سياسة

الدول السيادية والدول الوظيفية (ج 3)

نعيد نشر هذا المقال الذي نُشر لأول مرة سنة 1440هـ (2019م) على موقع ”ساسة بوست“

::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::

الدول السيادية والدول الوظيفية (ج 3)

د. هشام البواب

عرضت في الجزء الأول معايير وشروط السيادة الكاملة، والتي أهمها أن تكون الدولة سيدة كل قراراتها، سواء في إدارة الشؤون الداخلية للبلاد أو الشؤون الخارجية، وقلت أن السيادة لا تكتمل إلا إذا كانت للدولة الإرادة والعزيمة على إعلان الحرب والسلم حسب معاييرها هي لشروط الحرب والسلم، وتبعا لمصالحها هي الخاصة وليس لمصالح دول أخرى، وعدم ترددها في مواجهة أي دولة في العالم إن استدعت الضرورة ذلك، مهما كان حجم قوة تلك الدول.

تبعا لهذه المعايير، استنتجتُ في الجزء الثاني من هذا البحث أنه لا توجد اليوم إلا دولة واحدة كاملة السيادية، ألا وهي الولايات المتحدة الأمريكية. فهي وحدها التي تتوافر على سيادة كاملة في سياساتها الداخلية والخارجية على السواء. وذكرت في ذات الجزء الثاني أن دول كالصين وروسيا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وكندا وأستراليا واليابان فكلها ذات سيادة ناقصة. والسبب الرئيسي لنقصان سيادتها هو خضوعها في السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية، سواء الشق التجاري منها أو الحربي، الى جانب التبعية المالية لأمريكا باستناد عُمُلاتها للدولار الأمريكي.

هذا حال دول أوروبا وروسيا والصين وكندا وأستراليا واليابان، دول ناقصة السيادة، أما باقي الدول وعلى رأسها كل البلدان الإسلامية بدون استثناء، فهي دول وظيفية، وهذا ما سأتطرق له في الجزء الثالث والأخير من هذا البحث.

الدول في العالم الإسلامي كلها بدون استثناء دول وظيفية

الدول في العالم الإسلامي كلها بدون استثناء (بما فيها إيران وتركيا وماليزيا وإندونيسيا وباكستان ودويلات الخليج قاطبة) مجرد دول وظيفية، أي أن وظيفتها بالأساس هو خدمة الدولة السيادية (أمريكا) وبعض الدول ناقصة السيادة (كفرنسا وبريطانيا الخ)، ناهيك عن تقدسهم لإسرائيل وخدمتهم غير المحدودة لها.

:::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::

اقرأ: «لولا إسرائيل لكانت دويلات سايكس وبيكو في العالم الإسلامي في ورطة كبيرة»

:::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::

فالدول في العالم الإسلامي ليست لها سيادة حتى داخليا (ولا أقصد هنا تسلطهم على شعوبهم واستعبادهم لهم)، لا يكاد يتوافر فيها أي شرط من شروط السيادة المشار اليها فيما سبق. فكل أنظمة الحكم في العالم الإسلامي تستمد شرعية وجودها من الغرب وتستند عليه في حمايتها وبقائها.

كلاكيت رابع مرة.. ترمب يطالب سلمان بدفع المليارات مقابل الحماية: https://www.youtube.com/watch?v=E3R-XOqzWkE

المؤسسات الأمنية لكل الدول في العالم الإسلامي (بدون استثناء) تابعة للمؤسسات الأمنية والمخابراتية الغربية، دورها مراقبة الشعوب المسلمة والتجسس عليها والتسلط عليها ومنعها من التحرر من هيمنة الغرب والحفاظ على مصالح هذا الأخير. هذه المؤسسات تعمل بالوكالة عن الغرب، تستمر في الدور الذي كانت تقوم به جيوش دول الغرب إبان الاحتلال المباشر لبلدان المسلمين. 

ودول الغرب تتدخل في النظام الداخلي التشريعي والتعليمي والاقتصادي والمالي للبلدان الاسلامية، فتفرض عليها مناهج محددة للتعليم الدراسي وتملي عليها سَنَّ قوانين علمانية وقوانين تخدم النظام الرأسمالي الذي تهيمن عليه دول الغرب وشركاته، وتحدد لها – عن طريق صندوق النقد الدولي والبنك الدولي – الميزانية المالية لوزاراتها، مما يؤدي مثلا لإلغاء دعم الدولة لكثير من الخدمات والمواد الاستهلاكية الأساسية، الخ.

وجيوش البلدان الإسلامية، قاطبة وبدون استثناء، مجرد مرتزقة لدى دول الغرب، تحارب من يحارب الغرب وتسالم من يسالم.

البوابة العسكرية – تعرف على قاعدة العديد في قطر … الكابوس الجاثم على صدر العرب: https://www.youtube.com/watch?v=YU9SWgv428w

:::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::

اقرأ: «مدونة الأسرة .. مدمرة الأسرة: لا يجوز للمعاهدات “الدولية” أن تحل حراما أو تحرم حلالا»

:::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::

العدو الأول للإسلام وشعوبه هي الأنظمة الوظيفية رغم تعاطفها المرحلي المصلحي مع تيارات إسلامية 

عقيدة الأنظمة المتحكمة في العالم الإسلامي وجيوشها ومؤسساتها التشريعية والأمنية تابعة لعقيدة الغرب ومنفذة لها، إذ تتمحور حول محاربة الإسلام ودعاته ومنع توحد المسلمين وإقامة الشريعة (اعلم أن الإسلام ليس مجرد صلاة وصوم وحج وتلاوة القرآن واحتفالات عيد الأضحى والفطر وبناء مساجد). فالعدو الأكبر والأول للإسلام والمسلمين هي الأنظمة المتحكمة في البلدان الإسلامية.

ها هي، على سبيل المثال لا الحصر، كل من السعودية وسوريا وسلطنة عمان والكويت وقطر والإمارات والبحرين ترسل رسالة إلى الأمم المتحدة (قبل أسبوع) تؤيد فيها سياسة الصين في إقليم شينجيانغ ضد المسلمين الإيغور في إقليم شينغيانغ.

والرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، صرح مؤخرا إبان لقاءه الرئيسي الصيني، شي جينبينغ، بأن المسلمين الإيغور يعيشون بسعادة في إقليم شينجيانغ بسبب ازدهار الصين، وتركيا لن تسمح لأحد بدق إسفين في علاقاتها مع الصين. وأضاف أردوغان أنه على استعداد لتعزيز الثقة السياسية المتبادلة والتعاون الأمني مع الصين للتصدي للتطرف (فمن هو التطرف الذي تشارك تركيا الصين عداءه؟). 

فتعاطف أي نظام وظيفي من الأنظمة المتحكمة في العالم الإسلامي من حين لآخر مع تيارات إسلامية ودعمها نسبيا واحتضان قياداتها، إنما هو تعاطف ودعم مصلحي مرحلي وليس عقائدي، أي ليس على أساس الولاء للإسلام، الذي من مقتضياته (أي الولاء لله) إقامة أحكام الإسلام كاملة، بما في ذلك في السياسة المالية والاقتصادية والخارجية والحربية، وقطع العمالة والولاء لكل دول الغرب.

أقول دعم الأنظمة الوظيفية لتيارات وجماعات إسلامية إنما هو دعم مرحلي فقط لتوظيف تلك التيارات الإسلامية في خدمتها وخدمة أجندة الغرب.

فقد استعان مثلا جمال عبد الناصر بجماعة الإخوان المسلمين لشرعنة وصوله للحكم في مصر، لينقلب عليهم لاحقا ويزج بهم في السجون والتعذيب والقتل.

وكذلك استعملت الدولة السعودية الثالثة (الحديثة) جماعة “إخوان من أطاع الله” في عهد الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود كمقاتلين عقائديين شرسين ليستولي على شبه الجزيرة العربية ويوحدها تحت اسم المملكة العربية السعودية، لينقلب عليهم بعد ذلك ويقضي عليهم (بمساعدة بريطانيا) سنة 1348هـ (1930م). 

واستغلت السعودية جماعة الإخوان المسلمين لتثبيت شعبيتها، ولتسويق الجهاد الأفغاني ضد الاتحاد السوفياتي الذي كانت ترعاه أمريكا، وكذلك استغلت السعودية الاخوان ضد مصر، سواء في العهد الملكي لمصر أو ضد التيار الناصري الاشتراكي في عهد جمال عبد الناصر، فاستقبلت السعودية (خصوصا في عهد الملك فيصل بن عبد العزيز) كثيرا من أعضاء الإخوان وقياداتها من مصر وسوريا والعراق وغيرها من الدول ومنحتهم الوظائف والأموال الخ، ….. ليبدأ بعد ذلك الانقلاب التدريجي للسعودية على الإخوان ابتداءً من حرب الخليج الثانية على العراق سنة 1410هـ (1990م)، لتصل ذروة الانقلاب السعودي على الإخوان سنة 1435هـ (2014م) بتصنيفها لهم كجماعة إرهابية وزج بكل من له ولو أبسط ميول إخواني في السجون.

وعلى غرار السعودية، استقبلت تركيا منذ تولي أردوغان الحكم عددا من الجماعات الاسلامية وأتباعها، لأن أردوغان بنا نجاحه في الانتخابات على أصوات ملايين الأتراك المحبين للإسلام، وليستغل المشاعر الاسلامية لاحتواء التيارات الاسلامية والتجسس عليها وتوجيهها في خدمة مشاريع أمريكا. ومن ثم تزايد استقبال تركيا لجماعات اسلامية وعلى رأسها التيار الاخواني بعد انقلاب السيسي في مصر واندلاع الثورة السورية. وستستغني عنهم تركيا عاجلا أو آجلا وتلاحقهم لما ينتهي دورهم، كما فعلت السعودية في الماضي. 

ليس المجال هنا لسرد لائحة طويلة للجماعات والتيارات الإسلامية، سواء جهادية أو دعوية أو سياسية، التي استغلتها ولازالت تستغلها العديد من الدول الوظيفية في العالم الإسلامي (وليس مصر والسعودية وتركيا فحسب)، بتنسيق وتواطؤ مع الغرب وعلى رأسه أمريكا، لأغراض صبت وتصب في خدمة الأخيرة وتنفيذ مخططات الغرب وتوطيد الأنظمة الوظيفية، وحفاظ حكامها على وظائفهم كملوك ورؤساء.

للإشارة، كثير من الجماعات الإسلامية، الجهادية أو الدعوية أو السياسية – ولغبائها السياسي – ظنت نفسها أنها هي من تستغل الأنظمة الوظيفية وتخدع الغرب، أو تدعي ذلك لتسويغ خياناتها.

فغاية غايات الأنظمة المتحكمة في العالم الإسلامي هو إرضاء الغرب بما في ذلك إسرائيل، لذلك تهرول لخدمة مصالح الغرب ومشاريعه السياسية والاقتصادية والحربية، فتُسَخِّر لذلك كل خيرات البلاد وأموالها وشعوبها، ولا ترجوا من ذلك كله إلا أن يحافظ الغرب على عروش حُكْمِها. 

كيف تُفسر التحركات السياسية والعسكرية للأنظمة الوظيفية في بؤر الصراع في العالم الإسلامي؟ 

من أدرك حقيقة أن كل الدول في العالم الإسلامي مجرد دويلات وظيفية، استنتج بداهة أن كل التحركات العسكرية والسياسية والمالية لدولٍ كالسعودية والإمارات ومصر وقطر وتركيا – وإيران نسبيا – وغيرها من الدول في عدة مناطق في العالم الإسلامي (كاليمن وسوريا وليبيا والسودان، الخ)، كلها تحركات بإيعاز من أمريكا. كل هذه الدول، رغم الخلافات والصراعات السطحية بينها، تقوم بأدوار ترغب فيها أمريكا، فمنها من دورها خوض الحرب مباشرة في البلد الذي تريده أمريكا وضد من تشاء أمريكا، ومنها من تمول أطراف الصراع، ومنها مَنْ دورها التجسس وشراء الذمم، ومنها من تقوم بدور الوساطة والسمسرة لجر جهات للتفاوض والتنازل، ومنها من تقوم بسياسات احتواء التيارات والجماعات الإسلامية والمقاومة لكيلا تخرج أبدا عن السقف الذي يحدده الغرب وألا تتجاوز خطوطه الحمر، ومنها من تقوم بدور إعلامي لتوجيه الرأي العام، الخ.

فخذ على سبيل المثال لا الحصر الصراع في سوريا، فكل الفصائل الثورية هناك كانت مدعومة ومحتوية من قِبَل هذا النظام الوظيفي أو ذاك (بالوكالة عن أمريكا)، فكانت تضع لها تلك الأنظمة خطوطا حمرا لا يجوز لتلك الفصائل تجاوزها، كعدم اقتحام الثوار لدمشق وهم كانوا على مشارفها، وكالتخلي لاحقا عن الشعارات والأهداف الإسلامية (بعدما سُمح لهم في بداية الثورة بحمل أسماء وشعارات إسلامية، بغرض تأجيج الصراع العقائدي لمصلحة أمريكا)، الخ، … وأخيرا وليس آخرا للاستسلام والانسحاب من المناطق التي حرروها، ، كتسليم حلب. ثم بدأ التخلص من تلك الفصائل واحدا تلو الآخر، لما انتهى دورهم وتحقق المخطط الأمريكي (ربما المرحلي) الرامي لإحداث تغيير سكاني في سوريا. المخطط الأمريكي الذي استوجب تحقيقه إشعال حرب طائفية وعقائدية، ومن ثم دعم وتسليح من يُحسبون على التيار الجهادي. 

من أهم وسائل الغرب في فرض الهيمنة هو خلق التناقضات والصراعات بدعم تيار وتيار مضاد له 

فهذه الدول الوظيفية، وإن كانت تدعم وتمول أطرافا متناحرة (كدعم دولٍ لحكومة الوفاق الوطني في ليبيا، ودول أخرى لحفتر)، إلا أنها كلها تفعل ذلك بإيعاز من أمريكا.

قد يتساءل البعض كيف لأمريكا أن تدعم كِلَا طرفي الصراع، خصوصا وأنه يبدو هناك دائما أحد الأطراف معاديا لأمريكا وآخر موالي لها؟

الجواب على ذلك أن أهم أساليب الغرب وعلى رأسه أمريكا في ترويض العملاء والدول الوظيفية والشعوب وتسهيل القبضة على البلدان ونهب خيراتها وابتزاز حكامها المستميتون على كرسي الحكم، هو خلق التناقضات والصراعات سواء داخل الدولة الوظيفية الواحدة أو بتحريض دول وظيفية ضد بعضها البعض. فتجد أمريكا تدعم دويلتين وظيفيتين متصارعتين وتؤجج الخلاف بينهما (كالحاصل بين دول الخليج)، وتؤجج الصراع بين إيران والدول العربية (وعلى الخصوص دول الخليج)، لتبتز بذلك كل الأطراف، فتحلب أموالهم حلبا، وتفرض عليهم شراء الأسلحة (أسلحة استهلاكية لا قيمية استراتيجية لها)، ولتغزو المنطقة عسكريا (جوًّا وبرا وبحرا) وتهيمن عليها وتمعن في تقسيم المُقسم.

كما تجد أمريكا تدعم في البلد الواحد فريقين أو فرق متناحرة متضادة، ولا تمانع دعم دول أوروبية لهذا الفريق أو ذاك (كما يحصل في ليبيا والسودان وغيرها) فهذا يسمى تبادل الأدوار لكن تحت إشراف الدولة السيادية (الولايات المتحدة الأمريكية)، ولا بأس أن يحمل طرف من الفرق المتناحرة شعار معاداة أمريكا. فضرب دويلات وظيفية وفصائل واتجاهات فكرية بعضها ببعض، أنجع وسيلة لإدخال البلاد والعباد في دوامة تناحر وتنافر تُضعف كل الأطراف وتسهل تحكم “الداعم” فيهم.

وكثيرا ما يكون الصراع والاقتتال في الدويلات الوظيفية في حد ذاته الوضع الذي تريده أمريكا والغرب عموما، وليس وضعا مرحليا تسارع لإنهائه، ما دام الوضع يخدم مصالحها ويسهل عمليات النهب لخيرات البلاد واستنزافها، ويروج تجارة الأسلحة، الخ. فالذي يعاني مثلا من الاقتتال في ليبيا واليمن والعراق وسوريا والسودان هم سكان تلك البلاد البسطاء، أما بالنسبة للغرب فهي تجارة – تجارة الدم – يعيش منها الغرب وينشط اقتصاده ويثبت بها هيمنته ويوسعها، ويضمن – حسب ظنه – عدم عودة الاسلام للحكم وعدم توحد المسلمين من جديد في دولة واحدة.

الدول الوظيفية لا تتخلف أبدا حين تُطلب لتقديم خدمات للغرب ولإسرائيل بل تتسابق لتسخير البلاد والعباد لخدمة مصالحهم

فلا يظن أحدٌ أن هناك دولة في العالم الإسلامي لها ذرة من السيادة، لتقرر من ذاتها التدخل في الصراعات الدائرة في اليمن أو سوريا أو ليبيا أو السودان أو غيرها من البلدان، فهي لا تقوم إلا بما يوكل إليها من سيدهم الغرب. فقد صرح على سبيل المثال لا الحصر وزير الخارجية القطري السابق، حمد بن جاسم، في برنامج “الحقيقة” الذي بثته قناة قطر في محرم 1439هـ (أكتوبر 2017م)، أن الدعم العسكري الذي قدمته قطر وتركيا والسعودية للجماعات المسلحة الثورية في سوريا، كان بالتنسيق الكامل مع الولايات المتحدة الأمريكية، وأن “كل شيء يُرسل للثوار يتم توزيعه عن طريق القوات الأمريكية”.

عبارة لوزير الخارجية القطري السابق تثير سخط سوريين: https://www.youtube.com/watch?v=Ht0In4ARA_U

وهي، أي الدول الوظيفية، تتسابق لعرض خدماتها على الغرب حتى دون أن يطلب منها ذلك، وتتنافس – بل وتتصارع – على ذلك. وتتسابق لاستقبال جيوش الغرب وقواعده العسكرية، بل وتتباهى بذلك.

ولما دعا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حكام البلدان الإسلامية الى قمة الرياض في شهر شعبان 1438هـ (ماي 2017م)، لم تجرؤ دولة واحدة عن التخلف، حضروا كلهم صغارا ليأخذوا الأوامر من سيدهم الأمريكي.

ترمب : سيتذكر الجميع أن لقاءنا هو بداية السلام في الشرق الأوسط: https://www.youtube.com/watch?v=217QrNeA-bo

ولما دعت أمريكا لما سُمِّي “ورشة عمل السلام من أجل الازدهار” في البحرين، الورشة المتعلقة بما يسمى صفقة القرن، لم تتخلف أي دولة عربية أمرتها أمريكا بالحضور، حتى تلك الدول التي طالما تظاهرت بمعارضتها لما يسمى صفقة القرن.

ولما دعت أمريكا بداية 1437هـ (نهاية 2015م) لإنشاء ما يسمى “التحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب”، لمحاربة ما يسمى “الإرهاب بجميع أشكاله ومظاهره”، هرولت كل الأنظمة في العالم الإسلامي للاستجابة والانضمام لهذا الحلف. فأمريكا، خصوصا بعد تجاربها في أفغانستان والعراق، أصبحت تعتمد بوثيرة أكبر على وكلائها من الأنظمة الوظيفية ليقاتلوا عنها على الأرض ويمولوا القسط الأكبر من تكاليف الحرب إن لم يدفعوا التكاليف المالية كاملة، حتى تقلل أمريكا ما أمكن من خسائرها البشرية والمالية. فجيوش الدول في العالم الإسلامي (وهي هزيلة ضعيفة على كل حال، ولا تقوى على مواجهة إلا شعوبها غير المسلحة) مجرد مرتزقة تحمي مصالح الغرب وتخوض حروبا بالوكالة عنه، وتقوم نيابة عن الغرب بقمع أي محاولات تحرر للشعوب المسلمة، كما رأينا مثلا في مصر والجزائر وليبيا والسودان وسوريا واليمن.

والخيرات في العالم الإسلامي (من نفط وغاز طبيعي وفوسفاط وشتى المعادن الخ) كلها تُسخر لخدمة الغرب، فالأنظمة الوظيفية تدعم اقتصاد الغرب عن طريق منح الشركات الغربية حقوق التنقيب عن المعادن والغاز الطبيعي والنفط واستخراجه، وعن طريق ما يسمى “الاستثمارات الأجنبية” ومنع المسلمين من الاستثمار في صناعات من شأنها منافسة منتوجات الغرب الصناعية. والدول الوظيفية تدعم اقتصاد الغرب بتحويل وتخزين أموال الأمة في الخزانات المالية والمؤسسات المصرفية الغربية، وبشراء المستندات الغربية والأسلحة (أسلحة استهلاكية محدودة القدرات، وليست استراتيجية)، وتمويل الحروب التي يخوضها الغرب. 

تضخ الدول الوظيفية الأموال في اقتصاد الغرب (وهو ما تسميه الدول الوظيفية زورا استثمارات)، دون أن يكون لتلك الأنظمة الوظيفية أية كلمة أو قرار، يدفعون الأموال عن يد وهم صاغرون. فعلى سبيل المثال لا الحصر ها هي دول الخليج وعلى رأسها قطر والسعودية يتنافسان ويتسابقان لتقديم مئات مليارات الدولارات من أموال المسلمين – دون حسيب أو رقيب – لأمريكا تحت المسمى الزائف “الاستثمار في الاقتصاد الأمريكي”، ويتباهون بذلك. فهذه “الاستثمارات” لا تعود بالمنفعة إلا على أمريكا وشعبها، والسيادة في تلك الاستثمارات لأمريكا حصرًا (من أراد أن يعرف حقيقة تلك “الاستثمارات”، فليطلع على تفاصيل العقود وبنودها التي تمتد لعشرات وأحيانا مئات الصفحات، فكما يقول المثل “الشيطان في التفاصيل”).

ترامب لأمير قطر: شكرا لله على أموالكم.. وتميم: نحن أصدقاؤكم وليس السعودية والإمارات: https://www.youtube.com/watch?v=PPS-8TkB49E

تفاصيل الأهداف الكبرى والنهائية في الصراعات لا تعرفها إلا الدولة السيادية

ولعل الأنظمة الوظيفية في البلدان الإسلامية لا تدرك الصورة الكاملة والبعيدة للمشاريع والخطط الأمريكية في العالم الإسلامي، رغم مشاركتها في تنفيذها، ولا أظن أن أمريكا تطلعهم عليها، كما لا أظن أن الأنظمة الوظيفية يهما ذلك، همها فقط أن تُرضي الغرب، لأن الغرب هو الذي جاء بها لسدة الحكم، ومن ثم تؤمن بأن خدمة الغرب هو السبيل للحفاظ على كرسي الحكم الوظيفي، كما أن افتقادها لمبدأ الاسلام وعقيدته بل وكفرها به، سلبها أهم أداة للتفكير في التحرر من هيمنة الغرب والعمل على ذلك والتجرؤ على الإقدام عليه.

الدول الوظيفية تقوم بأدوار مرحلية لتحقيق جزء من المخطط الأكبر، دون الضرورة لمعرفة كل جزئياته وأهدافه. فالدول الوظيفية نظرتها سطحية قصيرة آنية، يهابون الغرب ويقدسونه وترتجف أوصالهم لمجرد عطسة يعطسها الغرب.

خاتمة

وجب الإشارة الى أن كون الدولة سيادية لا يعني بحال أنه يجوز لها استعمال القوة لظلم الدول والشعوب ونهب خيراتهم وحصارهم اقتصاديا وإفقارهم، وإشعال الفتن والحروب في كل بقاع العالم وقتل الناس بغير حق، كما تفعل أمريكا اليوم، فهذه بلطجة بامتياز وطغيان وإجرام. والدول السيادية البلطجية الظالمة لا يمكن إيقاف إجرامها وظلمها وعدوانها على الشعوب والدول إلا بنهوض دولة سيادية مبدئية تحمل عقيدة مضادة ومناهضة لعقيدة الدول السيادية البلطجية الظالمة، ولا تعترف بنظامها الدولي ولا تخضع له، فتُوقفها عند حدها بالندية والقوة، وتقف بجانب الشعوب المظلومة المنهوبة لتحريرها. وقد كانت الخلافة الراشدة دولة سيادية وفتحت أجزاء كبيرة من بلاد العالم، دون أن تقوم بأي مجازر بحق شعوب تلك البلدان. 

كما أنه وجب الإشارة الى أن السيادة لا تُشترى بمال واقتصاد ولا بالتَّمَسْكن للدول السيادية والتذلل لها، ولا بشراء أسلحة الدول السيادية واستهلاكها، كما تفعل الدول الوظيفية، فالدولة التي تنشأ وتتأسس كدولة وظيفية، ستبقى للأبد وظيفية، الى أن تُزال عن بكرة أبيها وتقوم بدلها دولة سيادية، سيادية منذ اللحظة الأولى، قاطعة منذ اللحظة الأولى حبال العبودية للدول السيادية أو للدول ناقصة السيادة.

فالسيادة عقيدة وخصلة وخُلق تكون من البداية أو لا تكون. وإذا تواجدت خصلة السيادية وعقيدتها، ما أسهل ساعتها وما أسرع تطوير قوة صناعية وعسكرية واقتصادية ومالية، قوة حقيقية ذاتية غير خاضعة لأي دولة في الدنيا {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ} (سورة الأنفال).



 

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

د. هشام البواب

الدكتور هشام البواب، ناقد ومحلل سياسي واجتماعي مستقل . مقالاته تشمل موضوعات سياسية واجتماعية وفقهية وعلوم تجريبية :::::: بعض كتابات الدكتور هشام البواب في الرابط التالي: https://atanwir.com/منشورات-الدكتور-هشام-البواب ::::::: hicbou1@mailfence.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى