سياسة

فقه المفاوضات (الجزء الاول)

هذا بحث نشرته أول مرة باسم مستعار سنة 1434هـ (2013م) تحت عنوان «آفة المفاوضات و مخطارها على الامة الاسلامية»، حذرت فيه منذ اللحظة الأولى من المفاوضات التي بدأتها آنذاك فصائل ثورة سوريا مع الغرب ونظام بشار الأسد، وبينت فيه حدود المفاوضات وشروطها وأهدافها. وتوقعاتي تحققت للأسف، إذ انتهت مفاوضات فصائل ثورة سوريا، – تحت رعاية الغرب و”الضامنين”: تركيا، روسيا وإيران -، الى تفكيك الثورة وفصائلها وتسليم الثوار لغالبية الأراضي التي كانوا قد سيطروا عليها الى إيران ونظام بشار الأسد.

ارتأيت إعادة نشر هذا البحث، على خلفية المفاوضات المضنية منذ أشهر بين اسرائيل وحلفائها من جهة، وأهل غزة من جهة أخرى.

تعريف المفاوضات

التفاوض ھو عملیة یلجأ الیھا طرفان أو أطراف للتفاھم على مصالح یشتركون أو یریدون الاشتراك فیھا، أو یختلفون علیھا، وذلك بھدف الوصول الى حلول تحقق اقصى حجم ممكن من المصلحة التي یسعى لأجلھا كل طرف، وبأقل كلفة أو ضرر! والمصالح قد تكون مالية، أو اقتصادية، أو تجارية، أو عسكرية، أو أمنية، أو توسعية، الخ.

كیف تُرَجَّح كفة أحد طرفي المفاوضات

حجم المصالح التي یمكن لأي طرف تحقیقھا خلال المفاوضات تتعلق بمدى رجاحة كفته في میزان القوة بین الأطراف المتفاوضة على أرض الواقع. وحین تكون قوة الاطراف المتفاوضة متقاربة یتعلق كسب طرف ما للمفاوضات بمدى حنكته السیاسیة وقدرته على المناورة والتفاوض!

من لا یحمل مبدأ ثابتا واضحا فھو خاسر للمفاوضات لا محالة 

قیمة المصلحة ونوعھا التي یسعى المتفاوض لتحقیقھا تتعلق بما إذا كان یحمل فكرا ومبدأ، وبنوع الأفكار والمبدأ الذي یحمله، ومدى إیمانه والتزامه به! فالمبدئي یضع خطوطا حمرا على مجموعة قیم ومصالح جوھریة، حیویة، لا یسمح البتة القُرب منھا، ولا یجعلھا أصلا مجال نقاش أو تفاوض، ويعتبرها مسألة حیاة أو موت، …. یخوض الحرب من أجلھا ولا یقبل حیاةً بدونھا.

فالمبدئي یضع أھدافاً واضحة ومحددة یرید تحقیقھا، ولا یجعل المفاوضات الوسیلة الوحیدة أو الاساسیة أو الأرجح لتحقیق ذلك، …. ولا یلجأ الى التفاوض بأي ثمن أو دون شروط، …. بل لا یقبل بالتفاوض إلا تحت شروط واضحة صریحة یضعھا ھو ، … ولا یقبل بالمفاوضات إلا إذا كان یرى فیھا حظوظا معقولة لتحقیق مصالحه! وبالتالي لا یقبل مثلا بما یسمى “مفاوضات دون شروط مسبقة”!! …. فالانسان غير المبدئي والضعیف ھو الذي یقبل بما یسمى مفاوضات دون شروط مسبقة، … فھي في الحقیقة مفاوضات بدون شروطه ھو، ولكن بشروط مسبقة للطرف الآخر أو للأطراف الاخرى المتفاوضة ضده!! …. وبالتالي فلیس ھناك شیئ اسمه مفاوضات بدون شروط مسبقة، وإلا لأصبحت مفاوضات عبثیة بدون اھداف، وللتسلیة فقط!!

وغير المبدئي أو الضعیف أو الساذج ھو الذي یظن انه یحقق مصالحه بالمفاوضات فقط ویعلق كل آماله علیھا ویربط مستقبله بھا. فهو في ھذه الحال، یدخل المفاوضات لیس كطرف مفاوض، بل كأسیر أو عبد یتلقى إملاءات لِمَا ینتظر منه خصمه أو خصومه القیام به.

خاسرٌ المفاوضات من يدخلها بدون قوة مادیة ودون جدیة في استعمالھا 

إذًا المفاوضات لا یمكن الاعتماد علیھا أو اللجوء الیھا دون وجود قوة مادیة محسوسة ملموسة على ارض الواقع ودون إدراك الخصم بجدیتك وعزمك على استعمالھا لتحقیق مصالحك إذا لم تتحقق بالسلم والتوافق. لذلك كثيرا ما ترى تصعيدا عسكريا على الأرض، يُصاحب جولات المفاوضات، للضغط على الخصم لتقديم تنازلات في المفاوضات والخضوع للشروط. 

ولا يقبل بالمفاوضات ولا يلتزم بنتائجها، إلا من قهرَتْه قوة خصمه، وأهلكته. 

والقوة دون وجود إرادة لاستعمالها، وجودها (أي القوة) كعدمها، بل لا بد من إرادة وعزيمة وحسم وحزم في استعمالها، دون تردد أو خوف. يقول الله سبحانه {ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البَابَ فَإذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} (سورة المائدة)، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (سورة التوبة). {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ والآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا} (سورة النساء).

فالمفاوضات تسعى إذن لإقرار نتیجة أو واقع معین مُتَوَقَّع أو ُمتَوَّھم الانتھاء الیه بالقوة والحرب، فیتم تجاوز الحرب وتبعاتھا وأضرارھا وإقرار نتیجة یبدو لكل الاطراف المتفاوضة انه لا مفر منھا! فالمفاوضات لا تاتي بأكثر مما تستطیع تحصیله بالحرب، … بل تمكنك في غالب الاحیان من الحصول على اقل ما كنت ستحصل علیه من خلال الحرب

حجم القوة المادیة والمقوماتالمعنویةالتي یتحقق بھا النصر

والقوة المادیة التي یستطیع الانسان الانتصار بھا وفرض واقع معين إنما ھي قوة نسبیة، لا یمكن تحديدها أو حصرها بعدد معین من الرجال ونوع معين من العتاد وكميته، … فببُحسْن التدبیر والذكاء في وضع الخطط والمناورات یمكن جعل قوة القلیل من العتاد والعدد، تضاھي قوة أضعاف منھا لمن لا حنكة له ولا ذكاء ولا خطة!

ثم إن ھناك أمور اخرى معنویة وإیمانیة، محسوسة غیر ملموسة، كالعزیمة والشجاعة وعظمة الھدف الذي یُقاتَل من أجله، والایمان القوي بذلك الھدف، والثقة بالنفس والصبر والثبات، والبعد عن الغرور، … وعند المؤمن یُضاف الى ذلك التوكل على الله وربط النصر بإرادته سبحانه وبطاعته وجعل القتال لرفع كلمة الله ونصر دینه وإقامة شريعته، ولیس لحظوظ النفس ولا لحُب العُلو في الارض والإفساد والظلم {تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلَا فَسَادًا والعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} (سورة القصص)، ….. كل ھذه الأمور المعنویة والإیمانیة جد ھامة، ترفع من قدرة وقوة نفس العتاد والجُند والعدد أضعافاً مضاعفة!!

وقد بَیَّن الله أھمیة المقومات المادیة والمعنونة على السواء، إذ یقول مثلا: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّه وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ} (سورة الأنفال). فأمر الله بالأخذ بالأسباب وإعداد القوة المادیة ما استطاع المسلمون إلیھا سبیلا، أي لیس الشرط توفر قوة بقدر معین ولیس الطلب إعداد ما لیس في المقدور، وإنما بدل اقصى المجھود، دون تقصير، لتحقیق ما یُقدَر علیه فعلا من المقومات المادیة! … 

ثم یبین الله أن المقومات المادیة وإن وَجَب الأخذ بھا، وإن تحققت على أقصى مستویاتھا، إلا ان ھناك مقومات اخرى حاسمة في تحقق النصر من عدمه، حيث یقول الله مثلا : {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ} (سورة التوبة)، فقد انتاب المسلمین یوم حنین الغرور بعددھم وعدتھم فظنوا أن لن یُقدَر علیھم، فإذا بالعدو ینال منھم فیلوذون بالفرار، وكادوا ینھزموا، لولا أن ثبت الله الرسول والمؤمنین! ….

ثم یقول الله: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} (سورة الأنفال)، فیبین الله عَظمة الصبر والثبات وأھمیته في تحقیق النصر ولو قَلَّ العدد والعتاد!

إِذَن لَما قلنا أن المفاوضات لا یمكن الاعتماد علیھا أو اللجوء الیھا دون وجود قوة مادیة محسوسة ملموسة، یُعتمد علیھا في الضغط على الخصم، فعامل القوة المادیة الذي نتكلم عنه ھو عامل نسبي ویتعلق بنظرة الانسان لمقومات القوة ومدى قدرته على توظیف قوة قلیلة لتحقیق انتصار كبیر على من ھو اكثر منه عددا وعدة، ….

ولما قلنا أن المفاوضات تسعى لإقرار نتیجة مُتَوقع أو ُمتَوھم الانتھاء الیھا بالقوة والحرب، فذلك لأن الانسان الذي یربط القدرة على النصر بالمقومات المادیة فحسب، فلا شك انه سیتوھم انه إذا خاض الحرب ضد من ھو أضعف منه، سيسحقه وسيفرض عليه إرادته، ولا يحتاج لتفاوض. أما إن خاض الحرب ضد من هو اكثر منه عددا وعتادا فإنه يظن أنه منھزم لامحالة، وبالتالي یتسابق الى المفاوضات ویقبل بكل الشروط التي یضعھا خصمه، فتصبح أھدافه تقتصر على البقاء على قید الحیاة، ولو تحت الذل والقهر والظلم والعبودية!!….فھو بنى توقعاته لنتائج الحرب حسب نظرته ھو لماھیة القوة المادیة وحجمھا الواجب توافره، ودون الأخذ بالمقومات المعنویة والإيمانية، أو دون الأخذ بأسباب القوة المادية!! …. وربما لو توفرت فیه المقومات الإیمانیة لاختار الحرب على المفاوضات المذلة ولانتصر بالقلیل من العدد والعدة، ألم یقل الله تعالى ِذ ْكره: {فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فئَةً كَثِيرَةً بإذْنِ اللَّهِ واللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} (سورة البقرة)!!

إذاً المفاوضات لا یكسبھا إلا من كانت له قوة مادیة “نسبیة”، وله من العزیمة والثقة بالنفس والجدیة والصبر والثبات والحزم، ما یجعله لا یتردد في استعمال القوة إذا اقتضى الامر ذلك لتحقیق مصالحه على أرض الواقع بالقوة، وإجبار عدوه على التفاوض وقبول شروطه.



 

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

د. هشام البواب

الدكتور هشام البواب، ناقد ومحلل سياسي واجتماعي مستقل . مقالاته تشمل موضوعات سياسية واجتماعية وفقهية وعلوم تجريبية :::::: بعض كتابات الدكتور هشام البواب في الرابط التالي: https://atanwir.com/منشورات-الدكتور-هشام-البواب ::::::: hicbou1@mailfence.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى