سياسة

كرة القدم أفيون الشعوب: تحليل واستنتاجات (ج 1)

نعيد نشر هذا المقال الذي نُشر لأول مرة سنة 1439هـ (2018م) على موقع ”ساسة بوست“

::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::

كرة القدم أفيون الشعوب: تحليل واستنتاجات (ج 1)

د. هشام البواب

ما الذي يجعل كرة القدم الرياضة الأكثر شعبية؟ ولماذا كرة القدم الرياضة الأكثر ارتباطا بالعنف وبتحريك العصبيات (القومية والوطنية)؟ لماذا كرة القدم أفيون الشعوب؟

محاولة الإجابة على هذه الأسئلة هي محور الجزء الأول من هذا البحث.

لماذا كرة القدم الرياضة الأكثر شعبية؟

هناك عدة عوامل تجعل نوعا معينا من الرياضة مُؤهلا ليكون رياضة شعبية يهتم بها جزء كبير من الناس ويُتابعها بشغف، ومن أهم هذه العوامل:

  • قدرة نسبة كبيرة من الناس على ممارسة ذلك النوع من الرياضة وتجربة إحساس السعادة عند ممارستها. وهذا غالبا ما يتحقق إلا في الرياضات التي يسهل – من الناحية المادية والبدنية – على عوام الناس ممارستها. أي لا تتطلب أموالا وعُدَّة مكلفة وأماكن خاصة لممارستها، كما لا تحتاج للياقة بدنية عالية ومهارات لا تتحقق إلا بمجهود شاق ومتواصل ومكلف (والحديث هنا ليس عن الممارسة الاحترافية للرياضة بقصد كسب المال منها؛ ولكن القصد هي الرياضة التي يمكن للعامي من الناس ممارستها في نهاية الأسبوع مثلا لأجل الترفيه والتسلية، ونحو ذلك).
  • مغالاة الإعلام في طريقة وكَمِّ تسليط الضوء عليها، بحيث يتم تمجيد الاعبين المتفوقين، وتتبع أخبارهم وأحوالهم حتى الشخصية، والرجوع إليهم لمعرفة آرائهم حتى في مسائل لا دراية لهم بها من قضايا سياسية واجتماعية واقتصادية لا علاقة لها البتة بتخصصهم كماهرين في ممارسة نوع من الرياضة. ودور الإعلام في تقديم مسابقات الرياضة وكأنها حرب أممية توضع فيها الأمم على المحك لإثبات قوتها وللدفاع عن كرامتها. فالخاسر لم ينهزم في لعبة ترفيهية فحسب، ولم يساهم في تقديم عرض رياضي للمتعة فينال بدوره التقدير على جهده الذي بدله (فالأصل أن يكون هدف مشاهدة مسابقة رياضية هو الترفيه والاستمتاع بمهارات رياضية ليس إلا)، ولكن الخاسر يُشنَّع به ويُصوَّر وكأنه خسر عزته وشرفه، بل يُصوَّر وكأن بسبب خسرانه خسرت أمةٌ عزتها ومكانتها في العالم، وكأنها خسرت حربا فقدت على إثرها سيادتها على جزء من أراضيها. 
  • تبني الدول رسميا لنوع أو أنواع من الرياضة وصرف أموال طائلة عليها وتنظيم مسابقات دولية فيها والسعي للفوز بها، وتكريم المتفوقين وتسليط الضوء عليهم بأسلوب مفرط، وتقريبهم من الحاكم، ومنحهم حظوة وامتيازات استثنائية وتقديمهم كقدوة للشباب وكممثلين للأمة وسفراءها في العالم، وكنموذج يجب أن يُحتذى به لتحقيق الغنى والشهرة والحظوة الاجتماعية.
  • اهتمام القطاع الخاص من شركات صناعية وتجارية بالرياضة وضخهم أموالا طائلة فيها، وتوظيفها لإشهار منتوجات الشركات وتسويقها لأكبر عدد ممكن من الناس.

إلى جانب هذه العوامل، الطريقة الجماعية لممارسة كرة القدم التي تكسبها ما يُسمى “روح جماعية”، حولت كرة القدم في أقل من قرن من الزمن – منذ نشأتها في النصف الثاني من القرن الثالث عشر هجري (التاسع عشر ميلادي) في بريطانيا بصورتها الحديثة التي نعرفها اليوم – الى الرياضة الأكثر شعبية غزت شعوب العالم وشغفتها.

لماذا كرة القدم الرياضة الأكثر ارتباطا بالعنف وبتحريك العصبيات؟

للإجابة على هذا التساؤل يجب معرفة طبيعة “الجماهير” وتركيبتها ودوافعها. 

الإنسان يغلب عليه بالفطرة الطابع الاجتماعي، فكل إنسان بحاجة لغيره من الناس، ليس فقط كما أقَرَّ ابن خلدون في كتابه “العبر وديوان المبتدأ والخبر” بأن: [الاجتماع الإنساني ضروري … للتعاون من أجل تحصيل القوت للغذاء والسلاح للمدافعة، ومن ثم الحفاظ على بقائه وحفظ نوعه] (انتهى الاقتباس بتصرف)، بل كذلك بحاجة لغيره من الناس للأُنْسِ بهم، والدردشة معهم، ومشاركتهم الأفراح والأحزان، ومن ثم إشباع حاجاته المشاعرية والنفسية وليس المادية فحسب. لذلك تجد الإنسان يسعى في الغالب للاحتفال مع مجموعة من الناس بالمناسبات السارة من أعياد أو زواج أو مولود جديد، ونجاح في الدراسة أو العمل أو التجارة الخ، فمشاعر الفرحة يبدو أنها تتضاعف حين يقتسم الشخص الاحتفال بالمناسبات السارة مع غيره، وربما لا يتحقق الفرح إلا بالاحتفال الجماعي، فيبدو أن الفرحة – على الأقل لا تكتمل – إلا إذا عبَّر عنها الإنسان بأسلوب ما لغيره من الناس. ومن جهة أخرى يسعى الانسان للاستئناس بغيره من الناس والحصول على مواساتهم عند الأحداث المحزنة والمصائب كالموت والمرض والفشل الخ، ويبدو هنا أن مشاعر الحزن واليأس أو الاحباط تضمحل ويتم تجاوزها بسرعة حين يشارك مجموعةٌ من الناس الشخصَ المُصابَ أحزانه ويواسوه فيها.

وكرة القدم من المهرجانات التي تجتمع فيها عوامل تدعو لاجتماع الناس عليها. فهي – كما يتم وصفها – “عرس رياضي” فيرغب غالبية محبي كرة القدم مشاهدة مبارياتها في مجموعة من الناس للدافع السابق ذكره في رغبة الانسان عادة الاحتفال بطريقة جماعية، إذ هذا يضاعف مشاعر البهجة ويمنحه الفرصة للتعبير عن فرحته. 

وبحكم تصوير الإعلام والدول مباريات كرة القدم وكأنها صراع بين الأمم والشعوب (أو بين مناطق مختلفة من نفس البلد)، تجد الإنسان – كما هي طبيعته في الصراعات والحروب – يبحث عن الحمية، فينحاز الى مجموعة من الناس تشاركه الانتماء للوطن أو البلد أو المدينة ليحمسوا بعضهم البعض ويكثروا سوادهم في “الحرب” (مباراة كرة القدم)، فيدافعون (يشجعون) بطريقتهم عن الوطن أو البلد أو المنطقة. فالجمهور في هذه الحالة – دون أن يعي ذلك – يتقمص دور جزء من الجيش، فيقوم بِـ “خدمات” كالتي كان يقوم بها الأطفال والنساء والشعراء والفرق الموسيقية الحربية حين كانوا يصاحبون جيوشهم في القِدَم ليحمسوها على القتال ويكَثِّروا سوَادَها. وهذا يفسر سبب تهييج كرة القدم للعصبية القومية والوطنية، بل واستعمال الجماهير شعارات وعبارات وشتائم عنصرية، والإمعان في توطيد العنصرية ضد كل من يختلف لونه أو أصله عن الأصل العرقي لفريقهم الذي يمثل قوميتهم وعرقهم. 

الى جانب ذلك، وكما هو متفق عليه في علم الاجتماع، كلما كبر حجم تكتل الناس وكوَّن ما يسمى “جمهورًا”، كلما اضمحل التفكير عند الأفراد المكونين للمجموعة، وأصبحت المشاعر والحمية والعصبية هي المحرك لهم. فالتفكير والتأمل والتأني خاصية الأفراد وليس الجماهير. أما الجماهير فيغلب عليها عادةً طابعٌ “همجي”، يميل بها للعنف اللفظي والجسدي. 

ولعل من بين التوصيفات الدقيقة لخاصية الجماهير، توصيف غوستاف لوبون في كتابه “نفسية الجماهير”، حيث ذكر أن:

[الخصائص الأساسية للفرد المنخرط في الجمهور:

  • تلاشي الشخصية الواعية، وتهيمن الشخصية اللاَّواعية.
  • توجه الجميع ضمن نفس الخط بواسطة التحريض والعدوى للعواطف والأفكار.
  • الميل لتحويل الأفكار المحرض عليها الى فعل وممارسة مباشرة.

وهكذا لا يعود الفرد هو نفسه وإنما يصبح عبارة عن إنسان آلي ما عادت إرادته هو قادرة على أن تقوده.

هذا يعني أنه بمجرد انضواء الفرد داخل صفوف الجمهور، فإنه ينزل درجات عديدة في سُلَّمِ الحضارة. فهو عندما يكون فردًا معزولاً ربما يكون إنسانًا مثقفا متعقلا، ولكنه ما إن انضم الى الجمهور حتى يصبح مَقُودًا بغريزته وبالتالي همجيا. وهو عندئذ يتصف بعفوية الكائنات البدائية وعُنْفها وضراوتها وحماستها وبطولاتها أيضا. ويقترب منها أكثر بالسهولة التي يترك نفسه فيها عرضة للتأثُّر بالكلمات والصور التي تقوده الى اقتراف أعمال مخالفة لمصالحه الشخصية بشكل واضح وصريح. إن الفرد المنخرط في الجمهور هو عبارة عن حبة رمل وسط الحبات الرملية الأخرى التي تذْرُوها الرياح على هواها. …. فالجمهور هو دائمًا أدنى مرتبة من الإنسان المفرد فيما يخص الناحية العقلية والفكرية. ولكن من وجهة نظر العواطف والأعمال التي تثيرها هذه العواطف فإنه يمكن لهذا الجمهور أن يسير نحو الأفضل أو نحو الأسوأ.] (ا.هـ). 

ويتابع غوستاف لوبون وصفه للخصائص الأساسية للجماهير بأنها:

  • [تتسم بسرعة انفعالها وخفتها ونزقها (الطيش والتهور).
  • يسهل التأثير فيها وتتسم بالسذاجة وسرعة تصديقها لأي شيء.
  • تتميز عواطفها بالتضخيم (المبالغة) من ناحية وبساطتها من ناحية أخرى.
  • متعصبة واستبدادية.] (انتهى الاقتباس بتصرف).

فإذا كان هذا هو حال الجماهير في حالات الثورات لدفع ظلم (كما وصف لوبون في كتابه)، أي في حال اجتماع الناس لهدف نبيل انبثق من فكر وإرادة لتغيير المجتمع والدولة (أفكارٌ وضعها أفراد)، فكيف سيكون حالها وخصائصها حين تجتمع لغرض عاطفي محض وليس على فكر، غرض تافه (نسبيا) يشبع أحط مظاهر غريزة بقاء الإنسان: الحمية والعصبية؟

ومن هنا تُفسر ظاهرة العنف التي غالبا ما تصاحب تجمعات جماهير كرة القدم. فلا يُستغرب تبادل مشجعي فريقين الشتائم والكلمات النابية والتحقيرية والتحريضية ضد بعضهم البعض، بل وأحيانا تبادل حتى اللَّكمات والركلات الخ، فهذا يعكس الطبيعة الهمجية التي تغلب عادةً على الجماهير.

شاهد| قتلى وجرحى جراء أعمال عنف أثناء مباراة كرة قدم في إندونيسيا: https://www.youtube.com/watch?v=iyfCoATNZbc

لماذا كرة القدم أفيون الشعوب؟  

إن أهم ما “تبيعه” المسابقات الرياضية بصفة عامة وكرة القدم بصفة خاصة هما الحلم والأمل من ناحية، والوهم من ناحية أخرى. 

الوهم لأن الجمهور يتوهم أن الانتصار انتصاره هو وانتصار له، الجمهور يربط نفسه بالفريق الذي يشجعه ويصبح هو والفريق الرياضي جسدا واحدا وروحا واحدة. والسبب في ذلك يعود أولا، وكما وصف نَعُومْ تْشُومسْكي [لأن هؤلاء الرياضيون يمارسون رياضةً ويتقنوها بشكل يحلم المتفرج لو كانت له نفس قدراتهم، فهو – أي المتفرج – يرى في قدراتهم الجسمية ما لا يستطيع هو القيام به، ولذلك فهو يرى أن الرياضي يقوم بشيء بالنيابة عنه، يصارع من أجل “قضيته”، ولذلك وجب عليه تشجيعه] (انتهى اقتباس المعنى بتصرف من كتاب: “فهم السلطة: تشومسكي الذي لا غنى عنه”).

ثانيا، حين يربط الجمهور مباراة كرة القدم بالقومية والوطنية، فهو يتوهم أن فريقه الوطني “يقاتل” في الملعب من أجل الوطن والشعب، ومن ثم وجب تشجيعه والهتاف له.

ولذلك إذا انتصر الفريق، فرح جمهوره وكأنه هو نفسه المنتصر، وإذا انهزم حزن وساء مزاجه وكأنه هو نفسه المنهزم. 

كما “تبيع” المسابقات الرياضية بصفة عامة وكرة القدم بصفة خاصة الحلم والأمل اللذان ما يلبثا يهَوِّنان على الجمهور كل هزيمة لفريقهم الرياضي: حلم الجمهور وأمله الدائم بأن الفريق الرياضي الذي يشجعه سيعيد الكَرَّة ويفوز، فإن لم يكن في هذه المسابقة أو هذا الدوري أو هذا الموسم أو هذا العام أو هذه البطولة، … فقطعا سيُحَقَّق الفوز المنتظر في المرة القادمة أو التي بعدها. 

لكن الأحاسيس الخدَّاعة التي تفرزها كرة القدم لدى الجمهور تتعدى محور مباريات كرة القدم لترخي ظلالها على مشاعر ومواقف الناس من قضاياهم الحقيقية في الحياة. مع كل انتصار للفريق الرياضي يتبدد اهتمام الجمهور بمشاكله الحقيقية في الحياة، تتبدد حقيقة أنه يعيش حياة بئيسة لا تمنحه مقومات الانسانية والعيش الكريم أو لا تمنحه هدفا حقيقيا لسر وجوده. وما إن تفقد نشوة الانتصار مفعولها ويدرك الجمهور أن حاله البائس لازال كما هو لم تغيره انتصارات الفريق الرياضي، حتى يعيده الأمل بلقاء رياضي جديد ونصر رياضي مرتقب لحالة السلبية والجمود واللاَّمبالاة بالظلم والذل والفقر والطغيان، وتنسيه الفراغ الروحي الذي يهيمن عليه وعلى أمته. 

فَكُرَة القدم تبيع للجمهور الأوهام والأحلام التي تشغله عن القضايا الحقيقية وتقذف بمشاكله الشخصية الحقيقية بعيدا.

ففي الوقت الذي يحقق فيه الرياضيون المتسابقون مكاسب حقيقية مادية ملموسة عند كل مباراة، يراود الجمهور مكانه، لا تحقق له المسابقات الرياضية التي ينفق فيها كثيرا من الوقت والمال والمشاعر أي نفع، اللهم إلا انتصارات معنوية وهمية من حين لآخر، ما يلبث مفعولها أن ينتهي لتجد الجمهور كالمدمن على المخدرات تنتابه أعراض الامتناع، فيصبح تعيسا كل همه الحصول على جرعة أخرى في أقرب وقت ممكن وبأي ثمن. 

في كتابه “نقد كتاب فلسفة القانون لهيجل” قال كارل ماركس: [أن التعاسة الدينية تعبير عن التعاسة الواقعية من ناحية، واحتجاجٌ على التعاسة الواقعية من جهة أخرى. الدين عبارة عن تَنَهُّد الإنسان المسحوق، مِزَاجُ عالَمٍ بلا قلب، كما أنه (أي الدين) روح أحوال معيشية لا روح لها. إنه أفيون الشعوب. إن إلغاء الدين، الذي يُعتبر السعادة الوهمية للشعب، هو المطلب لتحقيق سعادته الحقيقية] (انتهى الاقتباس).

الأفيون هو عُصارة ثمرة الخَشْخاش (تُسمى أيضا أبو النوم أو جُلجُلان الحبشة)، ويُستعمل لتسكين الآلام دون علاج الداء المسبب لها، واستعماله يؤدي للإدمان عليه. 

ماركس اعتبر الدين أفيونا يخدر الناس ويلهيهم عن شقاء الحياة، وهذا قول قطعا لا ينطبق على الإسلام، لكنه ينطبق فعلا على الدين النصراني المُحرَّف الذي شكل أفيونًا لشعوب أوروبا خلال العصور الوسطى، وَظَّفه رجال الكنيسة والملوك لِيُصَبِّروا به شعوبهم على الظلم والأوضاع المزرية التي كانوا يعيشونها، مقابل الأمل في حياة أحسن في الآخرة. فكان دين الكنيسة المحرف كالأفيون يُنسي الشعوب حالهم التعيسة في الدنيا ويثبطهم عن أي محاولة للثورة ضد رجال الكنيسة والملوك المتسلطين على الشعوب والمحتكرين لخيراتها والناهبين لأموالها. بل وكان هذا الأفيون يُستعمل لنهب حتى آخر ما يمتلكه الناس البسطاء مقابل الحصول على صك الغفران من الكنيسة، يُمكِّنهم من دخول الجنة.

وإذا استبدلنا “كرة القدم” بـ “الدين” في الكلام الذي كتبه كارل ماركس قبل أكثر من مائة وخمسين سنة، فسنحصل على وصف ينطبق الى حد كبير على واقع كرة القدم اليوم والغرض الذي تخدمه.

فَكُرة القدم أصبحت ديناً ينهال منه الجمهور أوهام جنَّةٍ ليست بجنة، ونشوة ظاهرها خير وباطنها نار، أفيونا يتحكم في مزاجه وينسيه قضاياه الحقيقية التي خُلق من أجلها في الحياة.

كُرَةُ القدم باتت دينا يُبنى على أساسه الولاء والبراء، وتهيج له المشاعر، يُعادى على أساسه (أي دين الكرة) أفرادٌ وأقوامٌ ويُسخط عليهم أو يُقرَّبون ويُحَبُّون، وأحيانا يُقتل بسببه أفراد وتُخَرَّب ممتلكات خاصة وعامة، وتُشَد الرحال لمشاهدة مبارياته، وتُعَطَّل أعمال. التركيز والحضور الذهني والروحي الذي يتابع به المتفرج مباراة كرة القدم ولأكثر من ساعة ونصف، ربما يفوق خشوعه في الصلاة لبضع دقائق (هذا إن كان من المحافظين على الصلاة أصلا).

شرائح واسعة من المجتمع، من العامِّي الى المثقف ومن الغني الى الفقير والمظلوم، تجدهم مشدودين أمام شاشات الفضائيات لمشاهدة كرة القدم، ينسون خلالها همومهم الحقيقية وينشغلون عن القضايا الحقيقية بِـ “قضية” مُصطنعة وهمية.

رياضةٌ الأصل فيها أنها للهو والتسلية فقط وتقوية البدن، أصبحت قضية مصيرية لشعوب ودول، قضية عزة وإثبات وجود بين الأمم، أصبحت أولويةٌ تُؤخر من أجلها أعمال أهم كالصلاة وغيرها، وتُبذر فيها أموال طائلة كفيلة بسد حاجات كل الفقراء في البلد وتحسين خدمات الصحة والتعليم لكل الناس. الكرة أزاحت القضايا الحقيقية المصيرية، أو ملأت الفراغ منها الذي تعاني منه خصوصا الدول المتخلفة.

سأفرد الجزء الثاني من هذا البحث لاستقصاء المستفيد الأكبر من هذا الأفيون

المصادر العربية والأعجمية:

  • ابن خلدون: “العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر”
  • غوستاف لوبون: “نفسية الجماهير” (الكتاب تُرجم تحت عنوان “سيكولوجية الجماهير”، “سيكولوجية” كلمة أعجمية، الترجمة الصحيحة هي “نفسية”)
  • سايمون مارتين: “كرة القدم والفاشية: الألعاب الوطنية” (Football and Fascism. The National Game Under Mussolini” Simon Martin”)
  • أسامة عمارة: “الملكي والجنرال.. كيف استخدم فرانكو ريال مدريد لتعزيز الدكتاتورية في بلاده؟”
  • نعوم تشومسكي: “فهم السلطة: تشومسكي الذي لا غنى عنه” (Understanding Power: The Indispensable Chomsky” by Noam Chomsky, Peter Rounds Mitchell, and John Schoeffel”)
  • كارل ماركس: “نقد كتاب فلسفة القانون لهيجل”


 

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

د. هشام البواب

الدكتور هشام البواب، ناقد ومحلل سياسي واجتماعي مستقل . مقالاته تشمل موضوعات سياسية واجتماعية وفقهية وعلوم تجريبية :::::: بعض كتابات الدكتور هشام البواب في الرابط التالي: https://atanwir.com/منشورات-الدكتور-هشام-البواب ::::::: hicbou1@mailfence.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى