سياسة

تحلیل سیاسي لانتفاضات الشعوب المسلمة فيما بات یسمى بالربیع العربي، الجزء الأول: مفهوم الثورة ومقوماتها الأساسية

نعيد نشر هذا المقال الذي انتهى الكاتب من تحریره أواخر 1432هـ (أواخر 2011م)، ونشره لأول مرة سنة 1433هـ (2012م) تحت اسم مستعار.

اخترنا إعادة نشره ليساهم في توضيح الرؤى حين تنطلق موجات انتفاضات جديدة في أحد أو بعض البلدان الاسلامية، فلا يسقط المسلمون من جديد في نفس الأخطاء التي أجهضت انتفاضاتهم السابقة

:::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::

تحلیل سیاسي لانتفاضات الشعوب المسلمة فيما بات یسمى بالربیع العربي، الجزء الأول: مفهوم الثورة ومقوماتها الأساسية

د. هشام البواب

إن أبعد ما كان یتصوره أحدٌ ھو أن تثور الشعوب المسلمة في البلدان العربیة ضد حكامھا. فلطالما سكتت ھذه الشعوب عن الظلم والفساد ورضیت بالھوان والذل وبالعیش الظنك، حتى حُكم علیھا بالجبانة ثارة، وبالمیتة ثارة أخرى.

ولاشك أن من كان ھذا ظنه بھذه الشعوب، تكون دھشته كبیرة، ویكون إعجابه بھا أكبر، وتتملكه نشوة السعادة والافتخار حین یراھا الآن وقد قلعت الخوف الذي سكن قلوبھا لعقود من الزمن واستیقظت من سباتھا العمیق لتعلن أنھا حیة وتعتزم استرداد سلطانھا المسروق منھا وكرامتھا المنتھكة.

إلا أن لحظات النشوة ھاته لا یجوز لھا أن تترك المشاعر والعواطف تتغلب على تفاعلنا مع الأحداث الجاریة، فتتغلب علینا النظرة السطحیة الآنیة التي طالما كانت سبب فشلنا في التعامل مع كل الأحداث التي تجري في العالم منذ أكثر من قرن من الزمن، فكانت عواقب غالب تلك الأحداث علینا بدلا أن نجعلھا تكون لنا.

من ھذا المنطلق أقَدّم ھنا بحثا يتطرق للأحداث الجاریة بعمق، وأطرح آراء وتساؤلات عما یجب أن تكون علیه الثورة وما یجب أن تحقق. ویتضمن البحث نقطتین عریضتین:

  1. مفھوم الثورة ومقوماتھا الأساسیة
  2. حل “عقدة الغرب“ عند الشعوب المسلمة شرط أساسي لإحداث تغییر جذري وحقیقي

الجزء الأول: مفھوم الثورة ومقوماتھا الأساسیة

الثورة ھي القلع الجذري لنظام دولة واستبدال نظام جدید به، منفصل ومنقطع تماما عن القدیم ومخالف له. ویشمل التغییر المبدأ الذي تقوم علیه الدولة وتُبْنى على أساسه الأمة وتنھض، وما ینبثق عن ھذا المبدأ من نظام سیاسي واجتماعي واقتصادي للبلاد.

ومفھوم الثورة ھذا ھو بالفعل ما حصل عقب أھم الثورات التي عرفھا التاریخ الحدیث، مثل الثورة الفرنسیة، والثورة البلشیفیة في روسیا، والثورة الایرانیة. فھاته الثورات أسقطت أنظمة ملكیة وأنشأت أنظمة حكم جدیدة.

الثورة الفرنسیة

فالثورة الفرنسیة التي انطلقت سنة 1203هـ (1789م) وامتدت لسنوات وكانت النواة لتغییر سیاسي وفكري جذري في أوربا، قامت على مفاھیم جدیدة عن الدولة والحكم، وعلاقة الشعب بالحاكم، وعن مصدر القوانین وكیفیة وضعھا. ففصلت الدین النصراني عن الدولة وألغت الامتیازات التي كان یتمتع بھا القساوسة وطبقة النبلاء والأعيان، وأصدرت بیانا لحقوق الانسان والحقوق المدنیة، تحت اسم “حقوق المواطن”، وعممت اللغة الفرنسیة كلغة رسمیة في البلاد.

والأساس الفكري الذي قامت علیه الثورة الفرنسیة كان قد وضعه من یسمون بمفكري التنویر، أمثال جون جاك روسو، ومنتیسكیو، وفولتیر، وجون لوك. فھؤلاء الفلاسفة والمفكرون درسوا واقع بلدانھم وشعوبھم واحوالھم دراسة عمیقة، وتبینوا أسباب التدھور والانحطاط والفساد، فوضعوا حلولا نظریة لتغییر ذلك الوضع.

فعلى سبیل المثال، كتاب “العقد الاجتماعي“ لروسو تطرق لمفھوم المساواة والعدالة الاجتماعیة. أما كتاب “روح القوانین“ لمنتیسكیو فقد تطرق لفكرة فصل السلطات التنفیذیة والتشریعیة والقضائیة، وبَیَّن بأن الفصل بین ھاته السلطات ضامن أساسي لمنع الاستبداد والحكم المطلق لفئة صغیرة. وفي بحثه “مقالین على الحكومة“ رسخ جون لوك المعروف بأبي الحركة التحررية، فكرة الحقوق الطبیعیة للانسان والتي تتلخص في حق الحیاة والتملك والحریة، وأن أساس وجود الدولة ھو عقد بینھا وبین المجتمع لحمایة ھذه الحقوق. إضافة إلى ذلك تُعَد ُّ “الموسوعة الكبرى“ التي نُشرت في أواسط القرن الثاني عشر هجري (الثامن عشر ميلادي) من الانتاجات المھمة التي ساھمت في تنویر وتسییس التفكیر عند شریحة واسعة من المتعلمین والمثقفین. وقد ساھم في تألیف ھذه الموسوعة عدد من المفكرین والفلاسفة والباحثین في شتى العلوم، من بینھم دالمبرت، ودیدیروت، وفولتیر. وقد كان ھدف ھذه الموسوعة جمع معلومات من مجالات علمیة وأدبیة وسیاسیة و ِاجتماعیة، وتقدیمھا للناس لعلھا تقضي على الجھل والخرافات وتثیر في الناس حب المعرفة والتفكیر وتقلع الخوف عندھم من السلطة الاستبدادیة. وقد قاد الثورة الفرنسیة نوادي سیاسیة من أھمھا “نادي الیاكوبینز” الذي عمل على نشر أفكاره الثوریة والثأثیر في الرأي العام عبر المنشورات والمقالات الصحفیة والخطب.

الثورة الروسیة:

كذالك كان شأن الثورة البلشیفیة في روسیا التي أسقطت عھد القیاصرة. فقد قامت ھذه الثورة أیظا على فكر جدید شامل عن مفھوم الدولة والمجتمع والاقتصاد والحكم. وقد كان ھذا الفكر نتاجَ بحث عمیق في أسباب التخلف والظلم، وخصوصا منه الظلم الذي كانت تعیشه طبقة العمال. فكانت مؤلفات ماركس وأنجلس، مثل “بیان الحزب الشیوعي“ و“رأس المال“، الأساس الفكري الذي قامت عليه الدولة الشیوعیة، حیث تبنت الدولة الجدیدة تأمیم الاقتصاد والصناعة، ومنعت الملكیة الفردیة. وأھم قادة الثورة البلشیفیة ھو لینین.

الثورة الإیرانیة:

نفس الصورة تراھا في الثورة الایرانیة التي قادھا الخمیني وقامت على أفكار دینیة من المذھب الشیعي، وأُسست على أساسھا جمھوریة ایران الاسلامیة.

الشروط التي یجب أن تستوفیھا أیة حركة شعبیة لترقى لمستوى ثورة:

إذن من ھذه التجارب التاریخیة یمكن تلخیص الشروط التي یجب أن تستوفیھا أیة حركة شعبیة لترقى لمستوى ثورة وتُحدث تغییرا جذریا وحقیقیا كالتالي:

أولا: وجود قیادة للحركة الشعبیة تحدد اتجاھھا وتدیر تفاعلھا مع الاحداث وتدعمھا معنویا وتعبئھا فكریا، وتكون ھذه القیادة قادرة على الأخذ بزمام الأمور والتمكن من السلطة فعلا، ولیس التمكن من سلطة وھمیة باعتلاء مناصب في الوزارات والمجالس النیابیة، لتقود ھي البلاد بعد إسقاط النظام السائد لا غیرھا.

ولذلك على قیادة الثورة أن تعمل، لیس لكسب قاعدة شعبیة فحسب، بل كذلك قوة مسلحة تنصرھا وتزیل بواسطتھا كل الحواجز المادیة. فإنه من السذاجة الظن بأن ذَوي السلطة في البلاد سیتنازلون عن سلطتھم ویمنحوھا لغیرھم. وكذلك من السذاجة الظن بأن التغییر الجذري لأي نظام في الدنیا یتأتى عن طریق الانتخابات.

فقیادة الثورة یجب أن تعتمد على قاعدتھا الشعبیة وقوتھا المسلحة، يدًا بيد، لتحدد ھي المبدأ الذي تنشأ على أساسه الدولة وتفرضه بالقوة. وبعد استقرار الأمور وسلطة البلاد بید قیادة الحركة الشعبیة الثوریة، حینھا یسمح للأحزاب السیاسیة والافراد دخول انتخابات یتم عن طریقھا اختيار من ینوبون عن الناس في الرأي والحكم، على أساس المبدأ الجدید الذي حددته الثورة وقیادتھا، ولیس على اساس قواعد النظام القدیم الذي تمت إزالته.

ثانیا: وجود مبدأ واضح متكامل الذي یُرَاد تكوین الدولة الجدیدة وإنشاء الأحزاب السیاسیة على أساسه. ووَجَب وجود فكر شامل منبثق من ھذا المبدأ یبین كیفیة تنظیم الحیاة الاجتماعیة والاقتصادیة والسیاسیة الداخلیة منھا والخارجیة. وھذه الافكار یجب أن تكون قناعات عند من تولوا قیادة الحركة الشعبیة وتعمل على إیصالھا وتوضیحھا للرأي العام، حتى تتبناھا الحركة الشعبیة.

ثالثا: اتخاذ الموقف الصحیح والصارم ضد النظام الذي یُرَاد إزالته وكل أعوانه. فلا تفاوُض ولا مساومات ولاتنازلات عن المبدأ والاھداف المتبناه. ولیُدْرك كل من یسعى لتغییر حقیقي وجذري، أنه لا یتأتى له ذلك إلا إذا اعتلى مركز السلطة، فیكون ھم الذي یملي الأوامر فَتُنَفذ، ولیس بالمُتَسلط علیه، فیكتفي بالمناشدة والطلب والرجاء.

إذن من یسعى لتغییر جذري، علیه أن یدرك أین ھو المركز الحقیقي للسلطة في البلاد، فیسعى لضمھا الیه وجعلھا تحت طوعه، لیستطیع بھا قلع النظام وأعوانه قلعا جذریا، وفرض مبدئه الجدید وإنشاء الدولة على أساسه. وموقف مثل ھذا یتطلب ولاشك تضحیات بالنفوس. فالنظام المستھدف سیقود ولاشك حربا عنیفة یقتل فیھا ویرتكب جرائم بشعة، لأن الامر یخص بقائه. على ھذا، یجب على الحركة الشعبیة وقیادتھا أن یكونوا مستعدین نفسیا ومعنویا للصمود امام ھذا البلاء، والثبات على الطریق الصحیح، … وعلیھم ان لا یجعلوا المحن تدفعھم إلى ید أعداء آخرین وانتھازیین یریدون التسلط علیھم وعلى بلادھم ویطلبون منھم النصرة والمعونة، فلا یدركوا ثمن نصرة الأعداء لھم والعاقبة الوخیمة لذالك إلا بعد فوات الأوان.

ما یسمى بِـ”الربیع العربي” لا یستوفي شروط الثورة، وبالتالي فھو انتفاضات شعبیة ولیس ثورات:

انطلاقا من ھذه المقدمة عن مفھوم الثورة ومقوماتھا، وإذا ما تأملنا كل الحركات الشعبیة القائمة أو التي قامت في عدید من البلدان العربیة كمصر وتونس والیمن، فسنجد أن ھذه الحركات لا تستوفي غالبیة الشروط المذكورة أعلاه، وبالتالي فالأصح أن یطلق علیھا “انتفاضات شعبیة” ولیست ثورات. وسأعلل فیما یلي حكمي ھذا:

أولا، تفتقد الحركات الشعبیة إلى قیادة، وھذا ھو الذي جعلھا مھب الریح وعرضة لأن یركبھا الانتھازیون الذین لا یھمھم التغییر الحقیقي الجذري أكثر مما تھمھم مكاسب شخصیة تتمثل في مناصب وامتیازات. وغیاب قیادة للانتفاضات الشعبیة تلك ھو سبب فشلھا في انتزاع السلطة حتى الآن، مما كان سیمكنھا من التطبیق الفوري للأھداف والمطالب التي قامت من أجلھا. بدلا من ذلك یجد الشعب المنتفض نفسه أمام القوى السابقة عینھا وھي تراوغ وتماطل وترتب أوراقھا من جدید بوجوه جدیدة، لكن نفس العقلیات المحدودة الفاقدة للإرادة، لتضمن بقاء النظام السائد، اللھم إلا بعض الاصلاحات والترقیعات السطحیة.

ثانیا، تفتقد الحركات الشعبیة وكذالك غالب الجماعات والأحزاب التي شاركت في الحراك الشعبي، إلى نقطة أساسیة في كل ثورة وھو المبدأ الجدید الذي تعتزم بناء الدولة على أساسه والأفكار الشاملة العملیة المنبثقة من ھذا المبدأ التي بھا تنظم حیاتھا الاجتماعیة والاقتصادیة والسیاسیة.

مفھوم الدولة:

فمفھوم الدولة أصلا ھو أنھا كیان یقوم على مبدأ یحدد سر وجود شعبھا في العالم، ویحدد كیفیة التشریع ومصدره، وكیفیة تنظیم العلاقة بین الرعیة ومن ینوب عنھا في الحكم، وكیفیة رعایة شؤونھا الداخلیة من مأكل ومشرب ومسكن وتطبیب وتعلیم، والخارجیة بحیث یحدد نوعیة التعامل مع دول العالم وحمایة البلاد من أي تسلط خارجي وحمایة رعایاھا في الداخل والخارج …… إذن الدولة لاتكون دولة إلا إذا كانت مبدئیة، لأن وجود المبدأ ھو الذي یعطي للدولة خاصیتھا ویجعل لھا ھویة وشخصیة وسیادة ذاتیة حقیقیة. ومتى غاب المبدأ حصل بداھة فراغ سیاسي، وصح بالتالي الحدیث عن تكثل بشري أوما یسمى بـ”جمھوریات الموز” بدلا من الحدیث عن دولة، رغم وجود آلیات الدولة من حكومة ورئیس، ووزراء، وإدارات، ومجالس نیابیة. والفراغ السیاسي في أي بلد تستغله دائما الدول المبدئیة للسیطرة علیه والتدخل في شؤونه الداخلیة. فتتولى الدولة المبدئیة بطریقة مباشرة أو غیر مباشرة (عن طریق عملاء مثلا) تسییر شؤون البلاد، وإیجاد رأي عام لأفكارھا وسیاساتھا ونمط عیشھا ھي، …. فتصیر بلدان الموز أوالتكثلات البشریة تلك فاقدة لأي إرادة وسیادة، وتصبح بلدانا تابعة وخاضعة وخادمة لمصالح الدول المبدئیة.

إذن من یرید بناء دولة یجب أن یحمل مبدأ تنبثق عنه حلول عملیة لكل شؤون الحیاة ویعطي ھدفا لوجود الدولة والأمة في ھذا العالم.

تصحیح مفاھیم خطیرة عن التعددیة والدستور التوافقي والشعب الواحد الخ:

والعجب أن غالب الذین خرجوا یطالبون بإسقاط ھذا النظام أو ذاك في البلدان العربیة، ورغم أنھم مستعدون للتضحیة بحیاتھم، فغالبھم یتبرأ من أي توجه عقائدي، ویؤكد أنه غیر مُسيَّس ولا یحمل فكرا عقائدیا، وخصوصا حین یتعلق الأمر بـ”الاسلام السیاسي” (السیاسة الشرعیة)، حتى أن جماعات إسلامیة نفسھا تتبرأ من أي نوایا لإقامة الشریعة الاسلامیة والحكم بما أنزل الله. ولیبرھنوا عن نوایاھم “المرضى عنھا”، فھؤلاء وأولائك یرفعون شعارات التعددیة والدیمقراطیة ویصرحون بأن المسلم والنصراني والعلماني والتحرري (اللیبرالي)، إلى غیر ذلك من مسمیات، بأنھم كلھم إخوة ویسعون لتأسیس دولة “مدنیة” تجمعھم فیھا المواطنة ولیس الدین، وینشئون دستورا “توافقیا” بین التیارات الاسلامیة والعلمانیة والتحررية.

ھنا وجب التوقف عند ھذه الظاھرة الغریبة والفریدة من نوعھا لتحلیلھا وتفسیرھا!

حقیقة التعددیة:

أولا، لاتوجد تعددیة في أي مبدأ أونظام في الدنیا أبدا. فالدولة تتأسس على مبدأ واحد ینبثق منه نظام واحد محدد وموحد، آمنت به فئة من الناس، فلما تمكنت ھذه الفئة من السلطة أقامت على أساسه الدولة وأصبح حكم البلاد على أساس ھذا المبدأ. فیخضع الأسود والأبیض من الناس، والمسلم والنصراني والیھودي والملحد وغیرھم للقوانین المنبثقة من ذلك المبدأ. أما السماح لفئات من الناس تحمل عقیدة مختلفة عن مبدأ الدولة التي یعیشون فیھا، بأن تمارس مثلا الشعائر المتعلقة بعقائدھا وبتنظیم بعض الأمور المتعلقة بأحوالھا الشخصیة حسب معتقداتھا، فھذا لا یعني تعددیة، ولایعني بأن تلك الفئات تشارك -أو یجوز لھا أن تشارك- في تحدید نوع النظام السائد في البلد الذي یعیشون فیه، ولا یعني أن الدولة متعددة المبادئ والشرائع. بل النظام السائد في البلد یكون واحدا وھو الذي یحدد إلى أي مدى یسمح لرعایاه من ذوي العقائد المخالفة لعقیدة الدولة أن یمارسوا شعائرھم بحیث لا یخلوا بالنظام العام للبلد ولایقوضوا مبدأه.

إذن وجب التفریق بین عقائد الأفراد من جھة، وبین عقیدة الأمة ونظام الدولة من جھة اخرى. فعقیدة الدولة والأمة واحدة، لكن عقائد الأفراد یمكن أن تَتَعدَّد.

فأوروبا مثلا التي تتبنى المبدأ الرأسمالي والدیمقراطیة لاتنفك تأكد أن جذورھا نصرانية وعقیدتھا العلمانیة، وأنھا لا تسمح بأسلمة أوروبا، وأن على المسلمین أن یحترموا المبدأ العلماني وقوانینه. بل أبعد من ذلك، فإنھا ترى مثلا حتى في ارتداء الحجاب خلل بعلمانیتھا وتقویض لنظامھا وفتنة لشعوبھا، فتضیق بقوانین مكتوبة وأخرى غیر مكتوبة على النساء المحجبات بحیث لایسمح لھن ممارسة عدد من الوظائف العمومیة. وفي بعض دول أوروبا مثل فرنسا یُمنعن حتى من زیارة المدارس العمومیة.

وقد یختلط عند بعض الناس بأن تعیین رئیس أو وزیر ذي أصول مسلمة في بعض الدول الغربیة یعتبر تعددیة، وھذا خطأ. فإدماج مسلمین في مؤسسات الدولة العلمانیة لیست له أیة علاقة بالتعددیة، ولایعني ذلك تبني مفاھیم وأفكار وقوانین من الاسلام في أنظمة تلك الدول الغربیة. فھؤلاء ذوي الأصول المسلمة یشاركون في الحكم لیعملوا على تطبیق المبدأ العلماني الرأسمالي لا لتقویضه لصالح دینھم الأصلي الاسلام. فعلاقتھم بدینھم الأصلي كعلاقة أي وزیر أو رئیس في الغرب بدینه النصراني.

وانظر مثلا إلى البند العاشر من بیان حقوق الانسان للثورة الفرنسیة حیث ینص على ما یلي: “لا یجوز ملاحقة أي شخص بسبب فكره، طالما كان إعلانه عنه لایخل بالنظام العام الذي رسمته القوانین”. وبند مثل ھذا تجده في كل دساتیر دول العالم ومنھا الدول الغربیة التي طالما تُتخد كمثال للحریات. فالحریة نسبیة، ولاتوجد حریة مطلقة في الكون أبدا. فكل إنسان له حریة التصرف والرأي ضمن حدود معینة یضعھا النظام وقوانینه التي یعیش تحتھا.

وطالما یظن الكثیر بأن وجود أحزاب معارضة والإدلاء بآراء ضد الحكومة یعتبر تعددیة. وھذا أیظا خطأ. فالآراء المختلفة لاتخرج كلھا عن إطار مبدأ الدولة ونظامھا. وكل دول العالم، ومنھا الدول الغربیة، لھا مؤسسات خاصة للحفاظ على الدستور والنظام. ھذه المؤسسات تتحرى الاتجاھات الفكریة للأفراد والجماعات ومیولھم السیاسي والدیني. وكل من أراد دخول حقل السیاسة لا یُسمح له بذلك إلا إذا أسفرت تحریات مؤسسة الحفاظ على الدستور بولائه للنظام السائد. بل وأبعد من ذلك، ففي بعض الدول الغربیة لا یُسمح بتقلد حتى وظائف عمومیة بسیطة إذا كان الشخص یحمل أفكارا مضادة للنظام. وبالإظافة إلى مؤسسات الحفاظ على الدستور، ھناك محاكم ‘دستوریة‘ علیا، ِلقُضاتھا صلاحیة إلغاء قوانین أقرتھا البرلمانات إذا ما تبین لھم مخالفتھا لنظام الدولة ومبدئھا.

إذن فكرة التعددیة التي ترددھا أطراف عدیدة في البلدان الاسلامية، لا وجود لھا أصلا. فعلى الحركة الشعبیة أن تدرك أنه لایتم أي تغییر إلا بانفراد حركة مبدئیة واحدة بزمام الأمور وانتزاعھا للسلطة (لا أقصد بحركة مبدئیة واحدةٍ جماعةً واحدةً، بل أقصد منھجاً ومبدأً واحداً الذي یمكن ان تنخرط تحته جماعات كثیرة اذا تبنت نفس المنھج والمبدأ، مع جواز اختلافھا فیما ھو متفرع عن المنھج). فشعارات المواطنة والھدف المشترك بین المسلم والنصراني والعلماني والتحرري، … ، لإنشاء ما یسمى بدولة ‘مدنیة‘ تحكم بدستور ”توافقي” بین كل ھذه التیارات، ھذه میوعة لیس بعدھا میوعة، وسطحیة لیس بعدھا سطحیة. فما نوع المبدأ الذي ترید ھذه الفئات المتناقضة الأفكار إنشائه وإقامة الدولة الجدیدة على أساسه؟ ما نوع القوانین وما مصدرھا؟ ما نوع النظام الاجتماعي والاقتصادي والسیاسي المراد تطبیقه؟ …. فالحرام عند المسلم حلال عند العلماني، والحرام عند العلماني حلال عند المسلم، والحرام عند النصراني حلال عند العلماني ……إلخ. أم یریدون فعل ما دعت قریش إلیه محمدا صلى الله علیه وسلم حین اقترحت إنھاء الخلاف معه بأن یعبد أوثانھم سنة ویعبدون رب محمد سنة!

الثورات تحتاج لھیمنة تیار منھجي واحد وتَغَلُّبِه ولا مجال فیھا للتعددیة المنھجیة:

انظر مثلا للثورة الفرنسیة حیث ساھمت فیھا عدد من التیارات السیاسیة، وأبرزھا “الیاكوبینز” و”الجیروندستن”. الفئة الأولى كانت ترى أن تقلع الملكیة ویحاكم الملك وتقام جمھوریة. في حین كان الجیروندستن یطلبون بإصلاحات للنظام القائم حیث كانوا یروا مثلا بتحویل الملكیة الى ملكیة دستوریة یُقَید فیھا حكم الملك بدستور یضعه نواب عن الشعب. فخلافات جوهرية مثل ھذه لا تُحل بالشعارات الفارغة والحلول الوسطى وائتلافات مزیفة، لكن بالحسم فيمن یفرض نظرته ویقود التغییر. ففئة الیاكوبینز تحت قیادة أحد أھم زعامائھا، ماكسملیان روبیسبیر، استطاعت فرض موقفھا، ففصلت الجیروندستن من صفوفھا ولاحقت قیاداتھا واستفردت بزمام الأمور وأسقطت الملكیة وأعدمت الملك.

حالة مشابهة عرفها حزب العمال الاشتراكي الدیمقراطي الذي قاد الثورة الروسیة. فقد كان تیاران أساسیان في الحزب. الأول بقیادة لینین الذي كان یسعى لإحداث ثورة وتغییر جذري للنظام. في حین التیار الثاني تحت قیادة یولیوس مارتوف، والذي عُرف باسم “المناشفة”، تبنى فكرة الاصلاح والتغییر التدریجي والتعاون مع الأحزاب التحرریة. ھنا اتخد لینین الموقف التاریخي الحازم الذي تتطلبه ظروف كھذه، حیث انفصل بأنصاره عقب مؤتمر حزب العمال الاشتراكي الدیمقراطي سنة 1321هـ (1903م) الذي انطلق في مدينة بروكسل البلجيكية وانتهى في مدينة لندن البريطانية، وكوَّن ما عرف بالحركة البلشیفیة التي احتضنت الثورة الروسیة وقادت العمل المسلح الذي انتھى بإسقاط النظام الملكي القیصري.

كذلك كان شأن الثورة الایرانیة التي شارك فیھا التحرريون والشیوعیون والعلمانیون وجماعات إسلامیة مختلفة، إلا أن روح الله الموسوي الخمیني وأتباعه استطاعوا تحدید مسار الثورة وقیادتھا. وقد تصرف الخمیني بحزم لیتمكن من السلطة بعد ھروب الشاه محمد رضا بھلوي، حیث أعلن مباشرة بعد رجوعه إلى إیران في خطبته الشھیرة والقویة في مقبرة “شھداء بھشت زھراء” جنوب طهران، بأن السلطة والحكم لا یجوز أن یكون إلا لرجل دین، وأنه ھو (أي الخمیني)، مؤھل لذلك ومن حقه ھو لا غیره حكم البلاد.

https://www.youtube.com/watch?v=fxdN5TC8vaw

ولم یسعى الخمیني لحكومة ‘توافق‘، بل أعلن أنه سیسقط حكومة شاھبور بختیار الذي عینه الشاه محمد رضا بھلوي (برضا من الادارة الأمریكیة) رئیسا للحكومة قُبیل ھروبه. ففلح الخمیني في كسب ولاء شرائح من الجیش والشعب، وخاض أتباعه حروب شوارع ضاریة مع قوى الجیش المساندة لنظام الشاه وانتصر علیھم. كذلك تصدى الخمیني بحزم للتیارات العلمانیة والتحرریة والیساریة التي كانت ضد إنشاء حكومة “إسلامیة” وضد تطبیق الشریعة الاسلامیة (حسب ما ثَم تَبَنیه من المذھب الشیعي)، وحاولت تأجیج الرأي العام ضد مشروع الدستور الاسلامي، فقضى الخمیني على ھذه التیارات واستقر أمر إیران بیده، وأنشأ الجمھوریة الاسلامیة الایرانیة و“الحرس الثوري الإيراني” كقوة عسكرية ضاربة، دوره حماية نظام الجمهورية الإسلامية في الداخل والخارج، وحماية النظام “الشيعي” ومنع التدخل الأجنبي أو الانقلابات العسكرية أو «الحركات المنحرفة والمتطرفة».

خلاصة عما یجب أن تكون علیه الثورة:

كانت ھذه بعض الأمثلة من التاریخ الحدیث تبین الروح الحقیقیة للثورة والركائز الأساسیة التي تقوم علیھا. فقد بینت عن طریق ھذه الأمثلة أن القیادة لا تكون إلا لمبدأ واحد، تحمله فئة من الشعب المنتفض، ویكون على رأس ھذه الفئة شخصیة (او شخصیات) قیادیة، مبدئیة، مؤمنة بالتغییر الجذري وشجاعة في اتخاد القرارات الصعبة التي لا یجرؤ علیھا فاقدوا العزیمة والراكعین للواقع. كما أنه لا نجاح للثورة إلا إذا تمكنت قیادة الفئة الثائرة من نزع السلطة وجعل الجیش تحت إمرتھا (أو تكوین جیش مسلح خاضع لأوامرھا). فھي حینئذ لا تُطالب وتُناشد، بل تَأمر فَیُطاع أمرھا ویُنفذ.

إذن الانتفاضات الشعبیة الجاریة في البلدان العربیة، ورغم أنھا أسقطت رؤساء دول، إلا أنھا لم ولن تتمكن من تغییر الأنظمة إلا إذا نضجت إلى ثورة حقیقیة بالمفھوم والركائز التي ذكرتھا أعلاه، ونفضت عنھا التافه من الشعارات والسطحي من الأفكار والمیوعة في القرارات والمواقف، واجتمعت على مبدأ واحد واضح، ینبثق منه برنامج سیاسي متكامل، ووحدت صفوفھا على رجل واحد تَتبعه على أساس المبدأ لا لشخصه، وتغیره (أي القائد) إذا زاغ عن المبدأ. ولا یتأتى لھذه الحركات الشعبیة أن تزحف لإزالة العفن والنفاق والدیوثیة التي تراكمت عبر عقود من الزمن إلا إذا كانت ھي نفسھا صافیة من أي نفاق فكري وسیاسي ومشاعري. فقد عاشت ھذه الشعوب منذ زمن طویل تنافق حكامھا وتَخافھم. فلا تتكلم إلا بما یحبون سماعه ویرضون عنه، فأقصت بذلك نفسھا من الوجود، وباتت عبدًا لسیِّد. والآن وبعد ھذا الاستیقاظ المفاجئ، وقلعھا عقدة الخوف من حكامھا المتسلطین علیھا، و صراخھا في وجھھم بأنھم باطلون وترید قلعھم، إلا أنھا لازالت لم تقلع عقدة خوفھا من الغرب وخنوعھا له. فتجدھا تتجنب في مطالبھا وشعاراتھا ما یمكن أن یجلب سخط الغرب. وھذا ینقلني إلى النقطة العریضة الثانیة لھذا البحث: حل “عقدة الغرب“ عند الشعوب المسلمة شرط أساسي لإحداث تغییر جدري وحقيقي.

فهرس بعض الأسماء الأعجمیة التي تم ترجمتھا في المقال الى العربیة:

تحَرُّري = لیبرالي

تحررية = ليبرالية 

جون جاك روسو = Jean-Jacques Rousseau 

منتیسكیو = Montesquieu 

فولتیر = Voltaire 

جون لوك = John Locke 

دالمبرت = D’Alembert 

دیدیروت = Diderot 

فولتیر = Voltaire 

نادي الیاكوبینز = Club des Jacobins 

نادي الجیروندستن = Club des Girondins 

ماركس = Marx 

أنجلس = Engels 

لینین = Lenin 

ماكسملیان روبیسبیر = Maximilien Robespierre 

یولیوس مارتوف = Julius Martow



 

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

د. هشام البواب

الدكتور هشام البواب، ناقد ومحلل سياسي واجتماعي مستقل . مقالاته تشمل موضوعات سياسية واجتماعية وفقهية وعلوم تجريبية :::::: بعض كتابات الدكتور هشام البواب في الرابط التالي: https://atanwir.com/منشورات-الدكتور-هشام-البواب ::::::: hicbou1@mailfence.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى