هوية وثقافة

الرد على شبهات تبرير التحدث بالعامية وخلط العربية بكلمات أعجمية

من بين الشبهات التي يبرر بها أهل العلم (ناهيك عن العوام) تحدثهم لجمهور عربي بالعامية بدلا من العربية الفصحى، أو خلطهم لكلمات أعجمية كالفرنسية والانجليزية مع العربية (وتسمى الرطانة)، أنهم مضطرون لذلك لـ”تبسيط” بعض المفاهيم او المصطلحات، وليفهمهم الناس، أو لأن المصطلحات في العلوم التجريبية وضعها الغرب وليس للمسلمين ترجمة لها، الخ.

الله ورسوله خاطب البشرية باللغة العربية حصرًا

لا أتفق البتة مع التسويغ المذكور أعلاه، فإن كان هذا مسوغا جائزا، لكان الأولى أن يقوم الله ورسوله بـ”تبسيط” الأحكام والأفكار والأخبار والقصص بعامية كل قوم، بل وبلغة كل قوم، ولا يُنزل القرآن باللغة العربية فقط. كيف لا والإسلام رسالة للعالمين، وواجب على كل البشرية اتباعه، ويترتب على ذلك الخلود في الجنة أو النار.

لكن لن تجد في القرآن ولا في الحديث النبوي أي كلمات عامية أو أعجمية، مع أن القرآن نُزِّل للعالمين ويخاطب الناس أجمعين، والرسول كان يقرأ القرآن العربي ويشرح آياته بالعربية الفصحى، وقد كان أفصح العرب، ويخاطب كل البشرية بالعربية بغض النظر عن اختلاف ألسنتهم وأعراقهم وأماكن ولادتهم وعيشهم، الخ.

والرسول كان “يبسط” للناس ما صعب عليهم فهمه باستعمال اللغة العربية الفصحى نفسها وليس العامية ولا كلمات أعجمية، فعلى سبيل المثال لا الحصر، لما تحدث الرسول عن «الرويبضة»، سأل بعضُ الحاضرين عن معناها، فأجابهم الرسول: «الرَّجلُ التَّافِهُ يتَكَلَّمُ في أمرِ العامَّة». ولما قال الرسول: «وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ الْوَهْنَ»، سأل سائل: َمَا الْوَهْنُ؟ فقَالَ الرسول: «حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ». ولما سُؤل الرسول عن الكلالة، رد السائل لآيةٍ عربية في آخرِ النساءِ {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ …}، فالكلالة هو كل من مات وليس له ولدًا ولا والدًا.

ثم لماذا يُظَنّ أن المتلقي يفهم العامية، لكن لن يفهم الفصحى؟ والعجيب أنك تجد الرجل يخاطب الناس لسنوات بالعربية الفصحى، ثم من حين لآخر يقول أنه اليوم سيخاطبهم بالعامية، لكي “تصل الكلمة للناس الذين يجب أن تصل إليهم”، أو “ليفهمها كل الناس”! … وهل خطاباتك السابقة بالفصحى كانت هباء، لم يفهمها إلا قلة من الناس؟ ثم أي عامية ستختار ليفهمك كل العرب في مختلف بقاع العالم؟ عامية الأردن، أو عامية سوريا، أو العامية المصرية، أو عامية الجزائر، أو عامية المغرب، أو عامية تونس، أو عامية ليبيا، أو عامية العراق، أو السودان، أو الكويت، أو الحجاز، أو موريتانيا، الخ..؟ .. أنت بتحدثك بالعامية، تساهم أيضا في ترسيخ النعرات الوطنية الوثنية لدى المسلمين، بحيث يتشبث كل قوم بعاميتهم، بدلا من أن يلتزم الكل بالعربية الفصحى الجامعة للمسلمين في أمة واحدة، لغة القرآن، لغة رسول الله!

الحقيقة أنك أنت أيها الخطيب الذي يعشق العامية وهو الذي يريد التحدث بها، ثم تأتي بتعليل سخيف، حديثك بالعامية ما هو إلا تهريج.

ولماذا يُظَنّ أنه من البديهيات أن يفهم المسلمون معاني مصطلحات مستجدة بالفرنسية أو الانجليزية، لكن سيصعب عليهم فهمها إذا تُرجمت الى العربية؟ متى تعلم المسلمون تلك المصطلحات الأعجمية؟ وهل جُبلوا على فهم الفرنسية والانجليزية واللاتينية والعامية وكل لغات الأعاجم، ولم يُجبلوا على فهم العربية؟ وكيف يمكنهم تعلم المصطلحات والأسماء العربية لما استجد من الأمور، إذا لم يجتهد أهل الاختصاص في كل مجال (طب، صيدلة، علوم أحياء، الحاسوب والبرمجيات، علم الفلك، سياسة، أدب، الخ) لترجمتها الى العربية وخاطبوا المسلمين بها؟ كيف للغة العربية أن تنمو وتصمد، إذا لم يجتهد كل مسلم، وخصوصا أهل الاختصاص في كل مجال علمي لترجمة ما استجد من مسميات ونشرها بين المسلمين؟

الترجمة أحد أقدم وأهم أدوات نقل العلوم

هناك شيء اسمه الترجمة، أحد أقدم وأهم أدوات نقل العلوم والتواصل بين بني البشر، تعرفها كل الدول وكل الأمم وكل الشعوب منذ نشأت الأمم على الأرض. فمن أراد أن يخاطب جمهورًا عربيًا، عليه ترجمة المصطلحات الأعجمية إلى العربية قبل مخاطبتهم، وإن لم تكن له همة أو قدرة على ذلك، فليصمت ولا يخاطب العامة، فمخاطبة الجماهير له شروطه وآدابه وأدبه. تعلم العربية والتزمها إن أردت مخاطبة الجماهير!

وكون عربي درس العلوم التي يريد التحدث فيها لجمهور عربي، بلغة أعجمية كالفرنسية أو الإنجليزية أو الروسية أو الألمانية أو الصينية، فهذا ليس عذرا لنقل الألفاظ الأعجمية للمستمع العربي والاكتفاء بتعريبها (أي كتابتها بأحرف عربية)، بل عليه الاجتهاد لترجمتها إلى العربية: يُنْقل معناها إلى اللغة العربية، دون نقل اللفظ الأعجمي. وهذا ليس بالأمر الجديد على أناس ينتمون لأمة عريقة كأمة الإسلام، التي ترجمت أيام ازدهارها مختلف العلوم التجريبية من مختلف لغات الحضارات القديمة الى اللغة العربية. وكذلك ترجم الغرب مؤلفات المسلمين الى لغاته الأوروبية، بدلا من إلزام شعوبهم تعلم اللغة العربية ودراسة العلوم باللغة العربية.

ولا يصح البتة القول بأن هناك أشياء ومصطلحات مستحدثة أو مستجدة، ليس لها مرادفات بالعربية، فكل ما له معنى مفهوم، بالتأكيد يمكن وصفه بألفاظ عربية، وإنما العجز والكسل فينا، إضافة الى عشقنا التباهي بلغات الأقوياء.

فاستحداث أشياء ومعاني من سُنّة الحياة، ولازالت أشياء ومعاني تُسْتحدث منذ خلق الله آدم وحواء، وسيبقى الحال كذلك حتى قيام الساعة، ومع ذلك كان العرب عموما وبعدهم المسلمون منذ عهد النبوة، يجتهدون في كل زمان ومكان لترجمة كل جديد الى العربية، وأهم أدوات الترجمة هو “الاشتقاق”، ولولا الاشتقاق لاندثرت اللغة العربية وانقرضت منذ قرون.

«الاشتقاق: تعريفه وأنواعه»

ومما نعلم من لغة العرب أن الأسماء إن كانت عَلَمًا، أي الاسم الذي يدل على مسماه بذاته دون قرينة خارجة عن لفظه، فإنها وحدها التي يجوز تعريبها، فتُكتب بأحرف عربية، كأسماء الشهور السريانية والرومانية كشهر “كانون الأول” (يناير)، وأسماء الأفراد من الناس كاسم “مايكل” و”ترامب”، وككثير (وليس كل) الأسماء التجارية. لكن كل الأسماء التي تستند لمعنى وواقع معين، فيجب ترجمتها بترجمة المعنى والواقع، وهذا ينطبق مثلا على الغالبية الساحقة من المسميات في العلوم التجريبية والتجارة وغيرها، كترجمة “فيديو” الأعجمية الى أسماء عربية مثل “مرئي” أو “تصوير حي” أو “تسجيل مصور” أو “شريط مرئي” الخ، وكترجمة “باي بال” الى “سدد لصديق” أو “ادفع لصديق”، لأن اسم “باي بال” واضح استناده لألفاظ ومعاني خارج المسمى: “باي” = ادفع، “بال” = صديق أو خليل، الخ.

اللغة العربية مثلها مثل الفقه ..

فاللغة العربية مثلها مثل الفقه، لا تنمو وتستوعب ماضيها وحاضرها ومستقبلها إلا بالاجتهاد. فإن صح الادعاء بأنه لا توجد مرادفات لأشياء ومعاني استحدثها الأعاجم، ومن ثم جاز استعمال كلمات انجليزية أو فرنسية لتلك المسميات، فيصح أيضا الادعاء أنه لا توجد أحكام شرعية للأمور والمشكلات المستحدثة، ومن ثم جاز تبني قوانين غربية لعلاجها.

فكما أنه لا توجد مشكلة مستحدثة ليس لها حكم في الكتاب والسنة وتحتاج فقط لمن يجتهد لاستنباطها، قطعا ليس هناك أيضا أي معنى أو شيء مستحدث لا يوجد له مرادف في اللغة العربية، ويحتاج فقط لمن يجتهد لاستنباطه واشتقاقه.

فالمسألة متعلقة بمدى همة المسلمين وجديتهم ونشاطهم واهتمامهم بلغتهم وهويتهم، وتحررهم من التبعية الثقافية للمستعمر. فكما أن كثيرا من الناس يجهلون أحكامًا شرعية لأنهم لا يُعَنُّون أنفسهم للبحث عنها وتعلمها والعمل بها، فكذلك هناك كثير من المسلمين وعلى رأسهم الدعاة والباحثون والخطباء، لا يعنون أنفسهم للبحث عن المرادفات العربية لمسميات مستحدثة، ويجدون الأسهل استعمال الكلمات الأعجمية لتلك المسميات، الأسهل تقليد الغرب، هذا إلى جانب من يفعل ذلك لحب التباهي بلغة الأقوياء بسبب عقدة نقص فيه.

ما نحتاجه، هو الهمة واتخاذ مسألة اللغة العربية على محمل الجد، وعدم التساهل فيها!

ثم أنت أيها الخطيب لست معنيًا بـ”الإتيان باللقمة، ثم إدخالها في فم المستمع”، تحدث بالعربية، واشرح باللغة العربية نفسها المعنى الذي تظن أنه سيكون فيه إشكال، وعلى المستمع الاجتهاد للبحث عن معنى الكلمات العربية التي لم يفهمها، تمامًا كما يفعل حين يسمع كلمات فرنسية أو انجليزية، أو حين يستمع لمشاهير الغرب، أو حين يبحث عن شرح آية أو حديث، …

«دعوة للمواقع الناطقة بالعربية أن تتبنى المعايير التالية للنشر»

احترم المستمع العربي كما تحترم الأعجمي

ثم إن التحدث مع المستمع باللغة العربية حصريا، يرفع من مستواه، ويُحَسِّن ذوقه، ويدفعه للتعلم والبحث. أضف إلى ذلك أن الحديث بخليط من اللغات أمر قبيح، كالذي يلبس ملابس مرقعة بعدة ألوان، يجعل المتحدث يبدو كالمهرج، يفتقد الهيبة والجدية، يبدو كالببغاء الذي يلتقط كلمات من هنا وهناك، فيرمي بها.

وأنا شخصيًا أشعر بقلة احترام وقلة أدب من يخاطبني – خصوصا من أهل العلم – بخليط من اللغات، لأنه – أولاً –: ما أدراه أني أفهم معنى الكلمات الأعجمية التي أدرجها، فإن كان مُنْتَظَرا مني – عن حق – أن أفهم العربية، فإنه لا يجوز أبدا اشتراط أن أفهم الكلمات الأعجمية. ثم ثانيا، لأن نفس الشخص حين يتحدث لأعاجم بلغتهم الأم (وأجنبية بالنسبة له)، فإنه يتحدث إليهم بلغتهم الأم حصرًا دون خلط – ولو سهوا – أي كلمة عربية، مما يدل على أنه اجتهد لمخاطبة المستمع الأعجمي باحترام، فجد وكدّ لترجمة كل ما يريد قوله الى اللغة الأم للأعجمي. أما حين يتحدث إليَّ أنا المسلم الناطق بالعربية، فلا يبالي، أنا قيمتي اقل من قيمة الأعجمي، يتحدث بعشوائية، كلمات أعجمية تتنطع هنا وهناك، ولا يهمه إن تَأَذَّى سمعي وذوقي، ناهيك عن فهمي. إنه الاحتقار والاستخفاف الذي نتعامل به تجاه اللغة العربية وتجاه أنفسنا وفيما بيننا!

«الرطانة بالإنجليزية والفرنسية: الدعاة للإسلام أشد المراطنين المرسخين للشعور بالدونية والتبعية الثقافية للغرب»



 

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

د. هشام البواب

الدكتور هشام البواب، ناقد ومحلل سياسي واجتماعي مستقل . مقالاته تشمل موضوعات سياسية واجتماعية وفقهية وعلوم تجريبية :::::: بعض كتابات الدكتور هشام البواب في الرابط التالي: https://atanwir.com/منشورات-الدكتور-هشام-البواب ::::::: hicbou1@mailfence.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى