علوم شرعية وفقهية

مدونة الأسرة .. مدمرة الأسرة: لا يجوز للمعاهدات “الدولية” أن تحل حراما أو تحرم حلالا

اللغة والتشريع يُعتبران من بين أهم أركان سيادة الدولة، وكلاهما يجب أن ينبثقا من قناعات الأمة وعقيدتها. فإن استغنت دولةٌ عن لغة أمتها، مَثَلاً بجعل التعليم في بلادها بلغة أجنبية، أو إذا جعلت مرجعيةَ التشريع لجهةٍ أو جهاتٍ خارجية، فَقَدَت سيادتها، لم يبقى لديها نفوذ على بلادها؛ بل أصبح بِيَدِ المرجعيات الخارجية. أصبح ذلك الكيان مجرد دويلة وظيفية هزيلة فوضوية، لا قيمة لها بين الأمم، تسخرها الدول السيادية لخدمة مصالحها، ولدَيَّ في هذا الشأن بحثا مفصلا من عدة أجزاء تحت عنوان “الدول السيادية والدول الوظيفية”. 

لذلك إذا احتلت دولةٌ بلادًا، أول ما تستهدفه؛ التشريع واللغة، فتلغي قوانين البلد المغزو وتفرض على الشعب قوانينها هي، وتجعل لغتها هي لغة التعليم والعِلْم. فاللغة والتشريع هما الأمة، .. والدولة مؤسَّسَة تنفيذية تنوب عن الأمة في إقامة عقيدتها وتنظيم علاقات الناس بقوانين منبثقة من تلك العقيدة. فإن تخلت أمة أو دولة عن عقيدتها، تحولت لمجرد كيان ممسوخ، نسخة ممسوخة من الدول السيادية. 

حين تصبح الدولة تابعة في منظومتها التشريعية لدول أو منظمات أجنبية، فإنها – إلى جانب فقدانها لسيادتها وهويتها -، تَفْقِد أمنها الاجتماعي، إذ أن أهم أسس وشروط الأمن الاجتماعي هو تمكين الناس من العيش حسب ما يوافق عقيدتهم (إيمانهم) ويوافق مشاعرهم المنبثقة من تلك العقيدة، بحيث يكون انسجامٌ تام بين القوانين وبين عقيدة الناس، فلا تكون مثلا قوانين تُحَرِّم ما تحلّه عقيدتهم ولا قوانين تحلُّ ما هو حرام حسب عقيدتهم، ولا تكون قوانين تمنعهم من ممارسة ما أمرتهم عقيدتهم القيام به، ولا قوانين تجبرهم على القيام بما تلزمهم عقيدتهم تركه، ولا تكون قوانين تبيح ما يفتنهم في معتقدهم. هذا هو الأمن الحقيقي الذي يحقق الطمأنينة والتواؤُم بين الناس، هذا هو الأمن الاجتماعي، والمجنون هو الذي يسعى لخراب أمنه الاجتماعي بيده! فقد قال الله سبحانه {وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ} (سورة البقرة)؛ أي [ابْتِلَاءُ الْمُؤْمِنِ فِي دِينِهِ حَتَّى يَرْجِعَ عَنْهُ فَيَصِيرَ مُشْرِكًا بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِسْلَامِهِ، أَشَدُّ عَلَيْهِ وَأَضَرُّ مِنْ أَنْ يُقْتَلَ مُقِيمًا عَلَى دِينِهِ مُتَمَسِّكًا عَلَيْهِ، مُحِقًّا فِيهِ] (تفسير الطبري).

هذا الأمن الاجتماعي مخترق في بلدان المسلمين كافة من قِبَلِ الغرب، بدأ تقويضه خلال الغزو العسكري المباشر لبلاد المسلمين، لكنه استمر حتى بعد خروج جيوش الغرب، بل زادت وتيرة تغريب المسلمين عن الإسلام بفرض قوانين لا تَمُتُّ لهم بصلة، قوانين تحرم ما أحل الله وتحل ما حرم الله. 

لافت للنظر أن استمرارية هذا الخرق للأمن الاجتماعي للمسلمين، لا يتم عن طريق القوة الصلبة أو الخشنة كما كان في عهد الاحتلال العسكري المباشر، ولكنه يتم عن طريق قوى “ناعمة” وتحت أعين حكام البلدان الإسلامية وبرضاهم ومباركتهم. من بين تلك القوى الناعمة الداخلية (أو بالأحرى مندسة في بلدان المسلمين)، والتي يعتمد عليها الغرب في البلدان المُستهدفة ويدعمها ماليا وسياسيا وإعلاميا:

  • كثير مما يُسمى منظمات المجتمع المدني، وتشمل الجمعيات النسوية وجمعيات حقوق الانسان، وجمعيات حقوق المرأة، ومنظمات حقوق الطفل، ومؤسسات الإغاثة، الخ …
  • كثير من المؤسسات التعليمية كالمدارس والجامعات
  • إعلاميين ومؤسسات إعلامية، مرئية وسمعية ومطبوعة
  • قطاعات ما يسمى الفن وعلى رأسه العروض التمثيلية التي تدخل بيوت غالبية الناس ولعبت دورا مهما في تسويغ نمط العيش الغربي مثل التبرج واللباس الغربي وحلاقات الشعر الغربية والعلاقات بين المرأة والرجل خارج إطار الزواج، الخ
  • أحزاب سياسية
  • أعضاء مجالس النواب واللجان التشريعة فيها، الخ

ومن بين القوى الناعمة الخارجية التي يعتمد عليها الغرب لتمرير سياساته في البلدان المُستهدفة:

  • شركات استشارية غربية تعتمد عليها الدول الوظيفية في اتخاذ قرارات متعلقة بمشاريع اقتصادية ومالية وتشريعية واجتماعية الخ
  • ما يسمى “مساعدات من أجل التنمية” التي تمنحها دول ومؤسسات غربية
  • صندوق النقد الدولي والبنك الدولي اللذان يمنحان قروضا ربوية بشروط تخول لهما تحديد سياسات وقوانين متعلقة بالتربية والتعليم والأسرة والفلاحة والتجارة والصناعة الخ
  • الأمم المتحدة بمختلف فروعها

 الحكام في العالم الاسلامي ومجالس النواب، الذين واجبهم تمثيل عقيدة الشعوب المسلمة ومصالحها، باتوا مجرد موظفين لدى دول الغرب، يمثلون مصالح الغرب وإرادته، ويفرضونها على المسلمين بالقوة. لا تكاد تجد مسؤولين في العالم الاسلامي يسألون عما فرضه الله ورسوله وارتضاه غالبية الشعب المسلم منذ أكثر من ألف سنة، ولازال يؤمن به الى يومنا هذا. الغرب وحكام المسلمين يحرِّشون على الشعوب المسلمة شرذمة من العلمانيين والنسويين الدُّخلاء على مجتمعات المسلمين، شرذمة تستقوي بالغرب الذي يدعمها ماليا وسياسيا وإعلاميا، لتظهر وكأنها تمثل مطالب يرغب فيها غالبية الشعب، وهي – أي الشرذمة – أشد عداوة للشعب المسلم واحتقارا له. كُره تلك الشرذمة للإسلام الذي يدين به غالبية الشعب، أشد من كُره الغرب للإسلام! 

مدمرة الأسرة: مدونة الأسرة أو القانون رقم 70.03 الذي أصدره المغرب سنة 1424هـ (2004م)

النسخة الأولى من “مدونة الأسرة” في المغرب التي تم إصدارها سنة 1424هـ (2004م) تحت القانون رقم 70.03، كغيرها من “مدونات” مشابهة في مختلف البلدان الإسلامية، تُعتبر أحد نماذج اختراق “القوى الناعمة” الداخلية والخارجية، للأُسَر المسلمة في المغرب وباقي البلدان الإسلامية. قلتُ النسخة الأولى، لأن مدونة 1424هـ (2004م) ما هي إلا مرحلة انتقالية تدريجية فحسب، لترويض الشعب على قوانين الكفر، وسيتبعها تعديلات من فترة لأخرى، حتى ينتهي المطاف بإزالة كل ما تبقى من القوانين المستنبطة من الأحكام الشرعية، واستبدال قوانين الكفر البواح بها.

كثير من بنود النسخة الأولى لمدونة الأسرة 1424هـ (2004م) عبارة عن نسخ ممسوخ من قوانين الغرب، تُحَرِّم ما أحل الله وتحل ما حرم الله، وتُعَقِّد حياة المسلمين وتخلق مزيدا من المشاكل الاجتماعية. 

سأتطرق فيما يلي لجزء يسير من بنود المدونة لتبيان بطلانها:

1) في الاسلام لا ولاية للمرأة في الزواج

جعلت المدونة الولاية للمرأة، وادعت أن ذلك يستند لقول الله {ولا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف}. هذا قول باطل، الآية كما يعلم كل طالب علم، وكما قال الشافعي، “هي أبين آية في كتاب الله على اشتراط الولي”، ناهيك عن غيرها الكثير من الآيات والأحاديث والسنة المتواترة عن كيفية زواج المسلمات في عهد الرسول، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر، حديث «لا تُزوِّجُ المرأةُ المرأةَ، ولا تزوِّجُ المرأةُ نفسَها، فإنَّ الزَّانيةَ هيَ الَّتي تزوِّجُ نفسَها» (صحيح ابن ماجه للألباني)، وحديث «أيُّما امرأةٍ نَكَحَت بغيرِ إذنِ مَواليها، فنِكاحُها باطلٌ،  فنِكاحُها باطلٌ، فنِكاحُها باطلٌ، فإن دخلَ بِها فالمَهْرُ لَها بما أصابَ منها، فإن تشاجَروا فالسُّلطانُ وليُّ مَن لا وليَّ لَهُ» (صحيح سنن أبي داود للألباني). فالمرأة في الاسلام لا تُزَوِّج نفسها.

والمعلوم من الدين بالضرورة، أن الولاية تكون للذكور من العَصبات، ولا مدخل فيها للنساء، كالأمّ والأخت الخ. فولي المرأة هو أبوها، ثم يليه الأقرب فالأقرب: الجد، ثم الأبناء الذكور، ثم الإخوة الأشقاء، ثم الإخوة للأب، ثم من دونهم، كابن الأخ الشقيق وابن الأخ لأب، والعم الشقيق، والعم لأب. فإن منعها أبوها من الزواج ممن تريد بغير عذر شرعي، انتقلت الولاية إلى الذي يليه فتنتقل إلى الجد مثلاً، فإن منعها الأولياء كلهم بغير عذر شرعي أو لم يوجد وليا يلي أباها أو عدم أهليتهم، فإن السلطان المسلم (حاكم البلاد) أو من ينوب عنه كالقاضي الشرعي أو مأذون الأنكحة، يكون وليها.

أما تساهل ابو حنيفة في مسألة الولي عند الزواج، فجمهور العلماء أجمعوا على بطلان رأيه. ومن المعلوم أن لا يُتابَع العالِم على الخطأ، وألا يختار المسلم من أقوال العلماء ما يوافق هواه أو هوى الغرب، ولكن عليه أن يتحرى قوة الدليل الشرعي، إرضاءً لله. .. 

والولاية لا تعني أن الولي يفرض على المرأة الشخص الذي عليها الزواج منه أو أن يستحوذ على مهرها، بل الاسلام كفل للمرأة حق اختيار من تتزوج، ووليها يتولى تزويجها بمن ترضى هي، ومهرها مِلْكٌ لها.

2) مفهوم القاصرفي الاسلام

تقييد سن الرُّشد ومن ثم سن الزواج بثمان عشرة سنة، تقييدٌ باطل شرعا وعقلا، وتترتب عليه مفاسد عظيمة.

كما هو الحال في مختلف شؤون الحياة، تبنت غالبية الدول القائمة في العالم الإسلامي اليوم، مفهوم الغرب وشروطه للقاصر، فجعلوا السن وحده المقياس لتحديد القاصر، بل وجعلوا التقويم على أساس السنوات الشمسية الغربية وليست القمرية الاسلامية. وكما هو معلوم، الشهور القمرية التي حددها القرآن ويعتمدها المسلمون، ومن ثم السنة الهجرية، أقصر من السنة الشمسية التي يعتمدها الغرب. … 

استنادا للمنظومة الغربية، كل من لم يبلغ 18 سنة شمسية، فهو قاصر (طفل)، حتى لو كان لا يفصله عن 18 سنة إلا يوما واحدا! فما هي الأدلة التي استند عليها الغرب لتحديد النضج والبلوغ، ومن ثم انتفاء القصور إلا ببلوغ سن 18 سنة شمسية لا ينقصها يوما واحدا؟ لماذا فصَل الغرب السن عن البلوغ الجسدي (الفطري)، فتجد مثلا شابا فحلا مفتول العضلات، قوية البنية، سليم العقل، يرتكب جريمة قتل، ومع ذلك لا يُعاقب على الجريمة الشنعاء إلا عقوبة يسيرة خاصة بالقاصرين لأنه لم يبلغ 18 سنة شمسية، عقوبة يقضيها في مصلحة تربية لبضع أشهر أو بضع سنين؟ إنه الضلال المبين والظلم العظيم! 

لماذا تبنى المسلمون مفهوم الغرب للقصور ومقياسه، وتركوا مفهوم الإسلام ومقياسه، مع أن الأمر محسوم لدى المسلمين منذ عهد النبوة، وعلماء المسلمين فصَّلوا منذ زمن بعيد في هذا الأمر وبأدلة قوية، شرعية وعقلية؟

فخلافا للغرب الذي حدد القصور حصرًا بعدد السنين الشمسية، حدد علماء المسلمين البلوغ، ومن ثم انتفاء القصور، بحصول واحد من أمور ثلاثة فطرية/جسدية، منها ما هو مشترك بين الذكر والأنثى، ومنها ما هو خاص بأحدهما، وهي:

  • الاحتلام
  • أو نبات الشعر الخشن حول العانة
  • أو الحيض بالنسبة للأنثى.
  • وإذا لم تظهر أحد هذه العلامات الجسدية، فيُعتبر الانسان بالغا ببلوغ 15 سنة قمرية (وليس شمسية)، بغض النظر عن الظواهر الجسدية. شرط 15 سنة قمرية يستند لفعلٍ للرسول، حيث أجاز مشاركة ابن عمر في الحرب لما بلغ 15 سنة، ولم يجزه وهو ابن 14 سنة.

ومن ثم فبلوغ الانسان، حسب مقياس الإسلام وهو المقياس الصحيح قطعا، يحصل في العادة قبل أو ببلوغ سن 15 سنة قمرية (أي حوالي 14.5 سنة شمسية)، حتى لو لم تظهر العلامات الطبيعية لخلل جسدي ما. هذا من ناحية العموم والسائد، أما الحالات الخاصة والاستثنائية، التي قد يتأخر فيها البلوغ، فلها أحكامها الخاصة.

إذًا البلوغ في الإسلام ليس مرتبطا بسن محدد، ومن ثم فسن البلوغ يختلف من إنسان لإنسان، فمتى ظهرت العلامات الجسدية الطبيعية لدى الإنسان، يصبح بالغا بغض النظر عن عمره، حتى لو كان عمره 10 سنوات، وتصبح تأدية الواجبات الشرعية فرضا عليه، كالصلاة والصيام والحجاب للأنثى، الخ. كما يصبح جائزا له أو لها الزواج ما إن توافرت الأهلية المادية للذكر، ولا يحتاج لإذن من الدولة أو القاضي، لأن الإذن جاء من عند الله، ولا يحق لإنسان أيا كان، سلب الناس حقًّا منحهم الله إياه.

هذا المقياس الفطري الطبيعي للبلوغ الذي أقره الإسلام لا يتغير أبدا بتغير الأزمنة، فهو صحيح وثابت في كل زمان ومكان والى يوم الدين. والغرب نفسه مدرك أن قوانينه قاصرة، نتجت عنها مشاكل اجتماعية كبرى ومظالم عظيمة، منها انتشار الزنا بدلا من الزواج، وحالات الحمل المتزايدة للنساء دون 18 سنة، بل وحالات حمل لفتيات دون 11 و10 سنة، فاضطرت بعض دوله الى إدخال ترقيعات على قوانين الزواج، فيحق مثلا في بعض دول الغرب للبنت الزواج في سن  مبكرة بموافقة ولي أمرها! فخذ على سبيل المثال لا الحصر ولاية “نيوهمشر” في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث خفَّضوا أدنى سن الزواج بالنسبة للفتيات الى 13 سنة، والى 14 سنة بالنسبة للذكور، شرط موافقة الوالدين وقاضٍ على الزواج. كما أن أمريكا، بسبب كثرة الجرائم وبشاعتها، أصبحت تُعاقب “أطفالا” (أطفال حسب قوانينها لأن أعمارهم لم تتجاوزا 18 سنة) بأحكام خاصة بالكبار، كالسجن المؤبد.

3) في الاسلام لا يجوز اشتراط موافقة القاضي أو الزوجة على التعدد

اشتراط موافقة قاضٍ والزوجة الأولى أو الزوجات الأوليات على التعدد، باطل باطل باطل، وفيه تعطيل لحكم شرعي أثبته الله في كتابه ورسوله في سُنَّته. رخصة التعدد جاءت من عند الله {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً} (سورة النساء)، وقد كان الرسول والصحابة يتزوجون مثنى وثلاث ورباع، دون أن يأخذوا قط إذن زوجاتهم ولا إذن قاضٍ. وهذا دليل قطعي متواتر كافٍ في تقرير التعدد دون حاجة لإذن الدولة أو القاضي أو الزوجة. أما مسألة العدل، فالمقصود التسوية بين الزوجات في النفقة والكسوة والمبيت ونحو ذلك من الأمور المادية حسب الاستطاعة، ومن ثم فالتعدد ليس حصرا على الغني. وأما العدل في المحبة فالزوج غير مكلف ولا مُطالب بها، لأنه لا يستطيعها، وهذا هو معنى قول الله {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ} (سورة النساء). أما مسألة تحري تَقْوى الرجل بحيث أنه سيعدل وله والقدرة على النفقة، فهذا شأن المرأة التي يتقدم الرجلُ لخطبتها وولي أمرها، لا دخل للدولة أو القضاء في ذلك. فهم من عليهم تحري خلق الرجل وقدراته المادية ليستطيع النفقة بالمعروف الخ. أما بعد الزواج، فإن حصلت مظلمة من الزوج، كعدم العدل بينها وبين زوجاته الأخريات، فللزوجة اللجوء للقضاء ليرد لها حقوقها.

4) الطلاق في الاسلام بِيَد الرجل إن كان هو الذي يريده وليس بيد المرأة ولا القاضي

كما أحل الله الزواج أحل الطلاق، ولم يذكر الاسلام أية علة للطلاق، فهو مباح مطلقا، رغم حثه على الإصلاح بين الزوجين ما أمكن. ورواية “أبغضُ الحلالِ عند الله الطلاقُ” لا تصح عن الرسول. الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو أتقى خلق الله وأكثرهم على الإطلاق تقربا لله بالنوافل والمندوبات، طلَّق عدة نساء، يُذكر منهن ابنة الجون، وفاطمة بنت الضحاك، وأميمة بنت شراحيل. وقد طلق النبي كذلك حفصة بنت عمر بن الخطاب، ثم راجعها. 

ومن ثم فتقييد “المدونة” ما تسميه “الممارسة التعسفية للرجل في الطلاق بضوابط محددة”، تقيد باطل وحرام. فالرجل من حقه تطليق زوجه حتى من دون سبب، فالشرع لا يشترط سببا للطلاق، والرجل لا يحتاج لإذن مُسبق من القضاء لتطليق زوجه. اشتراط المدونة لإذن مسبق من طرف المحكمة ودفع الزوج المبالغ المستحقة للزوجة والأطفال، قبل الطلاق، شروط باطلة باطلة باطلة، لا أصل لها في الاسلام، يُعَقِّد الحياة ويؤجج الاحتقان والعداوة داخل الأسر، ويثقل كاهل الناس بمزيد من المصاريف. على عكس ما تشترط المدونة، أحد الأسباب الشرعية لتطليق المرأة من زوجها – إن كان الطلاق رغبتها -، عدم قدرة الزوج على النفقة عليها. 

فالطلاق بِيَدِ الرجل إن كان هو الذي يريده، كما تواتر من سنة الرسول، وليس بيد المرأة ولا القاضي ولا المأذون. ولم يشترط الشرع شهودا على الطلاق، ولا سببا ليطلق الرجلُ زوجَه. 

فالطلاق يقع بمجرد تلفظ الرجل بلفظ صريح يُفهم منه الطلاق ولا يحتمل معنى غير الطلاق، كأن يقول الرجل لزوجه “طلَّقتُك” أو “سرحتك”. فلا يُشترط تلفظ صيغة الطلاق عند القاضي أو في مكان معين تحدده الدولة أو أمام شهود. وصِيَغ ألفاظ الطّلاق الصّريحة لا يُشترط فيها نية وقوع الطلاق، ما إن تلفظ بها الرجل، وقع الطلاق. نية وقوع الطلاق تُشترط حين يستعمل الرجل صيغة كناية للطلاق، يُحتمل منها الطلاق وغيره.

ويقع الطلاق حتى لو تلَفَّظه الرجل مازحا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «ثلاثٌ جِدُّهنَّ جدٌّ وَهَزلُهُنَّ جِدٌّ: النِّكاحُ والطَّلاقُ والرَّجعةُ» (صحيح سنن أبي داود للألباني). 

هذا فيما يخص الرجل إن كان هو الذي يريد الطلاق. فهو لا يحتاج لرفع دعوة لدى القضاء ليطلقه القاضي من زوجه، ولا يحتاج لشهود. أما مستحقات المُطَلَّقة، فمنفصلة عن وقوع الطلاق وإجراءاته. إن حصل خلاف ومظالم بين المرأة وطليقها على المستحقات المادية أو بخصوص رعاية الأبناء، ساعتها ترفع دعوة الى القضاء ليحكم في الأمر. فالقضاء يتدخل عند النزاع، أما مجرد تطليق الرجل لزوجه فهذا ليس نزاعا يحتاج تدخل القضاء. فالطلاق في حد ذاته، حق للرجل، لا دخل للدولة فيه. أما ما قد يترتب عنه من نزاعات متعلقة بحقوق الأبناء ومستحقات المطلقة الخ، فهذه المسائل هي التي تُعرض على القضاء ليفصل فيها، شأنها شأن أي نزاعات أخرى تحدث بين الناس.

أما إن كانت المرأة هي التي تريد الطلاق، فبما أن الطلاق بيد الرجل وليس بيد المرأة وهو الذي يملكه وليست هي، فالمرأة لا تطلق زوجها، وإنما يتم تطليقها، بأحد الطرق الآتية:

  1. يتم تطليقها من قِبَل القاضي طلاق الشقاق لضرر يسببه لها زوجها مع احتفاظها بالمهر كله أو جزء منه حسب تقدير القاضي
  2. أو تُطلِّق المرأة نفسها من زوجها إن فوض إليها الزوج طلاق نفسها بأن يقول لها “طلقي نفسك إن شئت”، أو “أمرك بيدك”، فتقول المرأة: “طلقتُ نفسي من فلان” ليتم الطلاق، ولا تقول طلقتُك أو أنتَ طالق، لأن الطلاق يقع على المرأة لا على الرجل. إلا أن هذا التفويض لا يجوز أن يكون شرطا في عقد الزواج، ومن حق الزوج إلغاء هذا التفويض متى شاء. وهنا أيضا، في حالة تفويض الزوج الطلاق لزوجه، لا حاجة لتدخل القضاء إن لم يحصل خلاف بخصوص التفويض. ودليل جواز إعطاء المرأة حق تطليق نفسها، أن النبي صلى الله عليه وسلم خيَّر زوجاته بين أن يفارِقْهُن فيتزوجن غيره ممن يحصل لهن عنده الحياة الدنيا وزينتها، وبين البقاء معه والصبر على ما عنده من ضيق الحال، فاخترن البقاء مع الرسول {يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا} (سورة الأحزاب).
  3. أو إذا طلبت المرأة الخلع مقابل أن ترد للزوج المهر، فيطلقها. وهنا أيضا لا حاجة للقاضي إذا اتفق الطرفان على الخلع وشروطه. والمرأة لها الحق في خلع نفسها من زوجها متى شاءت، كأن كرهته مثلا. فقد طلبت زوجة ثَابِت بن قَيْسٍ الطلاق منه لأنها كرهته، فأَتَت الرسول وقالت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ مَا أَعْتِبُ عَلَيْهِ فِي خُلُقٍ وَلا دِينٍ، وَلَكِنِّي لَا أُطِيقُه، وأَكْرَهُ الْكُفْرَ فِي الْإِسْلَام (أي أنها تخاف أن يحملها بغضه على ما يقتضي الكفر – أي السقوط في المعصية –). فأقر الرسول أن تخلع نفسها منه مقابل أن ترد له مهره (صحيح البخاري).

5) لاوصية واجبةفي الإسلام، والأحفاد من الإناث لا يرثون الجد

القسم الثامن من “مدونة الأسرة” تحت عنوان “وصية واجبة” تضَمَّن أربعة بنود (المواد 369 الى 372)، تُلزم تخويل الحفيدة والحفيد من جهة الأم، على غرار أبناء الابن، نصيبا في تركة جدهم. هذه “الوصية الواجبة” التي فرضها قانون المدونة، باطلة شرعا. أخذ المال بهذه “الوصية” حرام {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} (سورة النساء). 

“الوصية الواجبة” تستند زورا لقول الله {إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} (سورة البقرة). هذا الاستدلال باطل جملة وتفصيلا من عدة أوجه، من بينها: 

▪ الآية نُسخت بآيات المواريث التي نزلت بعدها وقسَّمت لكل ذي حق مفروض نصيبه المحدد {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا…} (الآيات، سورة النساء). ولذلك قال الرسول: «إنَّ اللهَ قد أعطى كلَّ ذي حقٍّ حقَّهُ، فلا وصيَّةَ لوارثٍ» (سنن أبي داود). وقد قال بنسخ آية الوصية جمهور العلماء بما فيهم الأئمة الأربعة أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد. 

▪ الوصية بقيت، على أقصى تقدير، مباحة أو مستحبة لغير الورثة. والثلث أقصى ما يجوز للمسلم الوصية به من أمواله لغير الورثة، لأن الرسول منع سعد بن أبي وقاص أن يوصي بثُلُثَي ماله لغير ورثته، فقال له: «الثُّلُثُ يا سَعْدُ، والثُّلُثُ كَثِيرٌ، إنَّكَ أنْ تَذَرَ ذُرِّيَّتَكَ أغْنِيَاءَ، خَيْرٌ مِن أنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ» (صحيح البخاري). ومن الأدلة على أن الوصية ليست بواجبة، قول الرسول: «ما حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ له شيءٌ يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ فِيهِ، يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ» (صحيح مسلم). الشاهد هنا، قول الرسول «يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ فِيهِ»، فجعل الوصية مُتَعَلِّقة بِإِرَادَة صاحب الشأن وليست فرضًا. ثم إن الوصية هنا عامة، ليست متعلقة بالصدقة والهبة، بل تشمل الدَّين والوديعة الخ. يقول ابن عبد البر المالكي في كتابه “التَّمْهِيدِ لِمَا فِي الْمُوَطَّأِ مِنَ المَعَانِي وَالأَسَانِيدِ”: [فَفِي هَذَا الحَدِيثِ الحَضُّ عَلَى الوَصِيَّةِ وَالتَّأْكِيدُ عَلَى ذَلِكَ، وَهَذَا عَلَى النَّدْبِ لَا عَلَى الْإِيجَابِ عِنْدَ الْجَمِيعِ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ عَلَى أَحَدٍ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ دَيْنٌ أَوْ تَكُونُ عِنْدَهُ وَدِيعَةٌ، أَوْ أَمَانَةٌ، فَيُوصي بِذَلِكَ. وَفِي إِجْمَاعِهِمْ عَلَى هَذَا بَيَانٌ لِمَعْنَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فِي الْوَصِيَّةِ] (انتهى الاقتباس). فكيف تُنفذ “وصية” بحكم قانون وضعي، لم يوصي بها صاحب المال ولا بإرادته، ولا فرضتها شريعة الله!

▪ ثم إن آية وحديث “الوصية” لم تحدد من هم الأشخاص من غير الورثة الذين يمكن لصاحب المال أن يوصي لهم بجزء من ماله، فيمكنه أن يوصي لأي شخص شاء، وليس بالضرورة من الأقارب. ولم تحدد النصوص الشرعية المقدار الأدنى للوصية، بل اكتفى بتحديد سقفها الأعلى (ثلث ما يملك)، فكيف يُخصِّصُ قانونٌ وضعي ثلث ما يملك الجد للأحفاد من الإناث دون كل الناس، ورغما عن الجد وورثته الشرعيين؟ هذا باطل، لا سند له من القرآن والسنة. 

▪ وقد يُشتبه على البعض الاستشهاد بأقوال بعض العلماء الذين قالوا بوجوب الوصية كابن حزم. أولا الرأي القائل بوجوب الوصية باطل، لأنه لا سند له من القرآن والسنة، وقد نقل ابن عبد البر الإجماع على أن الوصية غير واجبة كما سبق الذكر، وقال عمن جعل الوصية واجبة: [وَقَدْ شَذَّتْ طَائِفَةٌ فَأَوْجَبَتِ الوَصِيَّةَ، لَا يُعَدُّونَ خِلَافًا عَلَى الْجُمْهُورِ] (انتهى الاقتباس من “التَّمْهِيدِ لِمَا فِي المُوَطَّأِ مِنَ المَعَانِي وَالأَسَانِيدِ”). ثانيا، هؤلاء العلماء الذين شذوا عن الحق، لم يخصوا الوصية بالأحفاد ولم يحددوا مقدارا معينا للوصية، بل بما يشاء الميت (على أن لا يتجاوز الثلث)، وقالوا أنه إن لم يوصِ فالورثة هم الذين يحددون مقدار ما يخرجونه من المال للأقارب من غير الورثة.

▪ لو كان تخصيص نصيب من مال الجد للأحفاد من جهة الأم واجبا، لنَصَّ الله عليه وفرضه ولم يتركه لاختيار الناس ورضاهم. 

قانون “وصية واجبة” الذي يلزم تخويل الحفيدة والحفيد من جهة الأم بنصيبٍ من مال الجد رغم أنفه ورغم أنف ورثته، الحقيقة أن هذه ليست وصية، فالوصية تكون اختيارية وبرضا ورغبة صاحب المال، وإنما هي “ميراث” مفروض بقوة قانون وضعي، وإن سموها “وصية” تحايلا على الشرع. فهذه “الوصية الواجبة” تستدرك على الله سبحانه أن “فاته” تخصيص نصيب من الإرث للحفيدة والحفيد من جهة الأم، فجاء هذا القانون ليرفع “ظلما” يلحق بهم سبَّبته آيات المواريث التي أنزلها الله، وكفى بهذا الاستدراك ظلمًا وكفرًا بواحا {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (سورة الشورى)، {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} (سورة النساء)، {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} (سورة المائدة).

الهدف إلغاء كل ما تبقى من الأحكام الشرعية واستبدال قوانين الغرب بها

مدونة الاسرة غايتها والغرض منها والسبب الباعث عليها، هو إلغاء ما تبقى من الأحكام الشرعية كلية واستبدال قوانين الغرب بها. 

الوصية الواجبة”، كغيرها من البنود في مدونة الأسرة مستندة الى ما يُسمى “المساواة” بين الرجل والمرأة، بحيث تُمَكِّن الأحفاد من الأم بميراث جدهم، كما جعل الله للأحفاد من الأب حقا في الميراث.

كثير من بنود “مدونة الأسرة” تستند لمفهوم الغرب الباطل للعدل الذي ربطه بـ”المساواة”. فالمساواة بين الرجل والمرأة التي يدعو لها الغرب فيها ظلم للرجال في حالات وللنساء في أحوال أخرى، وفيها فساد وتدمير للأسر والمجتمعات البشرية. والأنظمة الحاكمة في البلدان الاسلامية تهرول مطأطئة الرأس لتلبية مطالب الغرب وإرضاءه والخضوع لشروطه المرتبطة بقروض و”مساعدات” وغيرها، وفي كثير من الأحيان لإيمانِ المسؤولين أن قوانين الغرب أعدل من قوانين الله وأن الشريعة رِجعية مضى عليها الزمن، لا تواكب “تطورات” العصر. 

الوصية الواجبة” مجرد بداية لإلغاء كل الأحكام الشرعية المتعلقة بالمواريث، واستبدال قوانين الكفر بها، وفرض مزيد من قوانين الغرب.

من تلك الإملاءات التي تهرول الأنظمة الحاكمة في بلدان المسلمين لتنفيذها، توصيات الأمم المتحدة التي أصدرتها “اللجنة المعنية بالقضاء على التمييز ضد المرأة”، حيث تذكر مثلا في تقريرها تحت باب “الشواغل الرئيسية والتوصيات”، المادتين 191 و192: [وتشعر اللجنة بالقلق إزاء عدم كفالة قانون الزواج المدني الخاص بمساواة المرأة بالرجل في الزواج وفسخه، بعدم منحه النساء حقوقًا متساوية مع الرجال لدى تقاسم الممتلكات التي تجمعت أثناء فترة الزواج. – وتوصي اللجنة بتعديل الدولة الطرف لقانون الزواج الخاص، على ضوء المادة  16 من الاتفاقية والتوصية العامة 21 للجنة بشأن المساواة في إطار الزواج والعلاقات الأسرية، لمنح النساء حقوقًا متساوية مع الرجال لدى تقاسم الممتلكات التي تجمعت أثناء فترة الزواج] (الجمعية العامة للأمم المتحدة، الوثائق الرسمية الدورة الثانية والستون الملحق رقم 38). 

وقد بدأ المغرب فعلا بتمريرٍ تدريجي لقانون ”مناصفة الزوجة الزوج في أملاكه”، حيث نصت مثلا المادة 49 من “مدونة الأسرة” على أنه: [لكل واحد من الزوجين ذمة مالية مستقلة عن ذمة الآخر، غير أنه يجوز لهما في إطار تدبير الأموال التي ستكتسب أثناء قيام الزوجية، الاتفاق على استثمارها وتوزيعها. يُضَمَّن هذا الاتفاق في وثيقة مستقلة عن عقد الزواج.يقوم العدلان بإشعار الطرفين عند زواجهما بالأحكام السالفة الذكر.إذا لم يكن هناك اتفاق فيرجع للقواعد العامة للإثبات، مع مراعاة عمل كل واحد من الزوجين وما قدمه من مجهودات و ما تحمله من أعباء لتنمية أموال الأسرة] (انتهى الاقتباس).

إلا أن هذا البند (غير الإلزامي) بين الزوجين، والذي يتطلب تضمين عقد الزواج عقدا موازيا يُنَظِّم اشتراك الملكية، هو مرحلة انتقالية تدريجية فحسب، والهدف النهائي هو إدراج قوانين إلزامية تعطي بصفة تلقائية وإلزامية حقًّا للزوجة في أموال وممتلكات الزوج، قد يصل للنصف، كما هو الحال في كثير من دول الغرب. ولهذا الغرض، دُفِع بمشايخ ومنظمات “مدنية” للمطالبة بذلك القانون، لتُسَوِّق الدولة لاحقا تبنيها له كمطلب شعبي، وليس تلبية لمطالب الغرب. 

فقد نظمت مثلا جمعيات مغربية سنة 1442هـ (2021م) مبادرة لجمع 25 ألف توقيع لتقديم “التماس تشريعي لتعديل المادة 49 من مدونة الأسرة”، يُلزِم بتقاسم الثروات التي يتمّ تحصيلها خلال فترة الزواج. شاهد تقرير مرئي على اليوتيوب: المغرب .. دعوات لتعديل مدونة الأسرة لتوزيع عادل للأموال بين الزوجين (https://www.youtube.com/watch?v=x9i2iSQJp3w)

وبدأ مشايخ السلطان المستعدين لبيع دينهم بدنيا غيرهم، بالتسويغ لقوانين ”مناصفة الزوجة الزوج في أملاكه”، بإثارة ما يسمى “حق الكد والسعاية” الذي بُني على حكمٍ قضائي لعمر بن الخصاب في مسألة خاصة، وهو ليس بدليل شرعي، ليُخرجوه عن سياقه ومناط حكمه، فيسوغون به – تدريجيا – القانونَ الغربي الذي يجعل للزوجة حقا مطْلَقًا في نصف ما يملك زوجها. وقد رددت عليه في مقال تحت عنوان: “إثارة حق الكد والسعاية لتسويغ قانون مناصفة الزوجة الزوج في أملاكه إرضاء للغرب”. ولعل التعديلات القادمة في مدونة الأسرة ستستند لما يسمى “حق الكد والسعاية” لمنح الزوجة نصيبا من ممتلكات زوجها. 

لا يجوز للمعاهدات الدولية أن تحل حراما أو تحرم حلالا   

أصبحت ما تسمى “المعاهدات الدولية” وكأنها وحي من الله، قَدَرٌ إلهي يجب التسليم له، وكأنها قوانين ربانية لا يجوز مخالفتها، تُقدسها الأنظمة الحاكمة في البلدان الإسلامية، وتتخذها مصدرا لسن القوانين، ومقياسا للحق والباطل، وتُرهب بها الشعوب المسلمة وتُسكتها.

ابتداءً، لا يجوز للدولة أن تُوَقِّع على أي معاهدات فيها ولو بُندًا واحدًا يحل حراما أو يحرم حلالا {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} (سورة المائدة)، وحتى لو تم توقيع أي معاهدة لأي سبب، فكل بند فيها يخالف شرع الله، ساقِطٌ، باطل، لا يجوز الالتزام به، قال الرسول: «ما بالُ أناسٍ يشترطونَ شروطًا ليست في كتابِ الله، منِ اشترطَ شرطًا ليسَ في كتابِ اللَّهِ فليسَ لَهُ، وإن شرطَهُ مائةَ مرَّةٍ، شرطُ الله أحقُّ وأوثقُ» (صحيح أبي داود للألباني). وفي صلح الحديبية بين قريش والرسول، كان من بين بنود الاتفاق، أن يَرُدَّ الرسولُ لقريشٍ كل من هرب من مسلمي مكة الى المدينة، إلا أنه لما هربت مسلمات من قريش وجئن المدينة، نزل قول الله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} (سورة الممتحنة)، فامتنع الرسول عن إرجاعهن الى قريش، واستثناهن من المعاهدة رغما عن أنف قريش. فكل بند يخالف الشرع، باطل ولا يجوز الالتزام به. 

ومعاهدة “القضاء على كافة أنواع التمييز ضد المرأة” للأمم المتحدة، المعروفة مختصرا بـ ”سيداو”، التي صدرت أول نُسَخها عام 1399هـ (1979م)، وآخرها سنة 1442هـ (2021م)، والتي جاءت بصيغة ملزمة قانونيًّا للدول التي صادقت عليها، .. معاهدة سيداو التي هرولت غالب البلدان الإسلامية للمصادقة عليها والالتزام بها، لم تصادق عليها الولايات المتّحدة، وكذلك إيران، وبالاو، والصومال.

فالمعاهدات “الدولية” التي فيها ما يخالف أحكام الاسلام، يجب الانسحاب منها وإلغائها. فليست هناك في الدنيا معاهدة أبدية أو إجبارية لا يمكن أو لا يجوز إلغائها والانسحاب منها. فالرسول فسخ صلح الحديبية بعدما اخترقت قريش أحد بنوده، وأعلن الحرب عليها وفتح مكة. وها هي أمريكا تنسحب على الدوام من معاهدات ومنظمات حتى تلك التي أسستها هي، إذا لم تصبح تلك المعاهدات تخدم مصالحها أو إذا تبنت تلك المنظمات أي قرار يعارض مصالح أمريكا وسياساتها. مثلا، انسحبت أمريكا سنة 1439هـ (2017م) من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، انحيازًا لإسرائيل التي تبعتها هي الأخرى بالانسحاب، بعد قرار اليونسكو اعتبار مدينة القدس إسلامية، وأنه لا يوجد أي ارتباط لليهود بالمقدسات الدينية فيها، خاصة الحرم القدسي الشريف. وفي 1439هـ (2018م) انسحبت الولايات المتحدة الأمريكية من مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، بعد تصويت المجلس لمصلحة إجراء تحقيق في سقوط قتلى مدنيين في قطاع غزة، متهمًا إسرائيل بالاستخدام المفرط للقوة. كما انسحبت أمريكا في نفس العام من مرسوم اتفاقية فيينا الاختياري لحل النزاعات، بعد تقديم السلطة الفلسطينية طعنًا على قرار نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس.

وانسحبت فرنسا في عهد الرئيس دیغول من المؤسسة العسكرية لحلف شمال الأطلسي سنة 1386هـ (1966م)، وطردت كل قوات الحلف من فرنسا، فانتقل مقر حلف شمال الأطلسي العسكري الذي كان بالقرب من باريس إلى بلجيكا. انسحبت فرنسا من الحلف العسكري الغربي، لأن دیغول شعر بأن الحلف تھیمن عليه الولايات المتحدة الأمريكية وبریطانیا، فأراد أن تتمتع فرنسا باستقلال أكبر.

وانسحبت بريطانيا رسميا وكليا من الاتحاد الأوروبي سنة 1441هـ (2020م)، بعد قرابة 40 عاما من انضمامها لأكبر وأهم اتحاد سياسي وتشريعي واقتصادي في العالم، لأنها أرادت استعادة سلطتها الكاملة على تشريعاتها، فلا تخضع لقوانين يقرها الاتحاد الأوروبي وليس الشعب البريطاني الذي يختار الحكومة البريطانية. 

يجب على المسلمين ودولهم أن يتعلموا قول: “لا”! ولا يهرولوا للاستجابة لكل ما يطلبه الغرب.

يجب استصدار قوانين دستورية تمنع المعاهدات المُقوضة لسيادة الدولة وتُجَرِّم التمويل الخارجي   

كما سبق الذكر في بداية المقال، تشريع القوانين التي تنظم حياة الناس حسب العقيدة التي يؤمن بها الشعب، وهي العقيدة الاسلامية بالنسبة للشعوب المسلمة، تُعتبر من بين أهم أركان سيادة الدولة، فلا يجوز بحال أن تكون للغرب ومنظماته “الدولية” بما فيها “الأمم المتحدة” أية سلطة على البلدان الاسلامية، فيفرضون على المسلمين ما شاؤوا من القوانين. وكل السبل التي تجعل سلطانا للكفار على المسلمين، بحيث تضطرهم للخضوع لاملاءاتهم، يجب أن تُمنع بقوانين دستورية غير قابلة للتعديل، فالله قال {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} (سورة النساء)، الله حرم على أمة الاسلام أن تجعل للكفار هيمنة على بلاد المسلمين، أيًّا كان نوع الهيمنة.  

أهم سُبل الغرب لابتزاز البلدان الاسلامية وإخضاعها لتبني ما يريد من تعديلات وقوانين في شتى المجالات في البلاد، هي القروض وما تسمى “مساعدات التنمية”، التي يمنحها بشروط تخول له تحديد سياسات وقوانين متعلقة بالتربية والتعليم والأسرة والفلاحة والتجارة والصناعة والدفاع والحرب الخ. وما المشاكل الجمة التي يعيشها المغرب منذ سنوات في قطاع التعليم، إلا أحد نتائج تنفيذ برامج أملاها الغرب ومنظماته على المغرب، مقابل قروض حصل عليها. .. ومن ثم يجب استصدار قوانين دستورية تُحَرِّم على الدولة أخذ أي قروض خارجية. 

يجب منع اتخاذ قروض من دول وبنوك خارجية، ومنع حصول أي جمعيات أو منظمات محلية على تمويل خارجي، وتجريم ذلك وإنزال عقوبات صارمة على كل من يحصل على تمويل خارجي. فالغرب لا يقدم قروضا و”مساعدات” لسواد عيونكم وعشقه لكم، ولا لحبه الخير لكم، ولكن ليحقق مصالحه هو. فيجب وضع قوانين دستورية تمنع منعا كليا الدولة والشركات المحلية والجمعيات والبرلمانين والوزراء ومؤسسات الدولة، من اتخاذ قروض أو “مساعدات” من الدول والبنوك الخارجية أو من البنك الدولي أو صندوق النقد الدولي. فالديون و”المساعدات” الخارجية هي أهم السبل لاستعباد الشعوب والدول وابتزازها، وفرض سياسات عليها تصب لخدمة المصالح الاقتصادية والسياسية والعسكرية والعقائدية والثقافية للدول المانحة. فدول الغرب ومؤسساته المالية كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي أصبحوا هم من يضعوا القوانين والدساتير في البلدان الإسلامية ويحددون السياسات المالية والاقتصادية والتعليمية والعسكرية والدينية، حتى المناهج الدراسية يحددونها. فمثلا كل سياسات رفع الدعم عن مواد أساسية التي تعرفها عدد من البلدان الإسلامية في السنوات الماضية (ولازالت) وأدت لغلاء الأسعار، هي إملاءات من قبل الغرب ومنظماته المالية. 

إذا لم تكفي موارد الدولة لتمويل مشاريع أو تسديد رواتب موظفين الخ، فعليها حشد همم أبناء الشعب في الداخل والخارج، ليتبرعوا من أموالهم حسب المستطاع وعن رضا وليس إكراها، بدلا من الاستدانة من دول خارجية. فهذه من الطرق التي كان يعتمدها الرسول عندما أقام دولته في المدينة. فقد ندب الرسولُ المسلمينَ لشراء بئر رُومة، فاشتراه عثمان رضي الله عنه من ماله الخاص وجعله ملكا عاما للمسلمين ليستغنوا عن اليهود في حاجتهم للماء. وندب الرسول المسلمين لتجهيز جيش العُسرة في غزوة تبوك فتبرع المسلمون وعلى رأسهم عثمان بأموال طائلة، الخ. … إلا أن رغبة المسلمين وقدرتهم على التبرع والتضحية لن تكون قوية وسخية وعارمة وشرعية إلا إذا رأوا بالأفعال (وليس بالأقوال) أن الدولة تستعمل أموالهم في موضعها المُعلن ولا يتم نهبها أو تبذيرها في الملاهي. 



 

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

د. هشام البواب

الدكتور هشام البواب، ناقد ومحلل سياسي واجتماعي مستقل . مقالاته تشمل موضوعات سياسية واجتماعية وفقهية وعلوم تجريبية :::::: بعض كتابات الدكتور هشام البواب في الرابط التالي: https://atanwir.com/منشورات-الدكتور-هشام-البواب ::::::: hicbou1@mailfence.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى