعي مستقل . مقالاته تشمل موضوعات سياسية واجتماعية وفقهية وعلوم تجريبية :::::: بعض كتابات الدكتور هشام البواب في الرابط التالي: https://atanwir.com/منشورات-الدكتور-هشام-البواب ::::::: hicbou1@mailfence.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى