علوم شرعية وفقهية

سيد قطب يرد على الذين يدْعون إلى انتخاب أردوغان الحاكم العلماني

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بَادِرُوا بالأعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ المُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا» (صحيح مسلم).

نقتبس أحد التفاسير للحديث من ”الدُّرر السَّنية“: [الفِتَنُ التي يُخلَطُ فيها الحَقُّ بالباطِلِ بين أهلِ الإسلامِ، فيَصعُبُ على المُطَّلِعِ الفَصلُ والتَّمييزُ فيها، وتلك الفِتنُ تَكونُ كَقِطَعِ اللِّيلِ المُظلِمِ لا يَتميَّزُ بَعضُها من بَعضٍ، وهذا كِنايةٌ عن شِدَّتِها وضَرَرِها وشُمولِها لِكُلِّ مَن شَهِدَها، ويَكونُ المَرءُ في الْتِباسٍ مِنها؛ لا يَتميَّزُ بَعضُها من بَعضٍ، ومِن شِدَّةِ تلك الفِتَنِ يُصبِحُ الرَّجلُ مُؤمِنًا وَيُمسي كافِرًا، أو يُمسي مُؤمِنًا ويُصبِحُ كافِرًا، فيَأتيه مِنَ الفِتنِ ما تَزِلُّ به قَدمُه عن صِفَةِ الإيمانِ؛ وَهذا لِعِظَمِ الفِتنِ يَنقَلِبُ الإنسانُ في اليومِ الواحِدِ هذا الانقِلابَ! ومِن شِدَّةِ تلك الفِتَنِ أيضًا أن يَترُكَ المرءُ دينَه من أجلِ مَتاعٍ دَنيءٍ، وثَمنٍ رَديءٍ. وقَولُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «بعَرَضٍ مِنَ الدُّنيا»، أي: ما يَعرِضُ فيها، وكُلُّ ما في الدُّنيا فهو عَرَضٌ، وسُمِّيَ بذلك لأنَّه يَعرِضُ ويَزولُ؛ إمَّا أن تَزولَ أنت قَبْلَه، أو يَزولَ هو قَبْلَك. والمُبادَرةُ بالأعمالِ الصَّالحةِ عاصمٌ من تلك الفِتَنِ بفَضلِ اللهِ تَعالَى، فَليَحذِرِ المؤمِنُ، وليُسابِقْ بفِعلِ الحَسَناتِ قبْلَ الفواتِ] (انتهى الاقتباس).

إي والله إننا نعيش فِتَنًا كقطع الليل المظلم، أصبح المُنكر معروفا، والكفر إيمانا، والإفساد إصلاحا، .. أصبحت موالاة الطاغوتُ من الإيمان المُدخل للجنة، والتبرؤ منه كفرًا يُدخل جنهم، …

قبل بضعة أشهر، خرجت جحافل من أصحاب العمائم تُزَيِّن مهرجان اللهو والعبث والفساد والتبذير – كأس العالم لكرة القدم في في قطر لسنة 1444هـ/2022م –، وتلبسه لبوس الإسلام، تجعله فتحًا إسلاميَا، وتثني على حكام قطر بدلا من ذمهم ونهيهم عن المنكرات، … نفس العمائم خرجت اليوم لتلبس الانتخابات البرلمانية والرئاسية في تركيا لبوس الإسلام، خرجت لتجعل من الحُكْم بغير ما أنزل الله، واجبًا شرعيا يجب تأديته ونصرته، خرجت لتجعل من صراع سياسي بين أطراف كلها علمانية، صراعًا بين الاسلام والعلمانية، جعلوا من علمانية أردوغان إسلاما، لمجرد أنه سمح بالحجاب وفتحَ مساجد ومدارس تحفيظ القرآن، مع أن دول الغرب تسمح بأكثر من ذلك، دول الغرب حتى سمحت لمسلمين أن يعتلوا مراكز حساسة في الحكم (على سبيل المثال لا الحصر: حمزة يوسف رئيس اسكتلندا، وصادق خان عمدة لندن البريطانية، الخ)، وأمريكا سمحت للنساء المحجات باعتلاء مناصب في القضاء والبرلمان، الخ، وعدة دول غربية مليئة بالمساجد والمدارس الإسلامية، الخ .. ..

أصحاب العمائم جعلوا من أردوغان الذي يحكم بالطاغوت ويمجد أتاتورك ويرسخ العلمانية في العالم الإسلامي ككل وليس تركيا فحسب، ويبني اقتصاد تركيا على الربا، ويطور الصناعة الحربية بمعونة إسرائيل، ويوالي كل دول الكفر ضد المسلمين، وعضو فعال في حلف شمال الاطلسي النصراني، .. أردوغان الذي وصل للحكم في تركيا ورسخ كرسيه فيه بدعم قوي من أمريكا وإسرائيل، أردوغان الذي صادق على عدة قوانين أوروبية تحل ما حرم الله سعيا أن يقبله الاتحاد الأوروبي عضوا فيه، … جعلوا منه حاكما مؤمنا صالحا مصلحا، ناصرا للإسلام والمسلمين وأمل الأمة الإسلامية، ..

 

أردوغان – تركيا- ينصح مصر بالعلمانية

https://www.youtube.com/watch?v=N9Jx-hpEVWE

تمادى أصحاب العمائم في الكذب البواح، والتبرير الصبياتي السطحي السخيف، فاقت وقاحتهم وقاحة المومس التي تفتخر بحرفتها مُدَّعية أنها تجلب السعادة للرجال، حيث يخرجون ليقولوا “نعم نحن مداخلة أردوغان”! فسقطت عنهم – أي أصحاب العمائم – آخر ورقة التوت، ليظهروا عراة ممسوخين يشمئز منهم الناظر والسامع، .. عمائمُ اتخذوا من كلام الله ورسوله بضاعة يتاجرون بها من أجل عرض من الدنيا.

لقد ضرب لنا الله ورسوله أمثلة في هؤلاء المنسلخين عن الآيات التي تعلموها، ووصف لنا حالهم البائس حتى لا يُفتن بهم الناس ويَحْذروهم لكيلا يسوقونهم الى جنهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دُعَاة على أبواب جهنَّم، مَن أجابَهُم إليها قذَفُوه فيها» (صحيح البخاري)، وقوله صلى الله عليه وسلم: «إنَّمَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي الْأَئِمَّةَ الْمُضِلِّينَ» (صحيح الترمذي).

أصحاب العمائم الذين يروجون لحكم العلمانية، يروجون لأردوغان، وصفهم لنا الله في قوله سبحانه: {وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (176) سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ (177) مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَن يُضْلِلْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (178)} (سورة الأعراف).

يقول صاحب الظلال – سيد قطب – في تفسير هذه الآيات من سورة الأعراف:

[إِنْسَانٌ يُؤْتِيهِ اللَّهُ آيَاتِهِ، وَيَخْلَعُ عَلَيْهِ مِنْ فَضْلِهِ، وَيَكْسُوهُ مِنْ عِلْمِهِ، وَيُعْطِيهِ الْفُرْصَةَ كَامِلَةً لِلْهُدَى وَالِاتِّصَالِ وَالِارْتِفَاعِ.. وَلَكِنْ هَا هُوَ ذَا يَنْسَلِخُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ انْسِلَاخًا. يَنْسَلِخُ كَأَنَّمَا الْآيَاتُ أَدِيمٌ لَهُ مُتَلَبِّسٌ بِلَحْمِهِ فَهُوَ يَنْسَلِخُ مِنْهَا بِعُنْفٍ وَجُهْدٍ وَمَشَقَّةٍ، انْسِلَاخَ الْحَيِّ مِنْ أَدِيمِهِ اللَّاصِقِ بِكِيَانِهِ.. أَوَ لَيْسَتِ الْكَيْنُونَةُ الْبَشَرِيَّةُ مُتَلَبِّسَةً بِالْإِيمَانِ بِاللَّهِ تَلَبُّسَ الْجِلْدِ بِالْكِيَانِ؟ .. هَا هُوَ ذَا يَنْسَلِخُ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَيَتَجَرَّدُ مِنَ الْغِطَاءِ الْوَاقِي، وَالدِّرْعِ الْحَامِي وَيَنْحَرِفُ عَنِ الْهُدَى لِيَتَّبِعَ الْهَوَى وَيَهْبِطَ مِنَ الْأُفُقِ الْمَشْرِقِ فَيَلْتَصِقُ بِالطِّينِ الْمُعْتِمِ فَيُصْبِحُ غَرَضًا لِلشَّيْطَانِ لَا يَقِيهِ مِنْهُ وَاقٍ، وَلَا يَحْمِيهِ مِنْهُ حَامٍ فَيَتْبَعُهُ وَيَلْزَمُهُ وَيَسْتَحْوِذُ عَلَيْهِ.. ثُمَّ إِذَا نَحْنُ أُولَاءِ أَمَامَ مَشْهَدٍ مُفْزِعٍ بَائِسٍ نَكِدٍ.. إِذَا نَحْنُ بِهَذَا الْمَخْلُوقِ، لَاصِقًا بِالْأَرْضِ، مُلَوَّثًا بِالطِّينِ. ثُمَّ إِذَا هُوَ مَسْخٌ فِي هَيْئَةِ الْكَلْبِ، يَلْهَثُ إِنْ طُورِدَ وَيَلْهَثُ إِنْ لَمْ يُطَارَدْ.. كُلُّ هَذِهِ الْمَشَاهِدِ الْمُتَحَرِّكَةِ تَتَتَابَعُ وَتَتَوَالَى وَالْخَيَالُ شَاخِصٌ يَتْبَعُهَا فِي انْفِعَالٍ وَانْبِهَارٍ وَتَأَثُّرٍ.. فَإِذَا انْتَهَى إِلَى الْمَشْهَدِ الْأَخِيرِ مِنْهَا.. مَشْهَدِ اللَّهَاثِ الَّذِي لَا يَنْقَطِعُ.. سَمِعَ التَّعْلِيقَ الْمَرْهُوبَ الْمُوحِيَ، عَلَى الْمَشْهَدِ كُلِّهِ:

{ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ، سَاءَ مَثَلا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ} (سورة الأعراف).

ذَلِكَ مَثَلُهُمْ! فَلَقَدْ كَانَتْ آيَاتُ الْهُدَى وَمُوحِيَاتِ الْإِيمَانِ مُتَلَبِّسَةً بِفِطْرَتِهِمْ وَكِيَانِهِمْ وَبِالْوُجُودِ كُلِّهِ مِنْ حَوْلِهِمْ.

ثُمَّ إِذَا هُمْ يَنْسَلِخُونَ مِنْهَا انْسِلَاخًا. ثُمَّ إِذَا هُمْ أَمُسَاخٌ شَائِهُو الْكِيَانِ، هَابِطُونَ عَنْ مَكَانِ “الْإِنْسَانِ” إِلَى مَكَانِ الْحَيَوَانِ.. مَكَانِ الْكَلْبِ الَّذِي يَتَمَرَّغُ فِي الطِّينِ.. وَكَانَ لَهُمْ مِنَ الْإِيمَانِ جَنَاحٌ يَرِفُّونَ بِهِ إِلَى عِلِّيِّينَ وَكَانُوا مِنْ فِطْرَتِهِمُ الْأُولَى فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ، فَإِذَا هُمْ يَنْحَطُّونَ مِنْهَا إِلَى أَسْفَلِ سَافِلِينَ! سَاءَ مَثَلا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ! ..

وَهَلْ أَسْوَأُ مِنْ هَذَا الْمَثَلِ مَثَلًا؟ وَهَلْ أَسْوَأُ مِنَ الانْسِلَاخِ وَالتَّعَرِّي مِنَ الْهُدَى؟ وَهَلْ أَسْوَأُ مِنَ اللُّصُوقِ بِالْأَرْضِ وَاتِّبَاعِ الْهَوَى؟ وَهَلْ يَظْلِمُ إِنْسَانٌ نَفْسَهُ كَمَا يَظْلِمُهَا مَنْ يَصْنَعُ بِهَا هَكَذَا؟ مَنْ يُعَرِّيهَا مِنَ الْغِطَاءِ الْوَاقِي وَالدِّرْعِ الْحَامِي، وَيَدَعُهَا غَرَضًا لِلشَّيْطَانِ يَلْزَمُهَا وَيَرْكَبُهَا، وَيَهْبِطُ بِهَا إِلَى عَالَمِ الْحَيَوَانِ اللَّاصِقِ بِالْأَرْضِ، الْحَائِرِ الْقَلِقِ، اللَّاهِثِ لُهَاثَ الْكَلْبِ أَبَدًا!!! وَهَلْ يَبْلُغُ قَوْلُ قَائِلٍ فِي وَصْفِ هَذِهِ الْحَالَةِ وَتَصْوِيرِهَا عَلَى هَذَا النَّحْوِ الْعَجِيبِ الْفَرِيدِ إِلَّا هَذَا الْقُرْآنَ الْعَجِيبَ الْفَرِيدَ!! وَبَعْدُ.. فَهَلْ هُوَ نَبَأٌ يُتْلَى؟ أَمْ أَنَّهُ مَثَلٌ يُضْرَبُ فِي صُورَةِ النَّبَإِ لِأَنَّهُ يَقَعُ كَثِيرًا. فَهُوَ مِنْ هَذَا الْجَانِبِ خَبَرٌ يُرْوَى؟

……

فَهُوَ يُمَثِّلُ حَالَ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ أَنْ تَبَيَّنَ لَهُمْ فَيَعْرِفُوهَا ثُمَّ لَا يَسْتَقِيمُوا عَلَيْهَا.. وَمَا أَكْثَرَ مَا يَتَكَرَّرُ هَذَا النَّبَأُ فِي حَيَاةِ الْبَشَرِ مَا أَكْثَرَ الَّذِينَ يُعْطُونَ عِلْمَ دِينِ اللَّهِ، ثُمَّ لَا يَهْتَدُونَ بِهِ، إِنَّمَا يَتَّخِذُونَ هَذَا الْعِلْمَ وَسِيلَةً لِتَحْرِيفِ الْكَلِمِ عَنْ مَوَاضِعِهِ. وَاتِّبَاعِ الْهَوَى بِهِ.. هَوَاهُمْ وَهَوَى الْمُتَسَلِّطِينَ الَّذِينَ يَمْلِكُونَ لَهُمْ – فِي وَهْمِهِمْ – عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا.

وَكَمْ مِنْ عَالِمِ دِينٍ رَأَيْنَاهُ يَعْلَمُ حَقِيقَةَ دِينِ اللَّهِ ثُمَّ يَزِيغُ عَنْهَا، وَيُعْلِنُ غَيْرَهَا، وَيَسْتَخْدِمُ عِلْمَهُ فِي التَّحْرِيفَاتِ الْمَقْصُودَةِ، وَالْفَتَاوَى الْمَطْلُوبَةِ لِسُلْطَانِ الْأَرْضِ الزَّائِلِ! يُحَاوِلُ أَنْ يُثَبِّتَ بِهَا هَذَا السُّلْطَانَ الْمُعْتَدِيَ عَلَى سُلْطَانِ اللَّهِ وَحُرُمَاتِهِ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا! لَقَدْ رَأَيْنَا مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يَعْلَمُ وَيَقُولُ: إِنَّ التَّشْرِيعَ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ – سُبْحَانَهُ – مَنِ ادَّعَاهُ فَقَدِ ادَّعَى الْأُلُوهِيَّةَ. وَمَنِ ادَّعَى الْأُلُوهِيَّةَ فَقَدْ كَفَرَ. وَمَنْ أَقَرَّ لَهُ بِهَذَا الْحَقِّ وَتَابَعَهُ عَلَيْهِ فَقَدْ كَفَرَ أَيْضًا! .. وَمَعَ ذَلِكَ.. مَعَ عِلْمِهِ بِهَذِهِ الْحَقِيقَةِ، الَّتِي يَعْلَمُهَا مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ، فَإِنَّهُ يَدْعُو لِلطَّوَاغِيتِ الَّذِينَ يَدَّعُونَ حَقَّ التَّشْرِيعِ، وَيَدَّعُونَ الْأُلُوهِيَّةَ بِادِّعَاءِ هَذَا الْحَقِّ.. مِمَّنْ حَكَمَ عَلَيْهِمْ هُوَ بِالْكُفْرِ! وَيُسَمِّيهِمُ ” الْمُسْلِمِينَ ” ! وَيُسَمِّي مَا يُزَاوِلُونَهُ إِسْلَامًا لَا إِسْلَامَ بَعْدَهُ! .. وَلَقَدْ رَأَيْنَا مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يَكْتُبُ فِي تَحْرِيمِ الرِّبَا كُلِّهِ عَامًا ثُمَّ يَكْتُبُ فِي حِلِّهِ كَذَلِكَ عَامًا آخَرَ.. وَرَأَيْنَا مِنْهُمْ مَنْ يُبَارِكُ الْفُجُورَ وَإِشَاعَةَ الْفَاحِشَةِ بَيْنَ النَّاسِ، وَيَخْلَعُ عَلَى هَذَا الْوَحْلِ رِدَاءَ الدِّينِ وَشَارَاتِهِ وَعَنَاوِينَهُ..

فَمَاذَا يَكُونُ هَذَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِصْدَاقًا لِنَبَإِ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ؟

وَمَاذَا يَكُونُ هَذَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَسْخَ الَّذِي يَحْكِيهِ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَنْ صَاحِبِ النَّبَإِ: وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا، وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ. فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ! .. وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَرَفَعَهُ بِمَا آتَاهُ مِنَ الْعِلْمِ بِآيَاتِهِ. وَلَكِنَّهُ – سُبْحَانَهُ – لَمْ يَشَأْ، لِأَنَّ ذَلِكَ الَّذِي عَلِمَ الْآيَاتِ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ، وَلَمْ يَتَّبِعِ الْآيَاتِ..

إِنَّهُ مَثَلٌ لِكُلِّ مَنْ آتَاهُ اللَّهُ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ فَلَمْ يَنْتَفِعْ بِهَذَا الْعِلْمِ وَلَمْ يَسْتَقِمْ عَلَى طَرِيقِ الْإِيمَانِ. وَانْسَلَخَ مِنْ نِعْمَةِ اللَّهِ. لِيُصْبِحَ تَابِعًا ذَلِيلًا لِلشَّيْطَانِ. وَلِيَنْتَهِيَ إِلَى الْمَسْخِ فِي مَرْتَبَةِ الْحَيَوَانِ! ثُمَّ مَا هَذَا اللُّهَاثُ الَّذِي لَا يَنْقَطِعُ؟

إِنَّهُ – فِي حِسِّنَا كَمَا تُوحِيهِ إِيقَاعَاتُ النَّبَإِ وَتَصْوِيرُ مَشَاهِدِهِ فِي الْقُرْآنِ – ذَلِكَ اللُّهَاثُ وَرَاءَ أَعْرَاضِ هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا يَنْسَلِخُ الَّذِينَ يُؤْتِيهِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ فَيَنْسَلِخُونَ مِنْهَا. ذَلِكَ اللُّهَاثُ الْقَلِقُ الَّذِي لَا يَطْمَئِنُّ أَبَدًا. وَالَّذِي لَا يَتْرُكُهُ صَاحِبُهُ سَوَاءً وَعَظْتَهُ أَمْ لَمْ تَعِظْهُ فَهُوَ مُنْطَلِقٌ فِيهِ أَبَدًا! وَالْحَيَاةُ الْبَشَرِيَّةُ مَا تَنِي تَطْلُعُ عَلَيْنَا بِهَذَا الْمَثَلِ فِي كُلِّ مَكَانٍ وَفِي كُلِّ زَمَانٍ وَفِي كُلِّ بِيئَةٍ.. حَتَّى إِنَّهُ لَتَمُرُّ فَتَرَاتٌ كَثِيرَةٌ، وَمَا تَكَادُ الْعَيْنُ تَقَعُ عَلَى عَالِمٍ إِلَّا وَهَذَا مَثَلُهُ. فِيمَا عَدَا النُّدْرَةَ النَّادِرَةَ مِمَّنْ عَصَمَ اللَّهُ، مِمَّنْ لَا يَنْسَلِخُونَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، وَلَا يَخْلُدُونَ إِلَى الْأَرْضِ وَلَا يَتَّبِعُونَ الْهَوَى وَلَا يَسْتَذِلُّهُمُ الشَّيْطَانُ وَلَا يَلْهَثُونَ وَرَاءَ الْحُطَامِ الَّذِي يَمْلِكُهُ أَصْحَابُ السُّلْطَانِ! .. فَهُوَ مَثَلٌ لَا يَنْقَطِعُ وُرُودُهُ وَوُجُودُهُ وَمَا هُوَ بِمَحْصُورٍ فِي قِصَّةٍ وَقَعَتْ، فِي جِيلٍ مِنَ الزَّمَانِ! وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَنْ يَتْلُوَهُ عَلَى قَوْمِهِ الَّذِينَ كَانَتْ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ آيَاتُ اللَّهِ، كَيْ لَا يَنْسَلِخُوا مِنْهَا وَقَدْ أُوتُوهَا. ثُمَّ لِيَبْقَى مِنْ بَعْدِهِ وَمِنْ بَعْدِهِمْ يُتْلَى، لِيَحْذَرَ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ شَيْئًا أَنْ يَنْتَهُوا إِلَى هَذِهِ النِّهَايَةِ الْبَائِسَةِ وَأَنْ يَصِيرُوا إِلَى هَذَا اللُّهَاثِ الَّذِي لَا يَنْقَطِعُ أَبَدًا وَأَنْ يَظْلِمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَلِكَ الظُّلْمَ الَّذِي لَا يَظْلِمُهُ عَدُوٌّ لِعَدُوٍّ. فَإِنَّهُمْ لَا يَظْلِمُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ بِهَذِهِ النِّهَايَةِ النَّكِدَةِ! وَلَقَدْ رَأَيْنَا مِنْ هَؤُلَاءِ – وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ – فِي زَمَانِنَا هَذَا مَنْ كَانَ كَأَنَّمَا يَحْرِصُ عَلَى ظُلْمِ نَفْسِهِ أَوْ كَمَنْ يَعَضُّ بِالنَّوَاجِذِ عَلَى مَكَانٍ لَهُ فِي قَعْرِ جَهَنَّمَ يَخْشَى أَنْ يُنَازِعَهُ إِيَّاهُ أَحَدٌ مِنَ الْمُتَسَابِقِينَ مَعَهُ فِي الْحَلْبَةِ! فَهُوَ مَا يَنِي يُقَدِّمُ كُلَّ صَبَاحٍ مَا يُثَبِّتُ بِهِ مَكَانَهُ هَذَا فِي جَهَنَّمَ! وَمَا يَنِي يَلْهَثُ وَرَاءَ هَذَا الْمَطْمَعِ لُهَاثًا لَا يَنْقَطِعُ حَتَّى يُفَارِقَ هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا! اللَّهُمَّ اعْصِمْنَا، وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا، وَأَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا، وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ..

ثُمَّ نَقِفُ أَمَامَ هَذَا النَّبَإِ وَالتَّعْبِيرِ الْقُرْآنِيِّ عَنْهُ وَقْفَةً أُخْرَى..

إِنَّهُ مَثَلٌ لِلْعِلْمِ الَّذِي لَا يَعْصِمُ صَاحِبَهُ أَنْ تُثْقَلَ بِهِ شَهَوَاتُهُ وَرَغَبَاتُهُ فَيَخْلُدُ إِلَى الْأَرْضِ لَا يَنْطَلِقُ مِنْ ثَقْلَتِهَا وَجَاذِبِيَّتِهَا وَأَنَّ يَتَّبِعَ هَوَاهُ فَيَتْبَعُهُ الشَّيْطَانُ وَيَلْزَمُهُ وَيَقُودُهُ مِنْ خِطَامِ هَذَا الْهَوَى..

وَمِنْ أَجْلِ أَنَّ الْعِلْمَ لَا يَعْصِمُ يَجْعَلُ الْمَنْهَجُ الْقُرْآنِيُّ طَرِيقَهً لِتَكْوِينِ النُّفُوسِ الْمُسْلِمَةِ وَالْحَيَاةِ الْإِسْلَامِيَّةِ، لَيْسَ الْعِلْمُ وَحْدَهُ لِمُجَرَّدِ الْمَعْرِفَةِ وَلَكِنْ يَجْعَلُ الْعِلْمَ عَقِيدَةً حَارَّةً دَافِعَةً مُتَحَرِّكَةً لِتَحْقِيقِ مَدْلُولِهَا فِي عَالَمِ الضَّمِيرِ وَفِي عَالَمِ الْحَيَاةِ أَيْضًا..

إِنَّ الْمَنْهَجَ الْقُرْآنِيَّ لَا يُقَدِّمُ الْعَقِيدَةَ فِي صُورَةِ “نَظَرِيَّةٍ” لِلدِّرَاسَةِ.. فَهَذَا مُجَرَّدُ عِلْمٍ لَا يُنْشِئُ فِي عَالَمِ الضَّمِيرِ وَلَا فِي عَالَمِ الْحَيَاةِ شَيْئًا.. إِنَّهُ عِلْمٌ بَارِدٌ لَا يَعْصِمُ مِنَ الْهَوَى، وَلَا يَرْفَعُ مِنْ ثِقْلَةِ الشَّهَوَاتِ شَيْئًا. وَلَا يَدْفَعُ الشَّيْطَانُ بَلْ رُبَّمَا ذَلَّلَ لَهُ الطَّرِيقَ وَعَبَّدَهَا! كَذَلِكَ هُوَ لَا يُقَدِّمُ هَذَا الدِّينَ دِرَاسَاتٍ فِي “النِّظَامِ الْإِسْلَامِيِّ” وَلَا فِي “الْفِقْهِ الْإِسْلَامِيِّ” وَلَا فِي “الِاقْتِصَادِ الْإِسْلَامِيِّ” وَلَا فِي “الْعُلُومِ الْكَوْنِيَّةِ” وَلَا فِي “الْعُلُومِ النَّفْسِيَّةِ” وَلَا فِي أَيَّةِ صُورَةٍ مِنْ صُوَرِ الدِّرَاسَةِ الْمَعْرِفِيَّةِ! إِنَّمَا يُقَدِّمُ هَذَا الدِّينَ عَقِيدَةً دَافِعَةً دَافِقَةً مُحْيِيَةً مُوقِظَةً رَافِعَةً مُسْتَعْلِيَةً تَدْفَعُ إِلَى الْحَرَكَةِ لِتَحْقِيقِ مَدْلُولِهَا الْعَمَلِيِّ فَوْرَ اسْتِقْرَارِهَا فِي الْقَلْبِ وَالْعَقْلِ وَتُحْيِي مَوَاتَ الْقَلْبِ فَيَنْبِضُ وَيَتَحَرَّكُ وَيَتَطَلَّعُ وَتُوقِظُ أَجْهِزَةَ الِاسْتِقْبَالِ وَالِاسْتِجَابَةِ فِي الْفِطْرَةِ فَتَرْجِعُ إِلَى عَهْدِ اللَّهِ الْأَوَّلِ وَتَرْفَعُ الِاهْتِمَامَاتِ وَالْغَايَاتِ فَلَا تُثْقِلُهَا جَاذِبِيَّةُ الطِّينِ وَلَا تَخْلُدُ إِلَى الْأَرْضِ أَبَدًا.

وَيُقَدِّمُهُ مَنْهَجًا لِلنَّظَرِ وَالتَّدَبُّرِ يَتَمَيَّزُ وَيَتَفَرَّدُ دُونَ مَنَاهِجِ الْبَشَرِ فِي النَّظَرِ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا جَاءَ لِيُنْقِذَ الْبَشَرَ مِنْ قُصُورِ مَنَاهِجِهِمْ وَأَخْطَائِهَا وَانْحِرَافِهَا تَحْتَ لَعِبِ الْأَهْوَاءِ، وَثَقْلَةِ الْأَبْدَانِ، وَإِغْوَاءِ الشَّيْطَانِ! وَيُقَدِّمُهُ مِيزَانًا لِلْحَقِّ تَنْضَبِطُ بِهِ عُقُولُ النَّاسِ وَمَدَارِكُهُمْ، وَتُقَاسُ بِهِ وَتُوزَنُ اتِّجَاهَاتُهُمْ وَحَرَكَاتُهُمْ وَتَصَوُّرَاتُهُمْ فَمَا قَبِلَهُ مِنْهَا هَذَا الْمِيزَانُ كَانَ صَحِيحًا لِتَمْضِيَ فِيهِ وَمَا رَفَضَهُ هَذَا الْمِيزَانُ كَانَ خَاطِئًا يَجِبُ الْإِقْلَاعُ عَنْهُ.

وَيُقَدِّمُهُ مَنْهَجًا لِلْحَرَكَةِ يَقُودُ الْبَشَرِيَّةَ خُطْوَةً خُطْوَةً فِي الطَّرِيقِ الصَّاعِدِ إِلَى الْقِمَّةِ السَّامِقَةِ. وَفْقَ خُطَاهُ هُوَ وَوَفْقَ تَقْدِيرَاتِهِ.. وَفِي أَثْنَاءِ الْحَرَكَةِ الْوَاقِعِيَّةِ يَصُوغُ لِلنَّاسِ نِظَامَ حَيَاتِهِمْ، وَأُصُولَ شَرِيعَتِهِمْ، وَقَوَاعِدَ اقْتِصَادِهِمْ وَاجْتِمَاعِهِمْ وَسِيَاسَتِهِمْ. ثُمَّ يَصُوغُ النَّاسُ بِعُقُولِهِمُ الْمُنْضَبِطَةِ بِهِ تَشْرِيعَاتِهِمُ الْعَانُونِيَّةَ الْفِقْهِيَّةَ، وَعُلُومَهُمُ الْكَوْنِيَّةَ وَالنَّفْسِيَّةَ، وَسَائِرَ مَا تَتَطَلَّبُهُ حَيَاتُهُمُ الْعَمَلِيَّةُ الْوَاقِعِيَّةُ.. يَصُوغُونَهَا وَفِي نُفُوسِهِمْ حَرَارَةُ الْعَقِيدَةِ وَدَفْعَتُهَا، وَجِدِّيَّةُ الشَّرِيعَةِ وَوَاقِعِيَّتُهَا وَاحْتِيَاجَاتُ الْحَيَاةِ الْوَاقِعِيَّةِ وَتَوْجِيهَاتُهَا.

هَذَا هُوَ الْمَنْهَجُ الْقُرْآنِيُّ فِي صِيَاغَةِ النُّفُوسِ الْمُسْلِمَةِ وَالْحَيَاةِ الْإِسْلَامِيَّةِ.. أَمَّا الدِّرَاسَةُ النَّظَرِيَّةُ لِمُجَرَّدِ الدِّرَاسَةِ، فَهَذَا هُوَ الْعِلْمُ الَّذِي لَا يَعْصِمُ مِنْ ثَقْلَةِ الْأَرْضِ وَدَفْعَةِ الْهَوَى وَإِغْوَاءِ الشَّيْطَانِ وَلَا يُقَدِّمُ لِلْحَيَاةِ الْبَشَرِيَّةِ خَيْرًا ! وَيَقِفُ السِّيَاقُ وَقْفَةً قَصِيرَةً لِلتَّعْقِيبِ عَلَى ذَلِكَ الْمَثَلِ الشَّاخِصِ فِي ذَلِكَ الْمَشْهَدِ، لِلَّذِي آتَاهُ اللَّهُ آيَاتِهِ فَانْسَلَخَ مِنْهَا، بِأَنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ. فَمَنْ هَدَاهُ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي حَقًّا وَمَنْ أَضَلَّهُ اللَّهُ فَهُوَ الْخَاسِرُ الَّذِي لَا يَرْبَحُ شَيْئًا: {مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي، وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ}] (انتهى الاقتباس من الظلال).



 

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

د. هشام البواب

الدكتور هشام البواب، ناقد ومحلل سياسي واجتماعي مستقل . مقالاته تشمل موضوعات سياسية واجتماعية وفقهية وعلوم تجريبية :::::: بعض كتابات الدكتور هشام البواب في الرابط التالي: https://atanwir.com/منشورات-الدكتور-هشام-البواب ::::::: hicbou1@mailfence.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى