اقتصاد

أسباب تدهور الليرة التركية والطريق للخروج من الأزمة الاقتصادية ج(2)

نعيد نشر هذا البحث من جزئين الذي نُشر لأول مرة سنة 1439هـ (2018م) على موقع ”ساسة بوست“.

تعيش تركيا اليوم في عهد أردوغان أكثر من أي وقت مضى أزمات اقتصادية ومالية خانقة. البحث الذي بين أيدينا استشرف هذه الأزمات وحذر منها، وبيَّن أسبابها وطرح حلولا جذرية لها..

:::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::

أسباب تدهور الليرة التركية والطريق للخروج من الأزمة الاقتصادية ج(2)

د. هشام البواب

تَقدَّم في الجزء الأول سرد أهم الأسباب التي أدت لانخفاض الليرة التركية، والتي تكمن في السياسة التي اعتمدتها تركيا لتنمية اقتصادها، حيث اعتمدت على الربا وجعلت الاقتصاد رهينا للديون الخارجية وللمستثمرين الأجانب، مما يسهل على الدول التي تمول المشاريع التركية على شكل قروض ربوية أو تستثمر مباشرة في تركيا أو تستند الليرة لِعُملتها أو تتحكم في قوانين لعبة الأسواق المالية، يسهل عليها التلاعب بالليرة والتأثير في الاقتصاد التركي.

فما السبيل لخروج تركيا من نَفَقِ الاضطرابات المالية والاقتصادية؟

الإجراءات التي اتخذتها تركيا تتعامل مع الأعراض وليس الداء

غالب الإجراءات المُقترحة للرفع من مستوى قيمة الليرة لا تتجاوز السقف والأدوات التي تسمح بها المنظومة الرأسمالية:

  • قيمة الليرة انخفضت، فلنرفعها برفع الطلب عليها وذلك بشراء أكبر كمية منها.
  • ضعفت قدرة المصارف على منح قروض، فلنضخ مزيدا من الأوراق النقدية المُخزنة الى السوق المالية.
  • ارتفعت نسبة التضخم، فلنرفع نسبة الفوائد.

هذه الإجراءات وإن كان ربما بإمكانها في بعض الحالات التخفيف من شدة الأزمة المالية، لكن قطعا سيكون مفعولها قصير المدى وسطحيا ويعالج الأعراض فقط ولن يزيل المشكلة الاقتصادية.

فالإجراءات التي اتخذها المصرف المركزي التركي ترمي لضخ المزيد من النقود في السوق المالية التركية وذلك بخفض نسبة الاحتياطي من الليرة ومن العُملات الأجنبية المُلزم على المصارف التقيد به، فتمكن هذه السيولة المصارفَ من قرض مزيد من الأموال للناس والشركات مقابل فوائد (ربا). إذًا هذه الإجراءات لا تعالج البتة الداء، فالداء هو المنظومة الرأسمالية نفسها التي بُني عليها الاقتصاد التركي (مصارف ربوية، أسواق المضاربات المالية، ديون خارجية الخ)، وبالتالي فأي أموال تُضخ في السوق المالية ستبتلعها هي بدورها المنظومة الرأسمالية.

ودعا الرئيس أردوغان – وتابعه في ذلك جماعات إسلامية وعلى رأسهم الإخوان وحزب الأمة الخليجي وعدة مشايخ – لدعم الليرة عن طريق تحويل مدَّخراتهم من الذهب والعملات الأجنبية الى الليرة للرفع من الطلب عليها، ومن ثم آملين أن ترتفع قيمة الليرة.

تحويل المدخرات النقدية الى الليرة خطوة مهمة، لكنها لا يكون لها مفعول حقيقي إلا بإصلاح المنظومة الاقتصادية والمالية أولا، وإلا ستنتهي مدخرات الناس في أفواه الأخطبوط الرأسمالي.

أما الدعوة لتحويل الذهب الى الليرة، فهذه خطوة خطيرة جدا ولا أنصح بها البتة، فكيف تُستبدل مادة (الذهب) ذات قيمة ذاتية حقيقة شبه ثابتة الى أوراق نقدية لا تستند الى الذهب وغير مغطاة به 100% وبالتالي لا تحمل إلا قيمة معنوية معرضة للتغير وفقدان القيمة تماما! فليس أحسن من الذهب وسيلة لادخار المال. وتحويل الذهب الى عُملة ورقية خطوة لا يمكن الإقدام عليها إلا إذا كانت العُملة مغطاة 100% بقيمة محددة ثابتة من الذهب، ويمكن في أي وقت إعادة تحويلها الى ذهب دون خسارة.

أهم السُّبل لخروج تركيا من نفق الاضطرابات الاقتصادية

فالمشاكل المالية لن تُحَل حلا جذريا إلا بالخروج من المنظومة الرأسمالية نفسها وليس بالالتجاء لأدواتها لمحاولة التخفيف من أعراض دائها.

فحالنا كحال من يصر على الذهاب لدور القمار لأنه يظن أنها الوسيلة الوحيدة لكسب المال، ثم كلما خسر يبحث عن حلول لتحسين شروط المقامرة وأدواتها، ويستدين مزيدا من الأموالا ليُقامر بها، ظانا كل مرة أنه سيكسب. في حين أن الحل يكون بالاعتراف بحُرْمة القمار والابتعاد عنها تماما.

فالمنظومة الرأسمالية مثل القمار، هي لب الداء، والمطلوب هو الخروج منها وليس التأقلم معها وتحسين شروطها وأدواتها، والبلدان الاسلامية التي لم تعي هذه الحقيقة، ستبقى تتخبط بين حلول ترقيعية تُبقيها مرتهنة اقتصاديا وماليا وسياسيا لأمريكا، حتى يصبح مجرد تصريح أو قرار للرئيس الأمريكي كفيل بهز اقتصادها.

من الخطوات المهمة للخروج من المنظومة الرأسمالية:

  • تصفية كل الديون الخارجية في أسرع وقت ممكن. فكما استطاعت تركيا تسديد جميع ديونها لصندوق النقد الدولي مع حلول سنة 1434هـ (2013م)، فإنها تستطيع ولا شك بإرادة سياسية قوية وتلاحم شعبي تسديد كل الديون المُستدانة من مصارف دول خارجية.
  • منع اتخاذ قروض من دول ومصارف خارجية: وضع قانون دستوري يمنع منعا كليا الدولة والشركات العاملة في تركيا اتخاذ قروض من الدول والمصارف الخارجية أو من المصرف الدولي أو صندوق النقد الدولي؛ اللهم إلا إذا كانت قروضا بدون ربا من “بلدان إسلامية” حصرًا أو “أفراد أغنياء من المسلمين حصرا”، لكن تحت شرطين مهمين: أولا، أنه إذا لم تستطع رد الدين في الأجل المتفق عليه فعلى البلد المسلم المُدين الصبر الى أن تستطيع أداءه دون ربا أو غرامات مالية، لقول الله {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} (سورة البقرة)، يقول ابن كثير: [يَأْمُرُ تَعَالَى بِالصَّبْرِ عَلَى الْمُعْسِرِ الَّذِي لَا يَجِدُ وَفَاءً، لَا كَمَا كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُ أَحَدُهُمْ لِمَدِينِهِ إِذَا حَلَّ عَلَيْهِ الدَّيْنُ: إِمَّا أَنْ تَقْضِيَ وَإِمَّا أَنْ تُرْبِيَ]. وثانيا، أن لا “يبيع” البلد المُدِين الدَّين لدولة أخرى أو لمؤسسة دولية فتستغلها هاته الأخيرة كورقة ضغط وابتزاز. فالديون الخارجية هي أهم السبل لاستعباد الشعوب والدول وابتزازها والتلاعب بعُملتها، وفرض سياسات عليها تصب لخدمة المصالح الاقتصادية والسياسية والعسكرية والعقائدية والثقافية للدول المُدينة، فدول الغرب ومؤسساته المالية كصندوق النقد الدولي والمصرف الدولي أصبحوا هم من يضعون القوانين والدساتير في البلدان الإسلامية ويحددون السياسة الاقتصادية، بل حتى المناهج الدراسية. فمثلا كل سياسات رفع الدعم عن مواد استهلاكية أساسية (كالوقود والدقيق والزيت والسكر الخ) التي عرفتها عدد من البلدان الإسلامية في السنوات الماضية وأدت لغلاء الأسعار، كانت مملات من قبل الغرب ومنظماته المالية.
  • منع الربا: إصدار قانون دستوري يحرم كل أنواع الربا تحريما قطعيا امتثالا لأمر الله، فلا يجوز للدولة ولا للشركات ولا للمصارف ولا للأفراد التعامل بالربا. فالربا كالسرطان الذي يمص مصًّا الاقتصاد الحقيقي المعتمد على العمل والانتاج، ويجعل الأموال تنتهي بيد فئة قليلة من كبار المرابين فيتحكمون بالاقتصاد وبأرزاق الناس وبقيمة العُملة، ولذلك الربا يساوي إعلان الحرب على الله والرسول {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِه} (سورة البقرة). وقال سبحانه عن الربا {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (سورة البقرة).

الربا من الموبقات، أي من كبائر المعاصي والذُّنوب المُهْلكات، قال الرسول: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَالسِّحْرُ وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَكْلُ الرِّبَا وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ» (صحيح البخاري)، وقال: «لَعَنَ اللّه آكِلَ الرِّبَا وَمُؤْكِلَهُ وَكَاتِبَهُ وَشَاهِدَيْهِ» (صحيح مسلم). وقال: «الرِّبَا ثَلَاثَةٌ وَسَبْعُونَ بَابًا، أَيْسَرُهَا مِثْلُ أَنْ يَنْكِحَ الرَّجُلُ أُمَّهُ» (صحيح الجامع الصغير وزيادته للألباني). فكيف يفلح اقتصاد بلد مسلم وهو مبني على الربا؟ كيف يفلح من أعلن الحرب على الله بأكل الربا؟ كيف لا يهلك اقتصادٌ مبني على الربا أحد الذنوب المُهلكات؟ كيف يفلح اقتصاد ملعون بسبب اعتماده على الربا؟ كيف لا يتخبط اقتصاد وهو لا يقوم (إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ) بسب الربا؟

  • منع أسواق الأسهم والمضاربات المالية “الافتراضية” التي لا تتوفر فيها شروط البيع والشراء وعقود صحيحة كما بينها الله ورسوله (يدا بيد؛ بضاعة معلومة مقابل مال معلوم؛ شركاء ومتبادلون معلومون؛ شراكة فعلية يتحمل فيها كل الشركاء الخسارة والربح؛ الخ). فهذه الأسواق للمضاربات المالية ليست إلا أماكن للقمار، يقامر فيها الشخص وتقامر فيها الدول والشركات بالأموال والمنتوجات والممتلكات التي كدوا ليصنعوها وينتجوها ويدخروها، فيستحوذ عليها بضغطة زر أناس ومؤسسات رأسمالية مجهولين، بأساليب وطرق لا يدركها إلا كبار الرأسماليين الغربيين الذين صنعوا الأسواق المالية ويضعون قوانينها. فالمُتعاملون في أسواق الأسهم والمضاربات المالية كالذين يعملون عملا حلالا ويكدون فيه لينتجوا بضاعة أو خدمة حقيقية ذات قيمة ذاتية ملموسة أو محسوسة، وحين يحصلوا في آخر الشهر على أجرة العمل يذهبوا ليقامروا بها في نوادي القمار، فإنه ولو ربحوا في القمار مرة أو بضع مرات، إلا أن غالبيتهم الساحقة تخسر عاجلا أو آجلا كل شيء، لأن نوادي القمار لا تنتج شيئا وليس عندها ما تبيعه، هي تربح بأخذ الاموال من المقامرين ومنح نسبة منها لبعض من أولئك المقامرين. نوادي القمار أُسست على ألاعيب لأخذ أموال المقامرين، وكذا أسواق الأسهم والمضاربات المالية.
  • كيفية تمويل المشاريع: عند حاجة الدولة لأموال من أجل مشاريع كبرى، فعليها حشد همم المسلمين في تركيا وخارجها ليتبرعوا حسب المستطاع من أموالهم، بدلا من الاستدانة من دول خارجية. فهذه من الطرق التي كان يعتمدها الرسول عندما أقام دولته في المدينة. فقد ندب الرسولُ المسلمينَ لشراء بئر رُومة، فاشتراه عثمان رضي الله عنه من ماله الخاص وجعله ملكا عاما للمسلمين ليستغنوا عن اليهود في حاجتهم للماء. وندب الرسول المسلمين لتجهيز جيش العُسرة في غزوة تبوك فتبرع المسلمون وعلى رأسهم عثمان بأموال طائلة، الخ. …. وإبان ما سميت بحرب الاستقلال في تركيا (1337-1341هـ / 1919-1923م) جمع المسلمون من كل أنحاء العالم الإسلامي كميات هائلة من الأموال والحُلِي وأرسلوها إلى تركيا ليدعموا الخلافة العثمانية. … إلا أن رغبة المسلمين وقدرتهم على التبرع والتضحية لن تكون قوية وسخية وعارمة وشرعية إلا إذا رأوا بالأفعال (وليس بالأقوال) أن تركيا تستعمل أموالهم لدعم اقتصاد إسلامي وليس لضخها في صفقات ربوية وتجارات محرمة. إذا كانت المصارف والدول تضع شروطا صارمة على المستدين عليه استيفائها ليحصل على قروض ربوية، فالأولى أن يشترط عشرات ملايين المسلمين المُضحون بأموالهم على الدولة التركية أن تصرفها في الحلال، فالله أمر بالتعاون على الأعمال الصالحات وليس على الإثم {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} (سورة المائدة).
  • تُمَكِّن الدولة الناس والشركات من ديون بدون ربا وتمنحهم هبات مالية ليمولوا بها المشاريع الاقتصادية، فلا يضطرون للاستدانة من مصارف أجنبية.
  • إحياء الوقف الاسلامي: على الأمة إعادة إحياء نظام الوقف الإسلامي المستقل عن الدولة، وعلى الدولة تشجيع ذلك والتحفيز عليه، دون التدخل في إدارته. الوقف يعني لغويا الحبس أو المنع، واصطلاحاً هو ”حَبْسُ العَيْن أو الأَصْل على مِلْكِ الوَاقِفِ فَلَا يَزُولُ عَنْهُ مِلْكُهُ لَكِنْ لا يُبَاعُ ولا يُورَثُ ولا يُوهَبُ، وتَسْبيل المنفعة كالمنتوج أو الربح“، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «حَبِّسِ الأصلَ وسبِّلِ الثَّمرةَ» (كتاب الأم للشافعي). ويشمل الوقف الأصول الثابتة كالعقارات والمزارع  ونحوها، ويشمل الأصول المنقولة التي تبقى عينها بعد الاستفادة منها كالآلات والطائرات والسيارات والحواسيب، وبرمجيات الحاسوب، الخ. أما التي تذهب عينها بالاستفادة منها فتعتبر صدقة كالنقود والطعام وغيرها. ويختلف الوقف عن الصدقة في أن الصدقة ينتهي عطاؤها وأجرها بإنفاقها، أما الوقف فيستمر العين المحبوس في الإنفاق في أوجه الخير حتى بعد الوفاة، فتكون صدقة جارية يُكْتَسب منها الأجر حتى بعد الممات. الأوقاف تُستعمل للاستثمار في قطاعات ومشاريع متنوعة تعود بالمنفعة العلمية أو الاقتصادية أو الاجتماعية على الأمة. الوقف كان أحد ركائز النمو الاقتصادي الذي عرفه المسلمون منذ عهد النبوة، وكفيل ليكون بديلا حلالا وقويا لتمويل مشاريع المسلمين في كل القطاعات بدلا من اللجوء لمصارف غربية ربوية.
  • العمل على تحقيق اكتفاء ذاتي في تصنيع كل ما تحتاجه تركيا من قطاع غيار وأسلحة وأدوية وأقمار اصطناعية وآلات الخ، حتى تقلص الدولة ما أمكن اعتمادها على الاستيراد.
  • تشجيع التجارة الداخلية بتخصيص كل منطقة في البلاد بنوع من الصناعات والمنتوجات والخدمات، فينموا التبادل والتجارة بين المناطق المختلفة للدولة، وبالتالي يقل الاعتماد على التصدير للخارج وما يترتب عليه من اعتماد على الدول المستوردة.
  • اعتماد الذهب والفضة عُملة للدولة، والنقود الورقية لا يجوز لها أن تستند الى أي عملة أجنبية، لا للدولار ولا اليُورُو الأوروبي ولا اليوان الصيني، بل تستند الى الذهب والفضة، فيجب أن تكون مغطاة 100% بقيمة محددة ثابتة من الذهب أو الفضة. ومعنى أن النقود الورقية مغطاة بالذهب أي أن كل ورقة نقدية تم سَكّها هي مجرد وَصْل استلام أو إيداع لكمية معينة من الذهب أو الفضة تُودَع في خزينة الدولة. فالوَصْل أو النقد الورقي لا يحمل قيمة ذاتية، بعكس الذهب والفضة، لكنه – أي النقد الورقي – يُثبت ملكية كمية من الذهب أو الفضة مُودعة لدى خزينة الدولة، يجوز لحاملها صرفها ذهبا أو فضة متى شاء. هكذا تكون للنقود قيمة ثابتة لا تفقدها مهما طرأ على الوضع الاقتصادي، وتكون الدولة مستقلة عن الدول الاجنبية ومؤسساتها المالية.
    فمنذ تاريخ البشرية القديم كانت النقود عبارة عن قطع من الذهب والفضة، وكان الناس في تجاراتهم الدولية لا يعيرون اهتماما لما يُطبع عليها من رموز للدولة التي سكتها، بل يكتفون بوزنها لِتُحدد قيمتها. ومن أَشْهَر النقود المعدنية التي أثبت القرآن وجودها وأقرَّها هي الدينار (قِطَع من الذهب) والدرهم (قطع من الفضة)، {وَشَرَوْهُ بثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ} (سورة يوسف)؛ {وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا} (سورة آل عمران). وحتى لما طوَّر الانسان النقود الورقية فقد كانت مغطاة بالذهب، وبقيت العملات الورقية على هذا الحال حتى سنة 1363هـ (1944م) حيث فرضت أمريكا المنتصرة في الحرب العالمية الثانية اتفاقية “بريتون وودز” التي جعلت عملات الدول الموقعة على الاتفاقية مستندة قيمتها الى الدولار بدلا من الذهب، وجُعِل الدولار بداية محددا بسعر ثابت من الذهب (35 دولار مقابل أونصة من الذهب – حوالي 31 جرام –) ومغطًى به. إلا أنه سنة 1391هـ (1971م) أعلن الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون وقف قابلية تبديل الدولار إلى الذهب، فأصبحت أمريكا تطبع ما تشاء من دولارات دون أي غطاء من الذهب، ومنذ ذلك الوقت فقدت النقود الورقية أي سند قَيْمِيٍّ، قيمتها “معنوية” تتقلب حسب قوة الدولة العسكرية أولا ثم الصناعية، وأصبحت عُملات دول العالم تحت رحمة الدولار.
  • عدم خصخصة أي منشآت وخدمات أصلها – كما حدد الاسلام – أنها ملك لكل الناس (كالماء والمناجم الخ)، وإعادة شراء الدولة لكل المنشآت العامة التي خصخصتها من قَبل. فهذه المنشآت يجب أن تديرها الدولة لتضمن تمكين الناس من منتوجاتها وخدماتها بأثمان تتناسب وقدراتهم المادية، كما أنها تشكل مصادر مالية مهمة ودائمة للدولة تمول بها مشاريع وتنفق منها على حاجيات الناس وخدمة مصالحهم العامة. فالخصخصة جرَّت ويلات حتى على الشعوب الغربية، فالشركات التي اشترت الملكيات العامة عمدت لطرد جزء كبير من العمال، وترفع بالتدريج وباستمرار أثمنة المنتوجات والخدمات وأصبحت تتحكم بالمصالح العامة للشعب؛ وفي المقابل المبلغ المالي الذي حصلت عليه الدولة لمرة واحدة مقابل بيع الملك العام ما يلبث أن ينبض فتفقد الدولة موارد دائمة وحيوية للمال فتضطر لأخذ مزيد من الضرائب تُفقر بها الناس.

الحلول المقترحة لا يمكن العمل بها إلا عن عقيدة تتبناها الدولة

هذه الحلول المقترحة كفيلة لسد الطريق أمام كل دولة تريد التآمر اقتصاديا على تركيا، فباستغناء تركيا عن أموال الغرب واستثماراته تغلق الباب أمام أي محاولة منه للتأثير في الاقتصاد التركي، يقول المثل الشعبي: “الباب الذي يأتيك منه الريح، سدو واستريح”.

وطبعا أدرِكُ تمام الإدراك أن الحلول التي اقترحتها ستظهر للبعض وكأنها خرافية وبعيدة المنال، وهي فعلا كذلك بالنسبة لغير المبدئيين، بالنسبة للذين لا يرون وجوب الانصياع لأوامر الله والرسول في مجالي الاقتصاد والسياسة أيضا ورغم أنف أمريكا والعالم كله. فالله قال مثلا عن الصلاة {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} (سورة البقرة)، فحتى الصلاة تجدها (كَبيرَة)، أي شاقة وثقيلة على من لا يخشى الله ولا يؤمن حقا بلقائه، فلا يؤديها.

لكن هذه الاقتراحات هينة على من يؤمن بالله ورسول ويجعل رضوان الله نصب عينيه قبل أي شيء آخر. فلا ولن يمكن للبلدان الإسلامية التحرر من قبضة الغرب إلا بحمل عقيدة الإسلام وإحيائها في نفوس الشعوب المسلمة. وَاهِمٌ من يظن أن الدول تُبنى وتقوى بالمال والاقتصاد. بل العقيدة وإقامة الشريعة هي التي تصنع دولة قوية وتُحَصِّنها ثم يترتب على ذلك بداهة نمو اقتصادي قوي وثابت ومستقل ومُحَصَّن ضد المؤامرات الخارجية. وقد صرح الرئيس أردوغان في خطاب للجماهير قائلا: (لهم دولاراتهم ولنا ربنا). نعم صدق، لكن متى يكون الله معنا وينصرنا؟ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} (سورة محمد). يقول الشنقيطي في تفسيره “أضواء البيان”: [وَمَعْنَى نَصْرِ الْمُؤْمِنِينَ لِلَّهِ: نَصْرُهُمْ لِدِينِهِ وَلِكِتَابِهِ، وَسَعْيُهُمْ وَجِهَادُهُمْ فِي أَنْ تَكُونَ كَلِمَتُهُ هِيَ الْعُلْيَا، وَأَنْ تُقَامَ حُدُودُهُ فِي أَرْضِهِ، وَتُمْتَثَلَ أَوَامِرُهُ وَتُجْتَنَبَ نَوَاهِيهِ، وَيُحْكَمَ فِي عِبَادِهِ بِمَا أَنْزَلَ عَلَى رَسُولِهِ].

المصادر:

  • Press Release on Financial Markets Central Bank of the Republic of Turkey, 13 August 2018 

http://www.tcmb.gov.tr/wps/wcm/connect/EN/TCMB+EN/Main+Menu/Announcements/Press+Releases/2018/ANO2018-31

http://www.tcmb.gov.tr/wps/wcm/connect/EN/TCMB+EN/Main+Menu/Announcements/Press+Releases/2018/ANO2018-30

http://www.tcmb.gov.tr/wps/wcm/connect/EN/TCMB+EN/Main+Menu/Announcements/Press+Releases/2018/ANO2018-32



 

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

د. هشام البواب

الدكتور هشام البواب، ناقد ومحلل سياسي واجتماعي مستقل . مقالاته تشمل موضوعات سياسية واجتماعية وفقهية وعلوم تجريبية :::::: بعض كتابات الدكتور هشام البواب في الرابط التالي: https://atanwir.com/منشورات-الدكتور-هشام-البواب ::::::: hicbou1@mailfence.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى