سياسة

الدول السيادية والدول الوظيفية (ج 2)

نعيد نشر هذا المقال الذي نُشر لأول مرة سنة 1440هـ (2019م) على موقع ”ساسة بوست“

::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::

الدول السيادية والدول الوظيفية (ج 2)

د. هشام البواب

عرضت في الجزء الأول معايير وشروط السيادة الكاملة، والتي أهمها أن تكون الدولة سيدة كل قراراتها، سواء في إدارة الشؤون الداخلية للبلاد أو الشؤون الخارجية، وقلت أن السيادة لا تكتمل إلا إذا كانت للدولة الإرادة والعزيمة على إعلان الحرب والسلم حسب معاييرها هي لشروط الحرب والسلم، وتبعا لمصالحها هي الخاصة وليس لمصالح دول أخرى، وعدم ترددها في مواجهة أي دولة في العالم إن استدعت الضرورة ذلك، مهما كان حجم قوة تلك الدول.

الولايات المتحدة الأمريكية هي الدولة السيادية الوحيدة في العالم

تبعا لمعايير السيادة السابقة الذكر، لا توجد اليوم إلا دولة واحدة كاملة السيادية، ألا وهي الولايات المتحدة الأمريكية. فهي وحدها التي تتوافر على سيادة كاملة في سياساتها الداخلية والخارجية على السواء. أما دول كالصين وروسيا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وكندا وأستراليا واليابان فكلها ذات سيادة ناقصة. والسبب الرئيسي لنقصان سيادتها هو خضوعها في السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية، سواء الشق التجاري منها أو الحربي، الى جانب التبعية المالية لأمريكا باستناد عُمُلاتها للدولار الأمريكي.

فليس ثمة دولة اليوم تستطيع إعلان الحرب والسلم في أي بقعة في العالم، بل وإلزام كل دول العالم بذلك، إلا الولايات المتحدة الأمريكية. فالبلد الذي تعلن عليه أمريكا حربا (حقيقية وليست صورية)، تجد كل دول العالم تخضع لقوانين حالة الحرب التي تفرضها أمريكا على البلد (كحصارها اقتصاديا وعدم تزويدها بالسلاح، الخ)، وتدفع كل الدول بجنودها ليقاتلوا الى جانب الجيش الأمريكي، أو على الأقل تزويدها بالمؤونة والخدمات الاستخباراتية، وفتح البلاد جوًّا وبحرا وبرا للقوات والعمليات العسكرية الأمريكية. وقد تُموٍّل تلك الدول الحروب الأمريكية (كما هو حال دويلات الخليج مثلا).

الولايات المتحدة الأمريكية هي وحدها من يضع اليوم قوانين اللعبة في كل أصناف العلاقات الدولية. أما باقي دول العالم (وعلى رأسها الدول الوظيفية) فهي كالسنّ في الدولاب، تدور في الاتجاه الذي تدفع أمريكا نحوه. 

دول أوروبا الغربية والصين وروسيا دول ذات سيادة ناقصة لخضوعها في السياسات الخارجية لأمريكا

فخذ مثلا دولا كبرى كالصين وروسيا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وكندا وأستراليا واليابان، فهي تابعة للسياسة الخارجية الأمريكية، سواء المتعلقة بالحرب أو بالتجارة، وبالتالي فاقدة للسيادة الكاملة. 

كل الدول تعادي من تعادي أمريكا وتنخرط في الحروب تحت إمرة أمريكا 

فمثلا تَدَخُّل روسيا العسكري في الحرب في سوريا كان بإيعاز من أمريكا، فروسيا لا تقاتل في سوريا إلا ضمن مشروع أمريكي كبير للمنطقة، فتقوم روسيا بتنفيذ أحد جزئيات المشروع، منه تفريغ سوريا من أهل السنة وإحداث تغيير سكاني كالذي فعله الغرب سابقا في فلسطين مثلا – أي استبدال طوائف عقيدتها لا تشكل خطرا على إسرائيل والنفوذ الغربي في المنطقة بأهل السُّنة –. 

:::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::

راجع: «”قانون قيصر” يؤكد أن أمريكا هي الماسكة بخيوط اللعبة في سوريا»

:::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::

وانخراط دول الغرب في الحرب في أفغانستان والعراق كان بإيعاز من أمريكا وتحت إمرتها.

ولما أعلنت أمريكا ما يسمى “الحرب على الإرهاب”، هرولت كل دول العالم للانضمام الى الحروب العسكرية والمالية والسياسية على كل من تصنفه أمريكا “إرهابيا” – سواء كان المُصَنَّف دولةً أو جماعةً أو فردًا –، وسارعت كل الدول لتسليم مسلمين لأمريكا بتهمة “الإرهاب” كقربان للتأكيد على ولائهم لأمريكا، وتولت دولٌ تعذيب مسلمين تحت تهمة “الإرهاب” بالنيابة عن أمريكا.

تقرير بشأن سياسة السجون السرية للاستخبارات الأميركية:https://www.youtube.com/watch?v=2VpT-_F_3Ig 

وتنخرط كل الدول في سياسات وقرارات العقوبات الاقتصادية والاجتماعية التي تفرضها أمريكا على أي مسلم أينما كان يعيش في العالم، فتستولي على أمواله وممتلكاته وحساباته المصرفية، ويُحرم من أبسط حقوقه كحق العمل والسفر والتملك الخ. وغيرت كل الدول بعض قوانينها الداخلية استجابة لأمريكا (تحت مسمى قوانين الإرهاب)، فأصدرت مثلا قوانين تجيز تزويد أمريكا بمعلومات عن مواطنيها (مواطني الدول الوظيفية والدول ناقصة السيادة)، كقوائم المسافرين جوًّا، والحوالات المالية، والاتصالات الهاتفية والرقمية، الخ.

السجون السرية لوكالة المخابرات الأمريكية في أوربا: https://www.youtube.com/watch?v=x2Ur4Pu-O8k

وليست ثمة دولة واحدة في العالم، خصوصا الدول الوظيفية، تجرؤ على التعامل من فرد أو جماعة أو دولة صنفتها أمريكا على أنها إرهابية (تصنيفا حقيقيا وليس صوريا، كالتصنيف الصوري لوحدات حماية الشعب الكردية ضمن اللائحة الأمريكية للجماعات الإرهابية). وفي المقابل لا تبالي أمريكا بتصنيفات باقي دول العالم، فتتعامل مع أي جهة تشاء ولو صنفتها باقي دول العالم على أنها إرهابية، كدعم أمريكا لقوات سوريا الديمقراطية ووحدات حماية الشعب الكردية في الحرب في سوريا، رغم احتجاج تركيا مرارا على ذلك، إذ تصنف تركيا تلك الجماعات على أنها إرهابية.

النفوذ الأمريكي يمتد حتى أبواب روسيا والصين والى قعر دار أوروبا

بل حتى حالة الحرب أو السلم في البلدان الواقعة على حدود روسيا والصين أو في قعر دار أوروبا، تحددها أمريكا. فمثلا حرب البوسنة والهرسك (1412هـ – 1416هـ / 1992م – 1995م) وحرب كوسوفو (1418هـ – 1419هـ / 1998م – 1999م)، اللتان جرَتا في قعر أوروبا، أدارتها أمريكا وانخرطت فيها دول أوروبية تحت شروط أمريكا وإمرتها، وأنهت أمريكا تلك الحروب بمعاهدات وعقود وضعت هي بنودها وأهدافها. وفي المقابل روسيا لم تستطع التدخل العسكري بجانب صربيا، حليفها التاريخي والعقائدي، حين أعلنت أمريكا (تحت مظلة حلف الشمال الأطلسي) الحرب عليها سنة 1418هـ (1998م)، واكتفت بالتنديد. 

وتغلغلت أمريكا عسكريا وسياسيا في دول الاتحاد السوفيتي السابق، والتي كانت مناطق نفوذ تام لروسيا وتقع على أبوابها، كأذربيجان وكازاخستان وقرغيزستان وأوزبكستان وجورجيا.

كما تغلغل النفوذ العسكري الأمريكي حتى أبواب الصين، كتغلغله في باكستان، وأفغانستان، وكازاخستان، وقيرغيزستان، وأوزبكستان، وكوريا الجنوبية، واليابان، وتايوان، الخ. وبإنشاء الأسطول الأمريكي في المحيط الهادي سنة 1325هـ (1907م)، والذي لازال ناشطا الى اليوم، عززت به أمريكا هيمنتها على المحيط الهادي، المنفذ المائي الرئيسي للصين.

تعزيزات حربية أمريكية في المحيط الهادي: https://www.youtube.com/watch?v=O119UV4LWDk

وفي تحدٍّ صارخ ورسالة عسكرية صريحة للصين، أرسلت الولايات المتحدة الأمريكية أكثر من مرة سفنها الحربية للمرور عبر مضيق تايوان، على بعد مسافة قليلة جدا من السواحل الصينية. ونظرا لدعم أمريكا لتايوان وحمايتها لها، لا تقوى الصين ولا تجرؤ على استرداد حتى جزيرتها الصغيرة هاته الواقعة في المحيط الهادي، والتي لا تتعدى مساحتها ستة وثلاثين ألف كلم مربع ولا تبعد عن الصين إلا بمسافة 140 كيلومترا.

الصين تحذر أمريكا من الاستفزازات العسكرية في مضيق تايوان: https://www.youtube.com/watch?v=3tEG17qyQdQ

ولازالت دول أوروبا تراهن على حلف شمال الاطلسي الأمريكي لحمايتها من روسيا. ولأمريكا تواجد عسكري قوي ومراكز تجسس في أكبر وأقوى دول أوروبا. فمثلا هناك أكثر من ثلاثين قاعدة عسكرية وما يزيد عن ثلاثين ألف جندي أمريكي في ألمانيا. وتتواجد عشرات القواعد العسكرية الأمريكية وأكثر من عشرة آلاف جندي أمريكي في بريطانيا. ولوكالة الأمن القومي الأمريكي فروع في عدة دول أوروبية وعلى رأسها بريطانيا وألمانيا، وتُعتبر الوكالة أهم وكالات جمع المعلومات والتجسس على كل أنواع الاتصالات.

وكالة الأمن القومي الأمريكية متهمة بالتجسس على الإتحاد الأوروبي: https://www.youtube.com/watch?v=w6Iho-fDrYc

فإذا كانت هذه الدول الغربية الكبرى لا تستطيع حماية حتى محيطها الجغرافي والسياسي من النفوذ الأمريكي ولا تحديد حالة الحرب أو السلم فيه، وتعتمد على حلف شمال الاطلسي الأمريكي لحمايتها، وتسمح لوكالة الأمن القومي الأمريكية بالتواجد على أراضيها والتجسس عليها، فأنَّى لها أن تنافس النفوذ الأمريكي في البلدان الأبعد عنها جغرافيا وعقائديا؟ أنَّى لها أن تتحرر في سياستها الخارجية؟

خفايا مشروع نظام التجسّس الأميركي | مذكّرات “إدوارد سنودن” ضابط وكالة الاستخبارات الأميركية السابق: https://www.youtube.com/watch?v=T-6FkFIxdrk

أمريكا هي التي تضع قوانين اللعبة في التجارة العالمية والكل يخضع لها 

أما اقتصاديا، فأمريكا هي أيضا الدولة التي تحدد قوانين التجارة العالمية وهي وحدها التي يمكنها إعلان حصار اقتصادي شامل على أية دولة في العالم وفرض عقوبات اقتصادية، فتخضع لها كل الدول وتنفذها.

فليست ثمة دولة في العالم، بما فيها الصين وروسيا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وكندا وأستراليا واليابان، تستطيع تجاوز الخطوط الحُمر التي تحددها أمريكا في التجارة العالمية. ولعل أكبر مثال حي على ذلك هي العقوبات التي تفرضها أمريكا على إيران، إذ تجد حتى الاتحاد الأوروبي يلتزم بها ويقطع علاقاته التجارية مع إيران، رغم حاجة الشركات الأوروبية الماسة للعلاقات التجارية مع إيران واستفادتها منها. أما روسيا، فقد عبر رئيسها بوتين عن عجزها أمام الهيمنة الأمريكية على التجارة العالمية في خطاب وججه الى إيران، تعقيبا على فرض أمريكا عقوبات عليها ومنع روسيا وأوروبا من التعامل الاقتصادي معها، إذ قال: “روسيا ليست فريق إطفاء، فلا يمكنها أن تنقذ كل شيء”.

ومن بين الأمثلة الأخرى على نقصان سيادة دول الغرب، إرغام الولايات المتحدة الأمريكية سويسرا على تغيير قانونها الداخلي المتعلق بسِرِّية وحصانة المصارف السويسرية. فسويسرا اضطرت تحت ضغط أمريكي (بدأ سنة 1428هـ / 2007م) لتعديل قانون الحصانة والسرية الذي كان من مقدسات النظام المصرفي السويسري لأكثر من مائة عام، وإصدار قانون يجبر المصارف السويسرية على تزويد الولايات المتحدة الأمريكية بمعلومات عن الحسابات المصرفية لمواطنين أمريكيين ومقيمين في أمريكا، ليتسنى لها متابعة الأموال المهربة من دفع الضرائب في أمريكا. وأرغمت أمريكا مجموعة يو.بي.إس المصرفية السويسرية على دفع غرامة مالية تقدر بمئات ملايين الدولارات عقوبة على “مساعدتها” (ولو بطريقة قانونية وعن غير قصد) مواطنين أمريكيين للتهرب من دفع الضرائب.

تعليق قرار حماية السرية المصرفية في سويسرا: https://www.youtube.com/watch?v=ty8c5VmGLg4

تبعا لما تقدم، وهو غيض من فيض، فدولٌ كـالصين وروسيا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وكندا وأستراليا واليابان كلها ذات سيادة ناقصة، لخضوعها للولايات المتحدة الأمريكية على أقل تقدير في السياسة الخارجية، الشق التجاري منها وخصوصا الحربي. 

هذا حال دول أوروبا وروسيا والصين وكندا وأستراليا واليابان، دول ناقصة السيادة، أما باقي الدول وعلى رأسها كل البلدان الإسلامية بدون استثناء، فهي دول وظيفية، وهذا ما سأتطرق له في الجزء الثالث والأخير من هذا البحث.



 

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

د. هشام البواب

الدكتور هشام البواب، ناقد ومحلل سياسي واجتماعي مستقل . مقالاته تشمل موضوعات سياسية واجتماعية وفقهية وعلوم تجريبية :::::: بعض كتابات الدكتور هشام البواب في الرابط التالي: https://atanwir.com/منشورات-الدكتور-هشام-البواب ::::::: hicbou1@mailfence.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى