سياسة

الدول السيادية والدول الوظيفية (ج 1)

نعيد نشر هذا المقال الذي نُشر لأول مرة سنة 1440هـ (2019م) على موقع ”ساسة بوست“

::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::

الدول السيادية والدول الوظيفية (ج 1)

د. هشام البواب

في محاولة لتحليل النظام العالمي الحديث، عمد كثير من الباحثين لتقسيم العالم الى كتلات اقتصادية لكل منها دورها في الاقتصاد العالمي: منها دول المركز (أو النواة)، ودول الهامش (أو دول الأطراف)، ودول نصف هامشية (أو شبه هامشية). تصنيف كل دولة يحدده نوع الإنتاج الاقتصادي وظروف العمل. كما أنه ما دام نوع النظام السياسي السائد له تأثير مباشر على الإنتاج، فإنه يُتخذ أيضا مؤشرا لتصنيف الدول.

إيمانويل واليرشتاين (باحث أمريكي مختص في تاريخ الاجتماع)  يُعتبر من بين أبرز الباحثين الذي قدم بحثا عميقا تعقَّب فيه نشأة النظام الرأسمالي الحديث وتطوره منذ بداياته في القرن التاسع هجري (السادس عشر ميلادي)، نشره في أربع مجلدات تحت عنوان “النظام العالمي الحديث”.

حسب تعريف إيمانويل واليرشتاين (بتصرف)، فدول المركز هي المستفيد الأكبر من الاقتصاد العالمي الرأسمالي، تحتكر غالبية الأموال المتداولة في العالم. تتوافر دول المركز على حكومات مركزية قوية، ونظام إداري فعَّال ودقيق، وعلى جيوش قوية ذات تسليح متطور استطاعت بواسطتها السيطرة على بحار العالم ومحيطاته، وعلى منابع المواد الخام في العالم، والهيمنة على التجارة الدولية، وتنظيمها بصورة غير متكافئة تحقق الربح الأكبر لدول المركز. وشكلت بريطانيا وفرنسا وهولندا أول مركز للنظام الرأسمالي في حقبته الأولى في القرن التاسع هجري (السادس عشر ميلادي).

دول الهامش، تفتقد إلى حكومات مركزية قوية أو حكوماتها خاضعة لدول المركز، يعتمد اقتصادها عادة على الزراعة أو على تصدير المواد الخام إلى دول المركز، وتسود فيها ممارسات العمل القسري، وتتوافر على فائض من اليد العاملة الرخيصة التي تستغلها شركات دول المركز فتفتح فروعا للإنتاج في دول الهامش. دول الهامش لا تتوافر على أدوات الصناعة والتقنيات الحديثة، نظامها التعليمي والصحي هزيل. لها نصيب جد زهيد من الإنتاج الإجمالي العالمي ولا تحصل إلا على نصيب جد ضئيل من الثروة العالمية.

أما الدول نصف الهامشية فتقع بين دول المركز ودول الهامش، تتوافر على خصائص هيكلية من كليهما. الدول نصف الهامشية لديها بعض الصناعات، وتحاول الاعتماد في اقتصادها على تصدير السلع التي تصنعها. لكن هذه الدول تفتقر إلى القوة الاقتصادية التي تتمتع بها دول المركز، ولا تزال تعاني من الفقر. تلعب الدول نصف الهامشية دورًا رئيسيًا كوسيط بين دول المركز والدول الهامشية في المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، كالدور الذي لعبته مثلا إسبانيا والبرتغال في القرنين العاشر والحادي عشر هجري (السابع عشر والثامن عشر ميلادي) كوسيط تجاري داخل الإمبراطورية الاستعمارية الأوروبية. فالدول نصف الهامشية تعمل كسمسار للسياسات التي تمارسها دول المركز على دول الهامش، إذ تسهل التواصل بين الدول الهامشية ذات الدخل الفردي المنخفض ودول المركز ذات الدخل الفردي المرتفع. الدول نصف الهامشية تشكل حلقة مهمة في التسلسل الهرمي للنظام العالمي، وتلعب بذلك دورا حيويا في استقراره.

حجم السيادية هو المعيار الأصح لتصنيف الدول

رغم وجود اتفاق على شكل هيكلة النظام العالمي المشار إليه فوق، إلا أنه ليس ثمة إجماع على معايير محددة، جامعة مانعة، تُصنَّف على أساسها الدول ضمن المركز، أو الهامش، أو نصف الهامش.

فمثلا كريستوفر تشيس دان، ويوكيو كاوانو، وبنجامين بروفير (باحثون في قسم علم الاجتماع بجامعة جونس هوبكنز الأمريكية)، في تقرريهم المنشور سنة 1420هـ (2000م) تحت عنوان: “عولمة التجارة منذ عام 1795: موجات الاندماج في النظام العالمي”، صنفوا عشرين دولة كدول المركز، منها خمس عشرة دولة أوروبية بالإضافة الى كل من الولايات المتحدة الأمريكية، كندا، أستراليا، نيوزيلاندا، واليابان. وصنفوا مثلا كلا من الصين، الهند، تركيا، إيران، وإندونيسيا ضمن الدول نصف الهامشية (ومجموعها ثلاثة عشر). وما عدا هذه الدول الثلاث الأخيرة الذكر، صنفوا كل باقي الدول في العالم الإسلامي ضمن لائحة الدول الهامشية.

أما سلفاتوري بابونيس، ففي بحثه الذي نشره سنة 1426هـ (2005م) تحت عنوان “هيكل الدخل على مستوى الدول ضمن إطار الاقتصاد العالمي”، فقد صنف خمس وعشرين دولة ضمن المركز، منها سبع عشرة دولة أوروبية بالإضافة الى كل من الولايات المتحدة الأمريكية، كندا، أستراليا، نيوزيلاندا، اليابان، الصين، هونج كونج، وسنغافورة. وصنف مثلا كلا من الهند، تركيا، وتونس ضمن الدول نصف الهامشية (ومجموعها ثلاثة عشر).

لهذا أجنح الى تقسيمٍ بديل لا يتخذ مثلا معدل الدخل الفردي والحجم التجاري للدول معيارا، ولكن يضع معايير السيادة لتصنيف الدول: بحيث ينظر هل تستند الدولة الى قوتها الذاتية لحماية نفسها أو تعتمد على حماية غيرها لها، ومدى قدرة الدولة على اتخاذ قوانين وقرارات ومواقف في السياسة الداخلية والخارجية بطريقة مستقلة تماما عن رغبة وإرادة دول العالم كلها، وقدرتها على إعلان الحرب والسلم تبعا لمصالحها هي الخاصة وليس لمصالح دول أخرى، وعدم ترددها في مواجهة أي دولة في العالم مهما كان حجم قوتها إن استدعت الضرورة ذلك.

فمعيار قوة الدولة، هو السيادة وليس الغنى أو الفقر، ولا مظاهر الأُبهة والعظمة من بنايات ضخمة راقية وغيرها، ولا حجم الإنتاج الصناعي والفلاحي (مع أهميته)، ولا كميات الموارد الطبيعية من معادن وغيرها.

فلدينا مثلا دول الخليج التي تعتبر من أغنى الدول في العالم، لكن مع ذلك ليس لديها أبسط مقومات السيادة، أموالها وخيراتها الطبيعية مسخرة لخدمة دول الغرب، وتعتمد عليها (أي على دول الغرب) في حمايتها.

في المقابل نجد مثلا الدولة التي أقامها رسول الله في المدينة وخَلَفَه في حكمها الخلفاء الراشدون لم تكن قوية اقتصاديا، ولم يكن أهلها في بحبوحة من العيش (مع تواجد قلة من الأغنياء)، ولم تعرف مظاهر الأبهة والعظمة. فكان مثلا أهم مركز وبناية في الدولة، ألا وهو المسجد النبوي في المدينة الذي كان يؤُم فيه الرسول الصلاة بالمسلمين، وكانت تُدار منه الدولة وتخرج منه الجيوش للحرب، .. المسجد كان بناية جد بسيطة، أعمدته من جذوع النخل وسقفه من الجريد (أغصان النخيل)، وأرضيته من التراب، وجداره من الطوب. والقوة العسكرية لدولة الرسول كانت متواضعة مقارنة بكثير من القبائل في جزيرة العرب، ناهيك عن دولتي الفرس والروم. لكن دولة الرسول كانت منذ أول أيامها ذات سيادة كاملة، لم تستند في تأسيسها لشرعية النظام الدولي السائد آنذاك، ولم تستجديه ليوافق على تأسيسها، ولم تستأذنه. ولم تستند دولة الرسول في حمايتها الى جيوش الفرس أو الروم، بل اعتمدت حصرًا على قوة المسلمين أنفسهم لبناء الدولة وحمايتها. ولم تخضع لقوانين أكبر وأقوى دولتين في ذلك العصر، دولتا الفرس والروم. فكان التشريع في دولة الرسول مستقل عن كل دول العالم وشرائعها. وكانت دولة الرسول سيدة قراراتها في إعلان الحرب أو السلم، فلم تكن تتحاكم الى القبائل العربية المشركة ولا الى الفرس أو الروم، بل تعاملت بالند معهم منذ اللحظة الأولى، ولم تخشى تحديهم ومواجهتهم عسكريا، كما حصل مثلا في غزوة مؤتة سنة ثماني هجرية، والتي واجه فيها جيش المسلمين المكون من ثلاثة آلاف مقاتل مئتا ألف مقاتل من الروم.

فأهم الأسس التي أسس عليها الرسول دولته هو أن تكون كاملة السيادة، سيدة كل قراراتها، والسيادة لا تكتمل إلا إذا كانت الدولة مستعدة ولا تتردد في مواجهة أي دولة في العالم مهما كان حجم حشودها العسكرية والمالية. لذلك لم يقبل الرسول من قبيلة شيبان لما دعاهم للإسلام وليكونوا الدرع الحامي للدولة التي يريد إنشائها ورئاستها، أن تبقى لهم تبعية لدولة الفرس ولا أن يمتنعوا عن قتالها إن استدعى الأمر ذلك. فلما قال المثنى بن حارثة (شيخ قبيلة بني شيبان وقائدها العسكري) للرسول: إنَّا إِنَّمَا نَزَلْنَا بَيْنَ صِيرَيْنِ، أَحَدُهُمَا الْيَمَامَةُ (أَرْضُ الْعَرَبِ) وَالْآخَرُ السَّمَامَةُ (أَرْضُ فَارِسَ وَأَنْهَارُ كِسْرَى)، وَإِنَّمَا نَزَلْنَا عَلَى عَهْدٍ أَخَذَهُ عَلَيْنَا كِسْرَى (ملك الفرس) أَنْ لَا نُحْدِثَ حَدَثًا وَلَا نُؤْوِيَ مُحْدِثًا، …. وَلَعَلَّ هَذَا الْأَمْرَ الَّذِي تَدْعُونَا إِلَيْهِ (يا محمد) مِمَّا تَكْرَهُهُ الْمُلُوكُ، فَأَمَّا مَا كَانَ مِمَّا يَلِي بلَادَ الْعَرَبِ فَذَنْبُ صَاحِبِهِ مَغْفُورٌ وَعُذْرُهُ مَقْبُولٌ، وَأَمَّا مَا كَانَ يَلِي بلَادَ فَارِسَ، فَذَنَبُ صَاحِبِهِ غَيْرُ مَغْفُورٍ وَعُذْرُهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ (نفس الشيء يقوله المسلمون اليوم بخصوص أمريكا واسرائيل). فَإِنْ أَرَدْتَ أَنْ نَنْصُرَكَ وَنَمْنَعَكَ مِمَّا يَلِي الْعَرَبَ فَعَلْنَا (أما ضد دولة الفرس فلا يمكننا نصرتك ومنعتك). فرد عليه الرسول: «إِنَّهُ لَا يَقُومُ بِدِينِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ حَاطَهُ مِنْ جَمِيعِ جَوَانِبِهِ» (أي أن يكون مستعدا وعازما على نصرة الإسلام ضد كل دولة في العالم مهما كانت قوتها). ثم قال صلى الله عليه وسلم: «أَرَأَيْتُمْ إِنْ لَمْ تَلْبَثُوا إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى يَمْنَحَكُمُ اللَّهُ بِلَادَ الفرس وَأَمْوَالَهُمْ، وَيُفْرِشَكُمْ بَنَاتِهِمْ، أَتُسَبِّحُونَ اللَّهَ وَتُقَدِّسُونَهُ؟» (اقتباس بتصرف من البداية والنهاية لابن كثير: كتاب سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فَصْلٌ في عَرْضِ رسول الله صلى الله عليه وسلم نَفْسَهُ الْكَرِيمَةَ على أَحْيَاءِ العَرَبِ).

فالرسول رسم الخطوط الرئيسية للأسس التي يجب أن تُؤسس عليها الدولة السيادية.

معايير السيادة الكاملة

ومن ثم يمكن تحديد أهم معايير السيادة الكاملة كالآتي: 

  • شرعية الدولة وحمايتها: استناد الدولة في تأسيسها وشرعيتها وحمايتها لقوة داخلية ذاتية، وليس لأي دولة أخرى أو لأي منظمات دولية. هذه الفكرة إذا آمن بها مؤسسوا دولةٍ في أي عصر وعملوا به، لوحدها كافية لحشد الهمم والطاقات والجدية والإرادة لتكون الدولة في وقت جد وجيز قادرة على صناعة سلاحها بنفسها وكل الضروريات التي تحتاجها للعيش، وألا تخضع لأي خطوط حُمر تضعها دول أخرى، بل تصنع رغم أنف كل دول العالم أي سلاح تشاء، يمنحها القوة والهيبة، بما في ذلك السلاح النووي.
  • التشريع: استقلالية التشريع وسن القوانين عن كل دول العالم والمنظمات الدولية، فيكون سن القوانين في كل المجالات (السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، والمالية، الخ) منبثق من عقيدة الأمة ومبدئها ليس إلا، لا تُلقي اعتبارا لرأي أي دولة في العالم، ولا تسمح لأي دولة التدخل في منظومتها التشريعية.
  • السياسة الداخلية – الاقتصاد –: استقلالية اقتصاد الدولة عن كل دول العالم والمنظمات الدولية، فلا يكون اقتصادها تابع للدول والمنظمات الأجنبية ولا خاضع لإملاءاتها، ولا تعتمد الدولة على التمويل الأجنبي لمشاريعها الاقتصادية الحيوية، ولا تُمَكَّن أي شركة أجنبية من خيرات البلاد بحيث يكون لها حق التصرف فيها وتحديد أسعارها الخ. فالدولة يجب أن تحافظ على سيادتها التامة على خيرات البلاد من معادن وموارد الطاقة (كالغاز الطبيعي، والنفط، والطاقة الشمسية، الخ). فحتى إن استعانت الدولة بخدمات تقنية أو فنية لشركات أجنبية، فلا تُمَكَّن تلك الشركات من أي نسبة من ملكية الموارد الطبيعية ولا تُعطى حق التنقيب عليها، ولا يُسمح لتلك الشركات الأجنبية بالمساهمة برأس المال لاستخراج المعادن أو تعديلها حتى لا تصبح لها بذلك حق ملكية وسيادة، وإنما تبرم الدولة معها عقودا كأجير بأجر معلوم وأجل محدود، تقدم فيها تلك الشركات خدمات وآلات واستشارات فنية مقابل أجر معلوم، وليس مقابل تملك نسبة من تلك الموارد الطبيعية أو حق التصرف في المناجم والآبار. تماما كما يفعل مثلا صاحب الأرض الزراعية الذي يستجير مزارعين ليزرعوا الأرض ويسقوها ويحصدوا المحصول الزراعي مقابل أجر معلوم، ويبقى صاحب الأرض الزراعية هو الممول للمشروع الزراعي، بحيث هو من يشتري البذور ويوفر الماء للسقي ويشتري الآلات الضرورية للزراعة الخ …، وصاحب الأرض هو من له الصلاحية الحصرية لتحديد ما يجب زرعه، وهو من له السيادة المطلقة في كيفية التصرف في المحصول الزراعي، فيسوقه كيف شاء وبالثمن الذي شاء.
  • السياسة الداخلية – الأمن –: استقلالية المؤسسات الأمنية للدولة عن كل دول العالم والمنظمات الدولية، فلا تحدد لها دول أجنبية ومنظمات دولية مفهوم الأمن وكيفية تحقيقه، وتحدد لها من هم الأعداء ومن هم الأصدقاء، وكيفية التعامل مع الأعداء أو التخلص منهم، وتلزمها بالتعامل الأمني معها والتجسس لصالحها، كما حاصل اليوم فيما يُسمى “الحرب على الإرهاب”. بل مبدأ الأمة وعقيدتها والمصالح الذاتية للأمة والدولة، المصالح المنبثقة من العقيدة المتبناة، هي وحدها التي تحدد مفهوم الأمن وكيفية تحقيقه، فتكون المؤسسات الأمنية خادمة للأمة وليست لدول أجنبية، وتتخذ موقف العداوة مع كل دول الكفر، وتتعامل معها على ذلك الأساس.
  • السياسة الداخلية – التعليم –: استقلالية المؤسسات التعليمية في الدولة، في كل مستوياتها، سواء كانت مؤسسات خاصة أو حكومية، استقلاليتها عن كل دول العالم والمنظمات الدولية، فلا تحدد لها دول أجنبية ومنظمات دولية المناهج الدراسية ومضمونها وأهداف التعليم. فمن السيادة أن يكون أهم ركن التعليم وأهدافه، هو تخريج أجيال حاملة للعقيدة التي تحملها الأمة وأسست على أساسها الدولة. فلا دوام لأمة ودولتها بدون أجيال تحمل العقيدة التي تشكل الشعلة والوقود للاستمرارية في سيادة العالم. وبالنسبة للمسلمين، عربهم وعجمهم، يجب اعتماد اللغة العربية حصرًا في التعليم والمعاملات والإدارات الخ.
  • السياسة المالية: يجب اعتماد الذهب والفضة عُملة للدولة. والنقود الورقية التي يجوز للدولة إصدارها، لا يجوز لها أن تستند الى أي عملة أجنبية، كالدولار الأمريكي أو اليُورُو الأوروبي أو اليوان الصيني، بل تستند الى الذهب والفضة، فيجب أن تكون مغطاة 100% بقيمة محددة ثابتة من الذهب أو الفضة، مخزنة في خزينة داخلية للدولة، وليس في خزانات دول أجنبية. ومعنى أن النقود الورقية مغطاة بالذهب أي أن كل ورقة نقدية تم سَكّها هي مجرد وَصْل استلام أو إيداع لكمية معينة من الذهب أو الفضة تُودَع في خزينة الدولة. فالوَصْل أو النقد الورقي لا يحمل قيمة ذاتية، بعكس الذهب والفضة، لكنه – أي النقد الورقي – يُثبت ملكية كمية من الذهب أو الفضة مُودعة لدى خزينة الدولة، يجوز لحاملها صرفها ذهبا أو فضة متى شاء. هكذا تكون للنقود قيمة ثابتة لا تفقدها مهما طرأ على الوضع الاقتصادي، وتكون الدولة مستقلة عن الدول الاجنبية ومؤسساتها المالية.
    فمنذ تاريخ البشرية القديم كانت النقود عبارة عن قطع من الذهب والفضة، وكان الناس في تجاراتهم الدولية لا يعيرون اهتماما لما يُطبع عليها من رموز للدولة التي سكتها، بل يكتفون بوزنها لِتُحدد قيمتها. ومن أَشْهَر النقود المعدنية التي أثبت القرآن وجودها وأقرَّها هي الدينار (قِطَع من الذهب) والدرهم (قطع من الفضة)، {وَشَرَوْهُ بثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ} (سورة يوسف)؛ {وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا} (سورة آل عمران). وحتى لما طوَّر الانسان النقود الورقية فقد كانت مغطاة بالذهب، وبقيت العملات الورقية على هذا الحال حتى سنة 1363هـ (1944م) حيث فرضت أمريكا المنتصرة في الحرب العالمية الثانية اتفاقية “بريتون وودز” التي جعلت عملات الدول الموقعة على الاتفاقية مستندة قيمتها الى الدولار بدلا من الذهب، وجُعِل الدولار بداية محددا بسعر ثابت من الذهب (35 دولاراً مقابل أونصة من الذهب – حوالي 31 جرام –) ومغطًى به. إلا أنه سنة 1391هـ (1971م) أعلن الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون وقف قابلية تبديل الدولار إلى الذهب، فأصبحت أمريكا تطبع ما تشاء من دولارات دون أي غطاء من الذهب، ومنذ ذلك الوقت فقدت النقود الورقية أي سند قَيْمِيٍّ، قيمتها “معنوية” تتقلب حسب قوة الدولة العسكرية أولا ثم الصناعية.
  • السياسة الخارجية – العقود والمعاملات والمعاهدة مع الدول الخارجية –: استقلالية الدولة في إبرام معاهدات وعقود تجارية وعسكرية وغيرها مع أي دولة في العالم دون الحاجة لإذن أي دولة أخرى أو منظمة دولية، فتُصدِّر مثلا الدولة بضائع وخدمات لمن تشاء من الدول في العالم، وتستورد ممن تشاء من دول العالم، لا تخضع في ذلك لرقابة أي دولة أو منظمة دولية، فلا تقاطع دولةً لأن دولةٌ ما أمرت بذلك. وتكون المعاهدات والعقود تصب في خدمة الأمة، ولا تُبرم مع شركات أو دول تحارب المسلمين. 
  • السياسة الخارجية – إعلان الحرب أو السلم –: سيادة الدولة لا تكتمل إلا إذا كانت لها الإرادة والعزيمة والقدرة على إعلان الحرب والسلم حسب معاييرها هي لشروط الحرب والسلم، وتبعا لمصالحها هي الخاصة وليس لمصالح دول أخرى، وعدم ترددها في مواجهة أي دولة في العالم إن استدعت الضرورة ذلك، مهما كان حجم قوة تلك الدول. والدولة التي تكون هذه عقيدة سياستها الخارجية، ستسعى قطعا لامتلاك القدرة على تصنيع سلاحها بنفسها، وعلى امتلاك كل ما تستطيع تصنيعه من أسلحة ومنتوجات تخول لها القدرة على مواجهة أية دولة في العالم.

فمن هي الدول السيادية ومن هي الوظيفية في العالم اليوم؟ هذا ما سأجيب عنه في الجزء الثاني من هذا البحث.

::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::

المصادر العربية والأعجمية:

  • إيمانويل واليرشتاين “النظام العالمي الحديث” من أربع مجلدات:
  • The Modern World-System, Bd. I (1974): Capitalist Agriculture and the Origins of the European World-Economy in the Sixteenth Century.
  • The Modern World-System, Bd. II (1980): Mercantilism and the Consolidation of the European World-Economy, 1600–1750.
  • The Modern World-System, Bd. III (1989): The Second Great Expansion of the Capitalist World-Economy, 1730–1840’s.
  • The Modern World-System, Bd. IV (2011): Centrist Liberalism Triumphant, 1789–1914.
  • كريستوفر تشيس دان، يوكيو كاوانو، بنجامين بروفير: “عولمة التجارة منذ عام 1795: موجات الاندماج في النظام العالمي”:
  • Christopher Chase-Dunn, Yukio Kawano, Benjamin Brewer (2000). “Trade Globalization since 1795: waves of integration in the world-system”. American Sociological Review.
  • سلفاتوري بابونيس: “هيكل الدخل على مستوى الدول ضمن إطار الاقتصاد العالمي”:
  • Salvatore J. Babones (2005). “The Country-Level Income Structure of the World-Economy. Journal of World-Systems Research.


 

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

د. هشام البواب

الدكتور هشام البواب، ناقد ومحلل سياسي واجتماعي مستقل . مقالاته تشمل موضوعات سياسية واجتماعية وفقهية وعلوم تجريبية :::::: بعض كتابات الدكتور هشام البواب في الرابط التالي: https://atanwir.com/منشورات-الدكتور-هشام-البواب ::::::: hicbou1@mailfence.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى