علوم شرعية وفقهية

الأردوغانيون: من الاضطرار المتوهم لأكل لحم الخنزير الى إنشاء مزارع لتربيتها وتعليفها وبيعها بالجملة

الأردوغانيون يبررون حكم أردوغان بغير ما أنزل الله بالاضطرار، ويستشهدون بنصوص من القرآن والسُّنة التي تبيح بعض المحظورات في حالات الخشية على النفس من الهلاك، كمن يضطر لأكل لحم الخنزير أو الميتة أو يشرب الخمر، حتى لا يموت جوعا أو عطشا.

أولا هذا قياس باطل ولا يجوز البتة. إذا كان الإنسان مُجبراً على الأكل والشرب وإلا مات في بضعة أيام، مع وجود نصوص من القرآن والسنة تبيح أكل أو شرب محرمات من الطعام أو الشراب للبقاء على الحياة، فإن أردوغان وأي إنسان في الدنيا، ليس مجبرا على تولي أي منصب في الحكم ومن ثم ليس مُجبراً على الحكم بغير ما أنزل الله، فالحكم الشرعي واضح صريح هنا: لا تتولى منصب الحكم أو القضاء إذا لم يكن باستطاعتك الحكم أو القضاء بما أنزل الله. الناس لهم ربهم هو يتولاهم، فلا تظنن أنك أرحم بالعباد من الله، فتتوَهَّم أنك ستخفف عنهم الشر بتولي منصب الحكم، فتُبقي الحكم بغير ما أنزل الله وترسخه، مقابل السماح لهم بالقيام ببعض الشعائر الدينية. لعل شَرّك أعظم من الحاكم الذي لم يلبس لبوس الاسلام، إذ جعلتَ الطاغوت إسلاما، وروَّضت المسلمين على التعايش معه ونصرته بدلا من الخروج عليه وقلعه عن بكرة أبيه! أقنعتَ الناس أن الإسلام مجرد مجموعة شعائر كالصلاة والصيام والحج والحجاب، ولا حق له للتدخل في الحكم والسياسة. تُخَوِّف الناس بأنه حتى ممارسة الشعائر ستُمنع عنهم إذا حاولوا السعي لإقامة الشريعة، فمن – بعد هذا الترويض والتخويف – سيفكر قط في الثورة على الطاغوت وإقامة الشريعة؟ بل سيتحول المسلمون، علمائهم وعوامهم، لحُماة شرسين للحكم بالطاغوت، وسيحاربون كل من يدعوا ويعمل لقلعه!

إذا كان الحكم بغير ما أنزل الله جائز بحجة اختيار أخف الشرين، لقبل الرسول عروض قريش في مكة للتخفيف من وطأة المشركين على المسلمين ومن البطش بهم. الرسول قُدمت له عروض أفضل بسنوات ضوئية من العروض التي قُدمت للجماعات “الإسلامية” اليوم، وعلى رأسها الإخوان في مصر والعدالة والتنمية في تركيا، ومع ذلك رفضها صلى الله عليه وسلم كلها ما دامت تستوجب التنازل ولو عن جزء يسير من الإسلام أو فيها خلط كفرٍ بإيمان {وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا} (سورة الإسراء)، {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} (سورة الكافرون). فقد رفض عرض قريش بأن تجعله ملكًا وتمنحه ما شاء من الأموال وأن تشركه في الحكم فلا تتخذ قرارًا إلا بالرجوع إليه. ورفض الرسول تولي الحكم في بلاد قبيلة بني عامر بن صَعْصَعَة، لمجرد أنهم شرطوا عليه أن يتولى شخص منهم منصب الحكم بعد وفاة الرسول. ورفض صلى الله عليه وسلم تولي الحكم في بلاد قبيلة بني شيبان، لأنها لم تشأ فسخ تبعيتها لدولة الفرس ومحاربتها إن استدعت الظروف ذلك.

ثم كيف تقيسون الاضطرار والإكراه في أمور متعلقة بالأكل والشرب والقول دون العمل، أمور متعلقة بالفرد (رخَّصها الله بشروطها)، والتي لا ينتفي معها الإيمان بحالٍ، ولا تُستبدل بسببها قوانين الطاغوت بالشريعة، .. تقيسونها بأمور متعلقة بحق الله سبحانه، لا يقبل أن يُشرك فيها ‏{‏أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا‏}‏ ‏(سورة النساء‏)، {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} (سورة النساء)؟ فالحكم بما أنزل الله حدٌّ فاصلٌ بين الكفر والإيمان، تنقطع دونه الأعناق، فلا نعلم رخصة لكائنٍ من كان أن يحكم بغير ما أنزل الله، موته أهون من أن يفعل ذلك.

أرايت إن أُكْرِه إنسان على قتل غيره، هل جاز له ذلك؟ يقول القرطبي: [أَجْمَعَ العُلَمَاءُ على أَنَّ مَنْ أُكْرِهَ عَلَى قَتْلِ غَيْرِهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الإِقْدَامُ عَلَى قَتْلِهِ وَلَا انْتِهَاكُ حُرْمَتِهِ بجَلْدٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَيَصْبرُ عَلَى البَلَاءِ الَّذِي نَزَلَ بهِ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَفْدِيَ نَفْسَهُ بِغَيْرِهِ، وَيَسْأَلُ اللَّهُ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ] (تفسير القرطبي، سورة النحل). من أُكْرِه على قتل غيره، لا يجوز له بحالٍ فعل ذلك، حتى لو كان رفضه يترتب عنه أن يُقتل هو أو يُعذب. فما بالك بما هو أعظم من القتل، فتنة الناس في دينهم بحكمهم بغير ما أنزل الله وإفساد عقيدتهم {وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ} (سورة البقرة)، ترويضهم على الرضا بالطاغوت والتصويت له والفرحة به والتعايش معه، وقبول هيمنته على التشريع الذي هو حق لله وحده، مقابل السماح لهم ببعض شعائر العبادات، أيُّ ضلال وأي فساد وأي فتنة أعظم من هذا!

ومع بطلان قياس الأردوغانيين لحكم أردوغان بغير ما أنزل الله بالاضطرار لأكل لحم الخنزير أو الميتة أو شرب الخمر حتى لا يموت الانسان جوعا أو عطشا – كما بينا باختصار فيما تقدم -، فإنهم مع ذلك لم يكتفوا بأكلٍ وشربٍ طارئ لتلك المحظورات وبأقل كمية للبقاء على الحياة، مع إظهار كرههم لذلك، بل أصبحت لهم مزارع واسعة لتربية الخنازير وتعليفها وذبحها وبيع لحومها بالجملة لكل العالم، وأصبحوا ينقبون عن الجيف في كل بقاع الأرض، ويشترونها، ليصنعوا منها طعاما ويسوقونه للعالم، .. وأصبحت لهم مصانع لصناعة كل أنواع الخمور وبيعها للعالم! .. حالهم كمُراهِق طائشٍ جرَّب مرة نوعا من المخدرات “مُضطرا” لتساعده على تجاوز مرحلة عصيبة من حياته، بحيث تنسيه الهموم، فإذا به أصبح مدمنا عليها، ومتاجرا فيها! ولا يخفى على أحد مآل المدمن على المخدرات وخطره على البشرية، … فهذا هو حال الأردوغانيين “الإسلامقراطيين”، يشكلون خطرا على البشرية، بصرف الناس عن التوحيد الخالص لله!


 

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

د. هشام البواب

الدكتور هشام البواب، ناقد ومحلل سياسي واجتماعي مستقل . مقالاته تشمل موضوعات سياسية واجتماعية وفقهية وعلوم تجريبية :::::: بعض كتابات الدكتور هشام البواب في الرابط التالي: https://atanwir.com/منشورات-الدكتور-هشام-البواب ::::::: hicbou1@mailfence.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى