سياسة

تحلیل سیاسي لانتفاضات الشعوب المسلمة فيما بات یسمى بالربیع العربي، الجزء الثاني: حل “عقدة الغرب“ عند الشعوب المسلمة شرط أساسي لإحداث تغییر جذري وحقیقي

نعيد نشر هذا المقال الذي انتهى الكاتب من تحریره أواخر 1432هـ (أواخر 2011م)، ونشره لأول مرة سنة 1433هـ (2012م) تحت اسم مستعار.

اخترنا إعادة نشره ليساهم في توضيح الرؤى حين تنطلق موجات انتفاضات جديدة في أحد أو بعض البلدان الاسلامية، فلا يسقط المسلمون من جديد في نفس الأخطاء التي أجهضت انتفاضاتهم السابقة

:::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::

تحلیل سیاسي لانتفاضات الشعوب المسلمة فيما بات یسمى بالربیع العربي، الجزء الثاني: حل “عقدة الغرب“ عند الشعوب المسلمة شرط أساسي لإحداث تغییر جذري وحقیقي

د. هشام البواب

توصلت في الجزء الأول من هذا البحث الى أن الانتفاضات الشعبیة الجاریة في البلدان العربیة، ورغم أنھا أسقطت رؤساء دول، إلا أنھا لم ولن تتمكن من تغییر الأنظمة إلا إذا نضجت إلى ثورة حقیقیة بالمفھوم والركائز التي ذكرتھا بالتفصيل في الجزء الأول، ونفضت عنھا التافه من الشعارات والسطحي من الأفكار والمیوعة في القرارات والمواقف، واجتمعت على مبدأ واحد واضح، ینبثق منه برنامج سیاسي متكامل، ووحدت صفوفھا على رجل واحد تَتبعه على أساس المبدأ لا لشخصه، وتغیره (أي القائد) إذا زاغ عن المبدأ. وأنه لا یتأتى لھذه الحركات الشعبیة أن تزحف لإزالة العفن والنفاق والدیوثیة التي تراكمت عبر عقود من الزمن إلا إذا كانت ھي نفسھا صافیة من أي نفاق فكري وسیاسي ومشاعري. فقد عاشت ھذه الشعوب منذ زمن طویل تنافق حكامھا وتَخافھم. فلا تتكلم إلا بما یحبون سماعه ویرضون عنه، فأقصت بذلك نفسھا من الوجود، وباتت عبدًا لسیِّد. والآن وبعد ھذا الاستیقاظ المفاجئ، وقلعھا عقدة الخوف من حكامھا المتسلطین علیھا، و صراخھا في وجھھم بأنھم باطلون وترید قلعھم، إلا أنھا لازالت لم تقلع عقدة خوفھا من الغرب وخنوعھا له. فتجدھا تتجنب في مطالبھا وشعاراتھا ما یمكن أن یجلب سخط الغرب. وھذا ینقلني إلى النقطة العریضة الثانیة لھذا البحث: حل “عقدة الغرب“ عند الشعوب المسلمة شرط أساسي لإحداث تغییر جدري وحقيقي.

“الانضباط السیاسي”

إذا ما تأملنا الشعارات والمطالب التي تھتف بھا نسبة كبیرة من الجماھیر والعدید من الأحزاب والجماعات في البلدان الإسلامیة، ویناقشھا أعیان الناس من مفكرین وسیاسیین ومشایخ وقیادیین لأحزاب وجماعات، ومنھا الجماعات الاسلامیة، نجد أن غالب ھذه الشعارات والمطالب لا یخرج عن منظومة وسقف وضعه الغرب، وما بات یعرف ِبـ”الانضباط السیاسي”.

والانضباط السیاسي ھذا یعني أن لا تخرج الأفكار والآراء عن أفكار الغرب وآراءه، وأن لا يُتَبنى أي موقف سیاسي ولا فكر في المجال الاجتماعي أو الاقتصادي یخالف نظرة الغرب ومقاییسه. وكل من یفعل ذلك ویخرج عن الانضباط السیاسي فإنه یُغَامِر بأن یُنعت بالمتطرف والمتشدد والرجعي والارھابي، ویجلب علیه بذلك غضب الغرب وأتباعه وعملائه، وما یترتب على ذلك من ملاحقات. ومن ھنا یمكن تفسیر تجنب البعض لذكر دولة الخلافة وتطبیق الشریعة، ویمكن تفسیر الدعوات للدولة المدنیة والتعددیة والدیمقراطیة من قبل شریحة واسعة من الشعوب المنتفضة على حكامھا ومن قبل العدید من الجماعات والأحزاب في البلدان الاسلامیة. فكل ھذه الشعارات مقتبسة من الغرب، وھي نتاج لتفكیره وأبحاثه ھو (أي الغرب) حین خاض فلاسفته ومفكروه صراعا طویلا مع الكنیسة والملوك الذین استعبدوا شعوبھم قرونا طویلة من الزمن.

أصل فكرة “الدولة المدنیة”

فلما تبنى الغرب فكرة الدولة المدنیة مثلا، فقد كان ھذا التبني مبنیا على بحث عمیق لواقعه ھو، توصل على اثره إلى مفاھیم جدیدة عن الحیاة والانسان والمجتمع والدولة. فقد كان لرجال الدین والملوك السلطة المطلقة. فلم تكن ھناك دساتیر تحدد صلاحیات الحاكم وحقوق المواطن. فكانت بذلك طبقتا الأمراء ورجال الدین فوق كل قانون والمستفید المطلق من خیرات البلاد وجھد الفلاحین والعمال والتجار. مقابل ھاته الطبقتان كان ھناك مایسمى بالطبقة الثالثة أو الوسطى وكانت تتكون من الفلاحین والحرفیین والتجار، وقد أثقلت الضرائب كاھلھم. وھاته الطبقة ھي التي قادت الثورة الفرنسیة، والتي كان أھم مطالبھا نقل صلاحیات التشریع والحكم من الملوك ورجال الدین إلى أناس من ممثلي الشعب لیخدموا مصالح ھذا الأخیر. فبعدما كان للملوك ورجال الدین حقوقا مطلقة وكانوا فوق كل قانون، جاءت الثورة الفرنسیة لتضع دستورا یتضمن لأول مرة حقوق الأفراد من المواطنین والتي تشمل على سبیل المثال حقھم في التملك وفي مقاومة قمع الدولة واضطھادھا، وحمایتھم من الاعتقال والقضاء العشوائیین. ولذلك سمیت الدولة بالمدنیة نسبة للمواطن الذي أصبح مصدر السلطات والتشریع، ومحور مھامات الدولة. إذًا نشأت الدولة المدنیة في الغرب كرد فعل على الأحوال التي سادت ھناك، حیث لم یكن للمواطن الفرد أي حقوق، ومقابل ذلك كانت للملوك ورجال الدین كل الامتیازات. ولما كانت الكنیسة عنصرا رئیسیا في تكریس تلك الأوضاع وسلب المواطنین أبسط حقوقھم، كان من البدھي أن تُبعد الكنیسة ویُبعد الدین النصراني ورجاله عن مؤسسات الدولة ولاسیما المؤسسات التشریعیة والقضائیة.

إذًا من تبنى  من المسلمین فكرة الدولة المدنیة أو مسمیاتھا الاخرى مثل دولة الحریة الخ …، علیه أن یدرك أصلھا وأبعادھا، وعلیه أن یعلم أن أھم أسسھا ھو فصل الدین عن الدولة والتشریع.

ھل یجوز للمسلمین تبني فكرة “الدولة المدنیة”؟

فھل مشروع الدولة المدنیة الذي كان حلا خاصا لواقع معین بأوروبا، یصلح أیضا لحل مشاكل المسلمین؟ ألم یكن على المسلمین أن یشخصوا أسباب مشاكلھم الخاصة بھم وبواقعھم وإیجاد حلول تتلائم وخاصیاتھم؟ فواقع العالم الاسلامي في الماضي والحاضر یختلف تماما عن ماضي أوروبا وحاضرھا، وكذلك واقع الدین الاسلامي یختلف تماما عن واقع الدیانة النصرانیة المحرفة. فلا یوجد رجال دین ولا كھنوتیة في الاسلام مثلا، وبالتالي لا توجد أصلا في الاسلام دولة كھنوتیة كما كان الحال في أوربا، ولا توجد كذلك دولة مدنیة یفصل فیھا الاسلام عن الدولة والتشریع والحكم. فالدولة حسب الاسلام یجب أن تكون إسلامیة، یحكمھا بشر بقوانین من الشریعة الاسلامیة (أحكام شرعیة). وھؤلاء الحكام لیست لھم أي قداسة، ومعرضون للخطإ بل وفي اقصى الأحوال یمكنھم ان یرتدوا عن الاسلام! والقوانین الاسلامیة أو الأحكام الشرعیة یستنبطھا مختصون في الفقة الاسلامي أو القانون الاسلامي من القرآن والسنة. وھذا ھو شأن أي دولة في العالم، ومنھا الدول الغربیة، حیث یستنبط فقھائھا في القانون القوانین من شریعتھم ھُم ‘الوضعیة‘.

شمولیة الإسلام

وبخلاف الدین النصراني المحرف الذي لیس فیه شریعة تنظم الاقتصاد والحكم والحیاة الاجتماعیة والسیاسیة، فالاسلام نزل بأحكام تنظم جمیع شؤون الحیاة. فمثلا قد بیَّن الاسلام حقوق الأفراد وجعل حیاتھم وأموالھم وأعراضھم حرمة لایجوز لأحد، بما في ذلك الدولة، المساس بھا. وللحفاظ على تلك الحقوق الفردیة (الحُرمات) وضع الاسلام عقوبات صارمة للقتل العمد والسرقة والقذف. ونظام الاسلام ھو النظام الوحید في الدنیا الذي جعل لرعایاه من ذوي الدیانات والعقائد الأخرى، كالنصرانیة والیھودیة، حق ممارسة شعائرھم الدینیة وتنظیم الشؤون الخاصة بأحوالھم الشخصیة من زواج وطلاق ومأكل ومشرب حسب ما تملیه علیھم دیاناتھم. فقد قال الرسول محمد صلى الله علیه وسلم: «من ظلم معاھدا، أو انتقصه حقا، أوكلفه فوق طاقته، أو أخد منه شیئا بغیرطیب نفس منه، فأنا حجیجه یوم القیامة» (رواه أبوداود والبیھقي). وقال صلى الله علیه وسلم: «من آذى ذمیا فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله»  (رواه الطبري). وقال الله تعالى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} (سورة البقرة، الآیة 256).

والاسلام ھو النظام الوحید الذي كرَّم فِعْلا الانسان: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} (سورة الإسراء، الآیة 70). كما منع الاسلام التجسس، أحد أعظم أسباب الفساد السیاسي والاستبداد في كل دول العالم، بما فیھا الدول الغربیة، إذ قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ} (سورة  الحجرات، الآية 12). 

ومنع الاسلام التعذیب، وكان أول من وضع القاعدة الأساسیة في القضاء بأن كل متھم بریئ وعلى المدعي البینة، ولو كان المدعي ھذا ھو الدولة أو الحاكم، حیث قال صلى الله علیه وسلم: «لو یعطى الناس بدعواھم، لادَّعى رجال أموال قوم ودمائھم، ولكن البینة على المدعي والیمین على من أنكر» (رواه البیھقي وغیره). ونظم الاسلام الحیاة الاجتماعیة من زواج وطلاق وحقوق وواجبات كل من الزوج والزوجة والأبناء. كما فرض على الدولة كفالة المأكل والمشرب والمسكن للفقراء والمساكین والذین لا یستطیعون العمل للنفقة على أنفسھم وأسرھم «الإمام راع ومسئول عن رعیته» (من حدیث للرسول رواه البخاري ومسلم)، «من ترك دَیْناً أو ضیاعاً فعلي، ومن ترك مالاً فلورثته» (حدیث ورد في تفاسیر الآیة 6 من سورة الأحزاب {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} (سورة الأحزاب، الآية 6). وفرض الاسلام على الدولة علاج المرضى وتعلیم الناس. وفرض الإسلام الزكاة تؤخد من المیسرة أحوالھم ومن الأغنیاء لتعطى للفقراء {وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} (سورة الذاریات، الآية 19)، «خذھا من أغنیائھم وردھا في فقرائھم» (من حدیث الرسول الذي رواه الأئمة الستة في كتبھم عن ابن عباس رضي الله عنه).

ووضع الاسلام ضوابط لمنع تكدیس الأموال عند الأغنیاء واحتكارھم لھا: {كي لا یَكُون دُولَةً بَین الأغنیَاء منكُم} (سورة الحشر، الآیة 7). وأوجب الاسلام على الدولة إیجاد مقومات القوة للبلاد من صناعة مدنیة وعسكریة {وأَعدوا لَھم ما استَطعتُم من قوةٍ} (سورة الأنفال، الآیة 60). وھذا یستلزم بالضرورة أن توجد المرافق العامة الأساسیة التي تخول للناس أن یبتكروا ویصنعوا وینتجوا، وبالتالي توفر فرص العمل للناس. وكل ھذه الواجبات وغیرھا مما لم أذكره ھو من باب القاعدة الشرعیة: “ما لایتم الواجب إلا به فھو واجب”.

وبما أن الحكام وأولي الأمر بشر معرضین للخطأ، فقد فرض الاسلام على الناس محاسبتھم، وحرم علیھم طاعتھم في ظلم أومعصیة {ولا تَركنُوا ِإلَى الذین َظلَموا فَتَمسكُم النار} (سورة ھود، الآیة 113)، وأمر بعزلھم إذا خرجوا عن القواعد الرئیسیة للإسلام، المعروف في الفقه الإسلامي بالكفر البواح، حسب حدیث الرسول صلى الله علیه وسلم. ….

أما الواقع السیئ لحال المسلمین الیوم فأسبابه تختلف تماما عن أسباب انحطاط أوروبا في العصور الوسطى، فسبب ضعف المسلمین وتخلفھم الیوم ھي تلك الأنظمة “المدنیة” والبارلمانات العلمانیة التي تدیر شؤون البلاد بقوانین وضعیة بدلا من تحكیم الشریعة الإسلامیة.

إذًا، أمام ھذا الفرق الشاسع بین واقع العالم الإسلامي ومقوماته وواقع الغرب، على أي أساس یظن الناس في العالم الإسلامي أن النظریات والأفكار التي طبقھا الغرب لحل مشاكله الخاصة به، صالحة أیضا لحل مشاكلھم ھم (أي المسلمین)؟ لماذا لا یأخذ المسلمون الحلول من ثقافتھم وعلمائھم ھم، كما أخذ الغرب الحلول من ثقافته وعلمائه ھو؟ على أي أساس تطغى المطالب لعدم السماح لتطبیق الشریعة الإسلامیة والرجوع للتحاكم بما أنزل الله على رسوله محمد صلى الله علیه وسلم، رغم أن الإسلام كان ھو سر نھضة العرب الذین كانوا یعیشون في جاھلیة لیرتقوا في فترة وجیزة الى تصدر الأمم وقیادة العالم لمدة قرون عدیدة من تاریخ الإنسانیة؟

ھل الدعوة للدولة “المدنیة” (ولا یجوز استعمال مصطلح الدولة المدنیة، كما ھو الحال بالنسبة للدیمقراطیة، إلا حسب المفھوم الغربي) وحصر الإسلام في شؤون العبادات فقط، ھل ھذا نابع من قناعات وإرادة ذاتیة، أم ھو تقلید أعمى للغرب و ُحبًا لإرضائه؟ فالغرب حین فصل الدین النصراني عن الدولة والحكم، فقد كان ذلك قائم على بحث عمیق وجاد. فالدیانة النصرانیة المحرفة لا تشمل شریعةً لتنظیم الحكم والإقتصاد والحیاة الإجتماعیة. والقساوسة أعطوا لأنفسھم حق التشریع والقضاء والحكم حسب أھوائھم. فكان من البدھي أن یضع الناس حدا لھذا التعسف من قبل الكنیسة وإرجاع الدیانة النصرانیة المحرفة الى موضعھا الأصلي، ألا وھو تنظیم النواحي الروحانیة عند الإنسان وإشباعھا.

أما واقع الإسلام فیختلف تماما. فالإسلام نزل فعلا بشریعة شاملة تنظم جمیع شؤون الحیاة البشریة. والحاكم ینوب عن الناس في رعایة شؤونھم حسب الأحكام الشرعیة، لا حسب ما یھواه.

إذًا من كان یدعي الإسلام وفي نفس الوقت ینادي بفصل ھذا الدین عن السیایة والحكم والتشریع، فھو غیر جادّ في تفكیره وآرائه ومواقفه. فالجدیة ھو أنه حین تؤمن بمبدأ فإنه من الطبیعي أن تؤمن بكل ما ینبثق عن ھذا المبدأ من أفكار وأحكام وتتبناھا، ویكون مبدئك ھو المقیاس لكل أعمالك في الحیاة ولیس مبدأ غیرك.

إذًا على المسلمین المنتفضین ضد الأنظمة القائمة في البلدان الاسلامیة أن یكونوا جادین في مواقفھم، فإما یأخذوا الإسلام ككل أو یكفروا به ویأخذوا المبدأ العلماني. فقط في إحدى ھاته الحالتین یمكن أن یحققوا تغییرا حقیقیا. لأنه بخلاف النصرانیة المحرفة التي تنظم العبادات فقط وبالتالي يمكن لھا أن تتعایش مع أي نظام سائد للحكم، فالإسلام نزل بشریعة تنظم جمیع شؤون الحیاة ولیس العبادة فقط، وبالتالي لایقبل الإسلام بالحلول الوسطى التي قامت بھا أوربا مع دیانتھا النصرانية.

تَیْه المسلمین وانفصام شخصیتھم

فكثیر من المسلمین یحاولون تقلید الغرب في تعاملھم مع دیانتھم، وإیجاد حل وسط بین الإسلام والعلمانیة، وھذا أكبر تَیْه یتخبط فیه المسلمون لأكثر من قرن من الزمن، كمن یحاول عبثا أن یقرب الجھتان الموجبتان لقطعتین من المغنطیس من بعضھما البعض فیحصل تنافر شدید بینھما وتبقیا متأرجحتان في مكانھما. كذالك المسلمون متأرجحین في مكانھم منذ عقود من الزمن بسبب افتقادھم للرؤیا الواضحة الصافیة. فعلى المسلمین أن یعلموا أنه إنما یُؤخذ الإسلام ككل ویطبق كله في الحیاة، أو یترك ككل ویكفر به. أي حلول وسط بین ذلك ھي میوعة وتعبر عن انفصام في الشخصیة.

والانفصام في الشخصیة ھذا سببه التقلید الأعمى للغرب. فھو (اي المسلم) رغم حبه للإسلام وقناعته بأنه الحق من عند ربه، إلا أن ولوعه بالغرب القوي أعمى بصیرته فصار یقلده في جمیع أحواله. وقد صدق الرسول الكریم صلى الله علیه وسلم حین قال: «لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر، وذراعا بذراع، حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه»، سأل الصحابة: یارسول الله، الیھود والنصارى؟ قال النبي صلى الله علیه وسلم: «فمن؟» (رواه مسلم والبخاري).

آفة التقلید قاتلة

وقد حلل ابن خلدون ظاھرة تقلید الضعیف للقوي في المقدمة كالتالي: [المغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب في شعاره وزیه ونحلته وسائر أحواله وعوائده. والسبب في ذلك أن النفس أبداً تعتقد الكمال في من غلبھا وانقادت إلیه إما لنظره بالكمال بما وفر عندھا من تعظیمه أو لما تُغالِط به من أن انقیادھا لیس لغَلَبٍ طبیعي، إنما ھو لكمال الغالب. فإذا غالطت بذلك واتصل لھا اعتقاداً فانتحلت جمیع مذاھب الغالب، وتشبھت به، وذلك ھو الاقتداء. أو لما تراه، والله أعلم، من أن غلب الغالب لھا لیس بعصبیة ولا بقوة بأس، وإنما ھو بما انتحلته من العوائد والمذاھب، تغالط أیضاً بذلك عن الغلب، وھذا راجع للأول. ولذلك ترى المغلوب یتشبه أبداً بالغالب في ملبسه ومركبه وسلاحه في اتخاذھا وأشكالھا، بل وفي سائر أحواله] (انتهى الاقتباس).

إن التقلید آفة جد خطیرة، تُفقد الإنسان شخصیته وتكبل طاقاته وتفقده روح الإبداع والإنتاج وتسلبه السیادة على شؤون حیاته. فالمقلد یفقد القدرة على اتخاذ قرارات ذاتیة ومواقف حازمة في أمور شتى من حیاته، ویصبح سر وجوده ینحصر على كیفیة تحصیل الأكل والشرب، بل حتى ھذه الضروریات تصبح متعلقة بالقوة التي یقلدھا وینظر إلیھا نظرة إعجاب ویمجدھا، فیصبح یعیش على فتاتها وصدقاتھا وعطفھا.

مصیر الأمة المقلدة ھو الفناء حسب رأي ابن خلدون، حیث قال: [إن الأمة إذا غُلبت وصارت في ملك غیرھا أسرع إلیھا الفناء. والسبب في ذلك، والله أعلم، ما یحصل في النفوس من التكاسل إذا ملك أمرھا علیھا وصارت بالاستعباد آلة لسواھا وعالة علیھم، فیقصر الأمل ویضعف التناسل. والاعتمار إنما ھو عن جدة الأمل وما یحدث عنه من النشاط في القوى الحیوانیة. فإذا ذھب الأمل بالتكاسل وذھب ما یدعو إلیه من الأحوال وكانت العصبیة ذاھبة بالغلب الحاصل علیھم، تناقص عمرانھم وتلاشت مكاسبھم ومساعیھم، وعجزوا عن المدافعة عن أنفسھم بما خضد الغلب من شوكتیھم، فأصبحوا مغلبین لكل متغلب وطعمةً لكل آكل] (انتهى الاقتباس).

أنَّى للمسلمین اأن ینتصروا وھم لم یتخلصوا بعدُ من “عقدة الغرب”

إذاً أَنَّى للشعوب المسلمة أن تتحرر وتنھض وھي على ما یبدو مازالت لم تتخلص من عقدة الغرب ومازالت فاقدة للثقة بنفسھا ودینھا وثقافتھا وقدراتھا، ولا تظن نفسھا قادرة على التغییر وعلاج مشاكلھا من محض إرادتھا وقدراتھا ھي، فتجدھم في كل صغیرة وكبیرة یلجأون إلى الغرب، یطالبونه بحل مشاكلھم ومساعدتھم بالمال والرأي والسلاح.  ….. فھاھي تونس “الجدیدة” ومصر “ما بعد مبارك” یلھثون، كما فعل حكامھم المعزولین، وراء الغرب لیرضى عنھم، ویشفع لھؤلاء وأولئك لیدخلوا الانتخابات، ولیسمح لھم اعتلاء مراكز في الدولة، ولیساعد اقتصاد البلاد، ویمنحھم قروضا. فأي “ثورة” ھذه وأي تغییر ھذا یتكلمون عنه وھم یظنون أنھم لا یستطیعون علاج مشاكلھم إلا بجرعات فكریة ومادیة من الغرب، وأنھم لا یستطیعون اعتلاء الحكم في بلدانھم إلا إذا قدموا الولاء للغرب! 

والعجب أن الشعوب المنتفضة ومعظم الأحزاب والجماعات في العالم الإسلامي لا زالت لا ترید أن تعي حتى الآن أن ھذه الجرعات التي یتسولونھا من الغرب ھي جرعات سم ولیس دواء، وأن ھذا السم الذي یتجرعه المسلمون لعقود من الزمن شل فكرھم وحركتھم ومیَّع شعورھم وإحساسھم، فأصبحوا فریسة سھلة لكل طامع. فالشعوب الثائرة على حكامھا ووضعھا المزري في البلدان الاسلامیة یجب أن تعلم أن الغرب سبب رئیسي في مشاكلھا. فالأنظمة الجائرة المستبدة أوجدھا الغرب وسھر على حمایتھا ودعمھا بكل الوسائل مقابل أن تخدم مصالحه وتسخر له البلاد والعباد، وتمنع وحدة المسلمین ورجوع الإسلام إلى سدة الحكم (ھنا وجب التفریق بین وصول الإسلام للحكم ووصول أفراد مسلمین وجماعات إسلامیة للحكم، لا یطبقون الإسلام ولا سلطة لھم).

طریق التغییر

إذن التغییر لا یمكن أن یتحقق إلا بدراسة عمیقة وجدیة لواقع البلدان الإسلامیة وإدراك الأسباب الأساسیة والحقیقیة لوضعھا المزري، تماما كما فعل مثلا مفكرو الغرب وعلمائه حین درسوا واقعھم دراسة عمیقة فتوصلوا للأفكار التي قامت علیھا الثورة الفرنسیة.

والمدقق في الحركات الشعبیة الحالیة في البلدان العربیة یرى أنھا لا تفتقد لقیادة ومبدأ واضح وبرنامج سیاسي متكامل منبثق من ھذا المبدأ فحسب، كما سبق الذكر، بل تفتقد أیضا لإدراك صحیح للأسباب الحقیقیة للظلم والفساد والاستبداد والضعف الذي تعاني بلدانھم منه منذ عقود، وبالتالي تفتقد ھذه الحركات الشعبیة للجدیة في التغییر، رغم التضحیات التي یقدمھا الثائرون. وإلا كیف تفسر مثلا المطالب والرغبة بإسقاط الأنظمة الحاكمة من جھة، والمطالبة من جھة أخرى بمساعدة الغرب لھم لإزالة ھذا الحاكم أو ذاك ولریضى عنھم ویحمیھم، والاستعانة بمؤسسات الغرب من الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولیة والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي …! 

إن الجدیة تتطلب البحث العمیق، ولیس السطحي، لأسباب المشاكل والانحطاط في العالم الإسلامي، ثم قلع ھذه الأسباب من الجذور. ومن أھم جذور المشاكل في البلدان الإسلامیة ھو تسلط الغرب علیھا. فالغرب قد ثَبَّت ولازال یثبت طغیانه وتسلطه على البلدان الإسلامیة بوضعه أنظمة عمیلة وخادمة له لا لشعوبھا، وإنشائه لشبكة واسعة في البلاد من سیاسیین ومفكرین ودعاة دین واعلامیین واقتصادیین ورجال أمن وعسكریین ومنظمات وأحزاب، … كلھم یسھرون على توطید واقع معین ورأي عام محدد، رسمه الغرب وخطط له، لخدمة مصالحه ھو ومنع رجوع الإسلام إلى سدة الحكم (و كما سبق الذكر، وجب التفریق بین وصول الإسلام للحكم ووصول جماعات ‘إسلامیة‘ للحكم لا تقیم الإسلام وخاضعة للغرب).

إذن من كان جادا في عملیة التغییر علیه أن یعلم أن ذلك لا یتم إلا إذا شمل التغییر لیس الحكام فقط، بل كذلك التبعیة للغرب بكل وجوھھا، واستئصال تلك الشبكات التي یوظفھا الغرب لتثبیت سیطرته على البلاد وتبعیتھا له واستنزاف خیراتھا. فمثلا المناداة بتدخل الدول الغربیة ومنظمة الأمم المتحدة، بل حتى الطلب منھم فقط بإدانة عنف الأنظمة السائدة، ھو جھل وتبعیة للغرب، وإبقاء للأبواب مفتوحة أمام الغرب لیحتفظ بسیطرته على البلاد. فالمجازر التي قام ویقوم بھا الغرب، وغالبا تحت مظلة منظمة الأمم المتحدة، أعظم بكثیر من ظلم حكام المسلمین وبطشھم. فإنه من السذاجة والجھل وعدم المسؤولیة حین یستعان بالجزار الأكبر ضد الجزار الأصغر!

كذلك شأن البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، فھما مؤسستان أنشأھما الغرب لیتسلط بھما على اقتصادات العالم وأسواقه ویجعلھا مُسَخَّرة له ومتعلقة به. ومن تحكم في الموارد الإقتصادیة للبلدان، تحكم بداھة في سیاساتھا وقراراتھا. فمن كان جادا في عملیة التغییر علیه إنھاء أي صلة وأي تعامل مع ھذه المنظمات.

وقد یقول ذوي النظر المحدود والعقلیات المنھزمة وفاقدي العزیمة أنه لا یمكن لأي دولة الوجود والقدرة على العیش إلا بالتعامل مع ھذه المنظمات الدولیة والإستعانة بالغرب. مثل ھؤلاء ھم من ثبطوا عزیمة الشعوب طوال عقود من الزمن، حین كانوا یقولون لھم، إنھم لا یمكنھم النھوض ضد حكامھم وقلعھم، بل ویوحون لھم أن وحدتھم وأمنھم متعلقان ببقاء ھذا الحاكم أو ذاك. لكن إسقاط حكام جبابرة مثل حسني مبارك وزین العابدین بن علي ومعمر القذافي ھو الرد على ھؤلاء.

المشكلة لیست في التعامل مع دول الغرب، ولكن في كیفیة التعامل معھا وعلى أي أُسس

وقد یظن البعض بأن المطلوب ھنا الإنعزال وعدم التعامل مع دول العالم، بما فیھا دول الغرب. وھذا غیر صحیح. فالمشكلة لیس التعامل مع دول، ولكن في كیفیة التعامل معھا وعلى أي أسس. فالتعامل الذي یكون على حساب مصالح الشعوب وسیادتھا ومبدئھا وعلى أساس الخضوع لأوامر الغرب والاستعانة به ھو عبودیة. ومن ھذا الذي یرضى أن یعیش عبدا للغیر؟! فھذا الحال یجب أن ینتھي.

طریق التغییر الجدي یستوجب التحرر من القمع الفكري والسیاسي الذي یمارسه الغرب

إذًا الانتفاضات الشعبیة والمظاھرات یجب أن تواكبھا انتفاضة وتعبئة فكریة. فكما أزالت الشعوب الخوف من قمع حكامھا، وتحررت من ھذه العقدة، علیھا أن تتحرر أیضا من القمع الفكري والسیاسي الذي یمارسه علیھا الغرب وطوابیره بشتى الوسائل، فتضرب عرض الحائط أي موقف ورأي من الغرب تجاه انتفاضاتھا وأھدافھا ونوع نظام الحكم الذي تسعى إلیه. فلا تسأل الغرب شیئا ولا تعطي وزنا لما یقول. موقف مثل ھذا سیمثل بدایة حقیقیة وجدیة في التغییر ویقفل جمیع الأبواب أمام أي تدخل للغرب لیحدد من جدید مصیر الشعوب الإسلامیة ویُبقي تسلطه علیھا واستنزافه لخیراتھا.

تحدید الأھداف بكل وضوح وعمق

إذن على الإنتفاضات الشعبیة أن تحدد أھدافھا. ولتكن أھدافھا مبدئیة سامیة راقیة، وتقلع عنھا السطحیة. فمثلا طالما سمعنا مطالب بإجراء انتخابات برلمانیة ورئاسیة جدیدة …..، وطالما طغى النقاش عن مدة الرئاسة …… ھذه كلھا مطالب سطحیة لا تلمس جذور المشكلة. فكلھا تخص وسائل الحكم وآلیاته. لكن الأھم والذي یجب نقاشه وتفصیله وتحدیده ھو: 

1) ما ھو المبدأ الذي یجب أن تقوم علیه الدولة؟ 

2) نوعیة القوانین التي یرید الناس التحاكم إلیھا، وما ھو مصدر التشریع، وھل ستنبثق الأحكام من المبدأ المتبنى؟ 

3) من له صلاحیة استنباط الأحكام ومن له صلاحیة تبنیھا وجعلھا قوانین (أحكاما) ساریة المفعول في الدولة ؟ 

4) ما ھي صلاحیات رئیس الدولة وصلاحیات المجالس التي تنوب عن الشعب؟ ومن یحدد ھذه الصلاحیات؟ 

5) على أي أساس یُراد إقامة اقتصاد البلاد وتسییره؟ ھل تتم العودة للقروض من الغرب والتعامل مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والخضوع بالتالي لشروطھم؟ أم یتم انشاء اقتصاد جدید مستقل عن ھذه المنظمات المالیة ومستقل عن العملات الأجنبیة وأسواق المضاربات المالية وتقلباتھا؟ 

6) ھل ستقیم الدولة الجدیدة اقتصادھا وتجارتھا عل أساس التعامل بالربا أم ستحدث نموذجا جدیدا للاقتصاد والتجارة خال من أي تعامل ربوي؟ 

7) ھل ستقلد الدولة الجدیدة الغرب بالاعتماد على جبایة الضرائب للنفقة على المرافق العامة وتثقل بالتالي كاھل الناس ذوي الدخل الضعیف أو المتوسط والذین یشكلون الغالبیة الساحقة في كل المجتمعات ویتحملون العبء الأكبر من نفقات الدولة، أم ستحدث نموذجا جدیدا لكیفیة جلب المال تترفع فیھا عن استغلال الناس وأخذ مكاسبھم على غیر وجه حق وإفقارھم؟ 

8) ھل ستضع الدولة الجدیدة إنشاء ثورة صناعیة شاملة على قمة أولویاتھا للنھضة باقتصاد البلاد وتوفیر أماكن الشغل للناس وتحسین مستوى عیشھم وإنھاء التبعیة والحاجة المطلقة للمنتوجات الغربیة من سیارات وطائرات وتقنيات الاتصالات والاعلامیات وآلات التصنیع والآلات الطبیة والآلات الحربیة والأدویة؟ أم ستسیر الدولة “الجدیدة” على منھاج الأنظمة العمیلة وتعتمد في اقتصادھا على السیاحة (صناعة الشَّحاذة والتسول) والاستثمار الغربي، وتبقي بذلك أرزاق الناس متعلقة بصدقات الأجانب من رعایا الدول المنتجة وفتاتھم ومزاجھم؟ أم ستعمل الدولة على تشجیع وتسھیل استثمار المسلمین انفسھم في بلادھم وتمكین المسلمین من ذوي الطاقات والقدرات العلمیة والتقنیة والمالیة من استثمار طاقاتھم في بلادھم؟ 

9) وھل ستضع الدولة الجدیدة الأساس لإحداث ثورة صناعیة وذلك بتحدیث مضامین وطرق تدریس العلوم التجریبة وإحداث جامعات ومعاھد للأبحاث في كل المجالات العلمیة، توظف فیھا طاقات مئات الآلاف من رجالھا ونسائھا فتحدث بذلك ثورة علمیة؟ 

10) ھل ستأخذ الدولة الجدیدة بالأسباب لإحداث ھذه الثورة العلمیة والصناعیة وإعادة إنشاء أمة لیست مستھلكة فقط لما تنتجه الأمم الأخرى، بل ھي نفسھا منتجة ویستفید منھا العالم ویأخذ منھا، كما كان حالھا في الماضي؟ 

11) ماھي الخطوط العریضة التي ستُبنى علیھا السیاسة الخارجیة للدولة الجدیدة؟ ھل ستبقى تابعة خاضعة لقرارات الدول الغربیة واستراتیجیاتھا ومصالحھا، أم ستستقل عنھا وتعمل على خدمة مصالح شعوبھا وجعل الأمة الاسلامیة مصباحا فكریا وعلمیا وأخلاقیا تستننیر به البشریة جمعاء، فتحمل ھي مبدئھا للعالم وفكرھا وطریقة عیشھا، بدلا من ھذا الغزو الفكري للغرب علیھا؟ وھل ستعمل الدولة الجدیدة لتكون ھي الملجأ للباحثین عن العلم والحق والعدل، وتستحمي بھا الشعوب المستضعفة والمظلومة ویستجیرھا كل مظلوم في العالم؟

كانت ھذه بعض الخطوط العریضة الأساسیة التي وجب طرحھا ونقاشھا والبحث فیھا بحثا عمیقا وجدیا واتخاذ مواقف واضحة ومفصلة تجاھھا.

وفي الأخیر وجب التذكیر بأننا كلنا یعرف مآل ما عُرف ِبـ”الثورة العربیة الكبرى” في النصف الأول من القرن الرابع عشر هجري (بدایة القرن العشرین ميلادي)، حین استعان العرب وتواطئوا مع الغرب ضد الدولة العثمانیة. كما أنه مازال عالقا بأذھاننا مآل الثورات الشعبیة في سبعينيات القرن الرابع عشر هجري (خمسینیات القرن العشرین ميلادي) ضد الاحتلال الغرب (الاستعمار). فالتضحیة بالغالي والنفیس واستشھاد مئات الآلاف من الثائرین لم ولن تكون أبدا وحدھا الضامن للتحرر وتحقیق النھضة. بل الاستعداد للتضحیة یجب أن یكون مصحوبا بالمضمون الصحیح والجاد للأھداف المراد تحقیقھا. فالمستعمر الغربي “استجاب” آنذاك (ایام الاحتلال المباشر) لمطالب الشعوب المُحتلة، المطالب السطحیة للأسف، بإنشاء دویلات وطنیة تقوم على أساس جغرافي أو قومي بدلا من الأساس العقائدي. والنتیجة كانت تلك الأنظمة الممسوخة التي أحدثت فراغا سیاسیا وأفسدت البلاد والعباد وكان ومازال ولاؤها للغرب الذي أوجدھا لا لشعوبھا. فھذا ھو مصیر كل كیا ٍن استعان في نشأته على الغرب لا على شعبه وطاقاته وقدراته الذاتیة. وقد صدق الله سبحانه وتعالى حیث قال: {مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} (سورة العنكبوت، الآیة 41).

ولعلَّنا على ما یبدو سنعیش الآن من جدید ولادة دویلات وأنظمة جدیدة مسخ مثل سابقاتھا أو أكثر مسخا منها، وبیوت عنكبوت جدیدة أھون من سابقاتھا، إذا لم تعي الشعوب المنتفضة خطورة الأمر ولم تعي الدروس من الماضي ولم تستفد من أخطاء الأجیال السابقة ولم تصحح مضامین أھدافھا، وتختار الطرق والوسائل الصائبة لتحقیق تلك الأھداف.



 

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

د. هشام البواب

الدكتور هشام البواب، ناقد ومحلل سياسي واجتماعي مستقل . مقالاته تشمل موضوعات سياسية واجتماعية وفقهية وعلوم تجريبية :::::: بعض كتابات الدكتور هشام البواب في الرابط التالي: https://atanwir.com/منشورات-الدكتور-هشام-البواب ::::::: hicbou1@mailfence.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى